بتاريخ 28-3-2012، اصدر القاضي المنفرد الجزائي في البترون منير سليمان حكما مميزا تنشر المفكرة مقتطفات منه بحرفياتها مع تعليق موجز عليها.
مقتطفات من الحكم 
"وحيث يتذرع المدعى عليه بفيضان النهر سنويا وجرفه التربة الزراعية مما يلحق به ضررا في مجال استثمار الارض زراعيا،
وحيث ان المدعى عليه هو مهندس زراعي وفق ما اشار اليه في التعريف عن هويته، ومن المفترض ان يكون مطلعا على ان مجاري المياه والانهر تسري في جريان طبيعي وترسم طريقها بفعل احكام الطبيعة، وهي على مرّ العصور ومع السنين تكون قد حددت بوضوح معبرها وتكوّنت فيها وعلى ضفافها حياة بيئية حيوانية ونباتية، شكلت نظاما اكولوجيا مبنيا على التنوع البيئي يفترض ايضا ان يكون المدعى عليه بالصفة المذكورة، مضطلعا به،
وحيث ان المحكمة تعود وتؤكد في قرارها، كما في قرارات اخرى، على ان الانسان هو عنصر من عناصر هذه الطبيعة وهو بالتالي جزء من هذا النظام الاكولوجي بحيث ان المس بهذا النظام وبالحياة البيئية المكونة له هو مس حتمي بصحة الانسان وبحياته،
وحيث ان افعال المدعى عليه، الذي القى بالردميات على ضفتي نهر الجوز، تشكل احد انواع التلوث البيئي الذي يؤدي الى ما تم بيانه، اذ ان الاثر البيئي الناجم عن هذه الردميات يترجم بالقضاء على الحياة النباتية والحيوانية في النهر على ضفتيه لحلول الردم بدل التربة الخصبة ولفقدان المراعي، مما يشكل خللا في استقرار النظام الجرثومي يؤدي الى تكاثر الحشرات لا سيما عند تسميد الارض الزراعية، وانقضاض افواجها على المناطق السكنية وعلى المشاريع الزراعية في ظلّ فقدان الحواجز الطبيعية او الكائنات التي تتغذى منها، الامر الذي من الناحية الاقتصادية سيستلزم اكلافا اضافية على عاتق المزارعين بفعل تعرض المحاصيل للامراض ولزوم مكافحتها عن طريق المبيدات، ومن الناحية الصحية تعريض الانسان للخطر اولا بفعل تكاثر الحشرات والامراض والاوبئة التي تأتي بها وثانيا بفعل استهلاكه للمزروعات التي جرى معالجتها بالمبيدات،
وحيث على ضوء ما صار بيانه يكون قد تبين للمحكمة ان المدعى عليه في سعيه الجشع لتوسيع بضعة امتار الارض المستثمرة منه بهدف زيادة ارباحه، لم يفقه ان ما قام به لهذه الغاية، من شانه الاضرار به وبصحّة الناس على مختلف الاصعدة...
وحيث ان افعال المدعى عليه المدعى بها امام هذه المحكمة تقع تحت طائلة نص المادة 745 عقوبات ومما لا ريب فيه، انها تؤلف الجريمة المنصوص عليها بالمادة 9 من القانون رقم 64/1988.. واليت تنص على انه يرتكب جريمة تلويث البيئة من يرمي في الانهار والسواقي وسائر مجاري المياه او اي مكان آخر المواد المختلفة التي تضر مباشرة او بنتيجة تفاعلها بالاسنان او بالحيوان او بسائر عناصر البيئة"، مع الاشارة الى ان الردميات، مخلفات عمليات الانشاء والهدم، قد جاء النص عليها ضمن الجدول رقم 1 من القانون على انها من النفايات الخطرة، ....    
لذلك، نحكم،
اولا: بادانة المدعى عليه .. بالجنحة المنصوص عليها بالمادة 745 عقوبات وبتغريمه مبلغ قدره خمسمائة الف ليرة لبنانية، وبادانة المدعى عليه بالجنحة المنصوص عليها بالمادة 9 معطوفة على المادة 10 من القانون رقم 64/88 وبحبسه مدة ثلاثة اشهر وبتغريمه مبلغ قدره خمسة عشر مليون ليرة لبنانية، ....
ثالثا:  بالزام المدعى عليه بازالة الردميات كافة عن ضفاف نهر الجوز ومن داخل مجراه وباعادة الحال الى ما كانت عليه في الامكنة المحددة في محضر التحقيق الاولي ... في مهلة شهر من تاريخ انبرام الحكم تحت طائلة غرامة اكراهية قدرها ثلاثمائة الف ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير،
 رابعا: وبابلاغ صورة عن هذا القرار من جانب وزارتي الطاقة والمياه والبيئة ليصار الى ارسال خبير من قبل الاولى للتحقق من سلامة مجرى النهر ومن ازالة التعدي على ضفتيه ولارسال خبير من الثانية لتحليل الاثر البيئي والتحقق من سلامة النظام البيئي في الامكنة المشار اليها آنفا".
تعليق:
هذا الحكم تميز من خلال الرسائل التي تضمنها والتي هدفت كلها الى حماية البيئة من مواقع مختلفة، وابرزها الآتية:
اولا، الرسالة الاولى التي وجهها الى الرأي العام لتحسيسه باهمية حماية البيئة والمحافظة عليها. وهو لم يكتف في هذا المضمار بتطبيق النص او التذكير بمضمونه، بل هو ذهب ابعد من ذلك في اتجاه احاطته بابعاد اجتماعية وانسانية فائقة. وهكذا، وبمنطق المحكمة، المحافظة على البيئة ونظافة الانهار هي من مقتضيات المحافظة على الحياة البشرية التي لا تعدو كونها "عنصرا من عناصر هذه الطبيعة وجزءا من هذا النظام الاكولوجي" وبالتالي هي ليست مجرد كماليات كما قد يظنه البعض انما ضرورات حياتية يجب ان تبقى في رأس الاولويات. وقد شددت المحكمة على ان موقفها في هذا المضمار ليس جديدا انما هي اعلنته واكدت عيله في قرارات سابقة، علما ان اكثر هذه القرارات شهرة هو القرار الصادر في 3-12-2009 والذي رفضت فيه، في ختام الاعلان عن تعريفها المذكور للطبيعة، عد العلاقات المثلية افعالا مخالفة لها. والمحكمة بذلك تكون وكأنها تجتهد لتحسيس الرأي العام ليس فقط باهمية الدفاع عن الطبيعة، بل باهمية اعادة النظر في كيفية فهمه لها وتاليا باولوياته في هذا المضمار: فالطبيعة الواجب الدفاع عنها هي النظام الاكولوجي البيئي (الذي قلما نوليه ما يستحق من اهتمام وتشدد)، وليس الاعتبارات الاخلاقية التي نتشدد في فرضها على اقليات معينة في مواقف هي اقرب  للاعتداء على الطبيعة منه للدفاع عنها.      
ثانيا، الرسالة التي وجهها للنيابة العامة: فهو ذكرها بان ثمة قانونا خاصا (قانون المحافظة على البيئة ضد التلوث) فرض عقوبات اقسى على الافعال المخلة بالبيئة، وتاليا بان افعالا مماثلة لا تقع فقط تحت طائلة قانون العقوبات وفق ما يظهر من الادعاء انما ايضا تحت طائلة هذا القانون الخاص. 
ثالثا، الرسالة الموجهة الى المخالفين الذين قد يغلبون مصالحهم على المصلحة العامة (جشع)، وذلك من خلال العقوبات الزاجرة التي انتهى اليها الحكم والتي وصلت الى ثلاثة اشهر حبس والى غرامة قدرها خمسة عشر مليون ليرة لبنانية، فضلا عن الزام المدعى عليه باعادة الحال الى ما كانت عليه.
رابعا، الرسالة الموجهة الى الادارات العامة. فعدا عن ان القاضي ضمن حكمه وجوب ابلاغ نسخة عنه الى وزارتي البيئة والطاقة والمياه، فانه وضع على عاتقها مهمة مساعدة محكمته في تنفيذه. وبالواقع، وابعد من تنفيذ هذا الحكم (الذي ربما يستأنف او يفسخ)، تبقى هذه الفقرة بمثابة تذكير للوزارتين بموجباتهما وارشادا لهما لما يدخل دون ريب في صلب ما اؤتمنا عليه.
 

نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية