كَثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة إقرار قانون سلامة الغذاء، وذلك عقب الذعر العام الذي أحدثته حملة وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور في تشرين الثاني 2014 والتي كان محورها الكشف عن لوائح لمطاعم ومؤسسات غير مطابقة للشروط والمعايير الصحية وإقفال البعض منها على خلفية هذه المخالفات. وبتاريخ 22-1-2015، استجابت اللجان النيابية المشتركة للمطلب وأقرّت اقتراح قانون سلامة الغذاء "باسل فليحان" كما عدّلته اللجنة الفرعية المنبثقة منها والذي اختلف في بعض أحكامه عن الصيغة الأصلية له. ويلحظ بالمناسبة أن هذا الإقرار يحصل بعد 12 سنة من صياغته في وزارة الاقتصاد في عهد الوزير الراحل باسل فليحان و8 سنوات من تبنيه من قبل حكومة فؤاد السنيورة (2006). وكان النائب عاطف مجدلاني قد أعاد تقديمه كاقتراح قانون رداً على استرداده من قبل حكومة نجيب الميقاتي (2011).

وسنحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على التعديلات التي أدخلتها اللجنة النيابية الخاصة بالقانون وعلى مدى تناسب مضمونه مع الغاية المرجوة في تأمين حماية فعلية لسلامة الغذاء. وقبل المضي في ذلك، تجدر الإشارة  الى أن المشرّع اختار أن يتعامل مع فضائح الغذاء للمرة الثانية[1]من خلال ردود أفعال تشريعية. فبدل أن يسعى الى تطبيق القوانين المعمول بها، يسعى الى وضع قوانين جديدة. ومن دون الانتقاص من أهمية هذا القانون أو سواه، فإنه يسجل أن غالباً ما ينجح المشرع بفعل ذلك في تصوير هذه المقترحات التشريعية الجديدة على أنها مفتاح الخلاص من المشاكل التي تنتج في غالبها ليس من جشع إنساني لهذا التاجر أو ذاك، ليس عن فساد لهذه الإدارة أو تلك، بل من النقص في التشريع. وتبعاً لذلك، يصبح طريق الإصلاح ممكناً من خلال وضع نص جديد بمعزل عن أي مساءلة من أي نوع كانت. 

الأسباب الموجبة لقانون سلامة الغذاء
إنّ مبادرة اقتراح قانون سلامة الغذاء تنبثق قانوناً من واجب الدولة المتمثل بصون الحقوق الأساسية للإنسان ومنها الحق بغذاء سليم الذي يدخل ضمن فئة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي أقرها لبنان في العهد الدولي لهذه الحقوق، والذي بات جزءاً لا يتجزأ من دستوره. وبالرجوع الى الأسباب الموجبة لاقتراح القانون، نلاحظ تركيز المشرّع على مسائل ثلاث: تعدد النصوص القانونية التي ترعى سلامة الغذاء، ما يبيّن ثغرات كثيرة تحول دون تأمين الحماية الكاملة للحق بغذاء سليم، وغياب آلية تتيح التنسيق بين الوزارات والهيئات المولجة مراقبة التطبيق وعدم ملاءمة التشريع الحالي مع التطورات التجارية والاقتصادية وعدم مواكبته للوسائل التقنية الحديثة. ولعل الميزة الرئيسية لهذا الاقتراح بالنسبة الى قانون حماية المستهلك، هو استناده الى مقاربة شاملة لسلامة الغذاء. فلا يكفي أن تضع الدولة تدابير حماية لضبط أي سلعة مخالفة للمواصفات العامة (وهذا ما ينظمه قانون حماية المستهلك)، إنما يقتضي أن تضع تدابير لتنظيم مختلف المراحل التي تقطعها هذه السلعة قبل وصولها الى المستهلك النهائي، وتالياً مختلف القطاعات التي تشارك في هذه العملية.

ولتحقيق هذه الغايات، آل اقتراح القانون الى إنشاء هيئة إدارية مستقلة هي "الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء"، وأناط بها تطبيق القواعد التي ترمي الى تأمين سلامة المواد الغذائية، وخاصة وضع الأطر والأنظمة والمواصفات الخاصة بسلامة الغذاء تحديداً من المنتج الى المستهلك. كما تتولى إدارة المخاطر إذا اكتشفت أنّ ضرراً قد يلحق بالمستهلك نتيجة تناوله أغذية معينة. وبالطبع، لنجاحها في مهمتها، يُفترض أمران اثنان: الأول، أن تكون مستقلة الى حد كبير في أداء عملها وعلى مسافة من التجاذبات والمصالح السياسية، وذلك درءاً لسقوط النظام العام في شرك الزبونية؛ والثاني، أن يكون لها صلاحية اتخاذ قرارات ملزمة وقابلة للتطبيق في المجالات المناطة بها.

مدى استقلالية "الهيئة"؟
في نص الاقتراح الأصلي، وُصفت "الهيئة" على أنها تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري. وقد تعدّل هذا النص بإخضاعها للنظام العام للمؤسسات العامة في كل ما لا يتعارض مع أحكام قانون سلامة الغذاء. ومن الناحية الفعلية، لا يؤدي هذا التعديل الى الانتقاص من استقلاليتها، ما دامت قد وضعت في المقترحين تحت سلطة وصاية رئيس مجلس الوزراء. لكن، يؤسف بالمقابل لغياب التفكير القانوني بشأن إنشائها كهيئة إدارية مستقلة لا ترتبط بسلطة وصاية، كما هي حال اقتراح القانون بإنشاء هيئة إدارية مستقلة لتحديد مصائر المفقودين والمخفيين قسراً والذي تقدم به النائبان غسان مخيبر وزياد القادري. وبالطبع، كان من شأن توجه مماثل أن ينعكس على مواصفات أعضائها والحصانات التي يتمتعون بها، والتي تبقى في المقترح الحاضر غير مرضية.

فمن جهة، تتولى السلطة التقريرية في الهيئة مجلس إدارة مؤلفاً من سبعة أعضاء يعيّنون لمدة خمس سنوات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء. واللافت هنا بما يعنينا أمران: أولا، حصر سلطة التعيين بمجلس الوزراء وبرئيسه من دون إشراك أي هيئة مدنية ولو من باب الاقتراح، وثانيا، الاكتفاء بوضع مواصفات عامة لاختيار لأعضاء ومفادها "أن يكونوا من أهل الاختصاص والخبرة في النشاطات المتعلقة بسلامة الغذاء". ويفتح هذا الوصف العام لأعضاء الهيئة الباب واسعاً أمام استنساب سلطة التعيين، التي تبقى عملياً معفية من أي ضوابط في هذا الصدد. كما نلحظ أن العدد المقترح هو مفرد على خلاف العادة التي درج عليها التشريع إعمالاً للمناصفة، وهو أمر يستحق الترحيب وإن كان يُخشى أن يتحول الى ذريعة لتعطيل القانون في حال إقراره.

ولا يبدو الأمر أحسن حالاً على صعيد حصانات الأعضاء. فما خلا الاقتراح من أي حصانات قانونية، فإنه نص صراحة على أنه يجوز إنهاء خدمة الرئيس ونائب رئيس مجلس الإدارة والأعضاء في أي وقت بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. وبالطبع، من شأن هذه المادة أن تولّد شكوكاً كبيرة حول استقلالية الأعضاء للقيام بأعمالهم، وتالياً حول إمكانية تحرر هذه الهيئة من الاعتبارات السياسية والزبائنية.

أهم التعديلات على الاقتراح الأساسي
من أهم التعديلات التي أدخلتها اللجنة المصغرة على الاقتراح الأساسي، الآتية:
أولاً: التراجع عن إنشاء "المجلس الوطني لسلامة الغذاء" الذي كان من المقترح أن تتمثل فيه كل الوزارات والمؤسسات المعنية بسلامة الغذاء، بالإضافة الى ممثلين عن المجتمع المدني. ويرجح أن يكون هذا التراجع ناجماً عن فشل التجارب السابقة في إنشاء مجالس وطنية مماثلة سابقاً بهدف ضمان التنسيق بين الوزارات المعنية كما هي حال المجالس الوطنية المنشأة بموجب قانون المخدرات في 1998 وقانون السير في 2012 وسواها من المجالس.

ثانياً: فرض النص المعدل على "الهيئة" القيام بجميع أعمالها بالتنسيق مع مجمل الإدارات والوزارات المعنية. وهكذا، وفيما أناط بها النص الأصلي صلاحية اتخاذ قرارات عدة، منها وضع الشروط الواجب توافرها بالوسائل المعدة لنقل الغذاء والمتعلقة بتعليب وتغليف وعرض الغذاء، ومنها ما يرتبط بمسك السجلات والمستندات والمعايير الواجب توافرها في الأغذية ووضع خطة واتخاذ قرارات لمواجهة المخاطر، فإنه بات عليها في مجمل هذه المسائل إجراء تنسيق مسبق مع الوزارات بشأنها، من دون أي إيضاح لأصول التنسيق ومقتضياته. ويخشى طبعاً أن يتم التوسع في هذا المفهوم الى درجة يصبح معها مرادفاً للتعطيل أو للمماطلة، وعلى نحو من شأنه أن يشكل مدخلاً جديداً لربط مقررات الهيئة بالاعتبارات والمصالح السياسية.

ثالثاً: فيما دفعت حملة الوزير أبو فاعور المشرّع الى إعادة إحياء هذا المشروع، فإنه يبدو أنها دفعته بالمقابل الى اتخاذ تدابير للحد من الطابع التشهيري أو الفضائحي في هذا الشأن. ففيما كان الاقتراح الأصلي أن تكون الهيئة مسؤولة عن إعلام الجمهور عن المخاطر في حال توافر معلومات بوجود خطر على صحة الإنسان، عاد التعديل وأوجب حصول ذلك ضمن احترام مبدأ السرية ما لم يتعارض مع مصلحة المستهلك الصحية والحياتية.

كما تجدر الإشارة الى تعديلات أخرى وسعّت نطاق تطبيق اقتراح القانون. فتمت إضافة صحة الحيوان والبيئة الى جانب صحة الإنسان.
 
*  طالبة حقوق, من فريق عمل المفكرة القانونية

نشر في العدد الخامس و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1]كان المشرع قد أقر في نيسان 2014 اقتراح قانون بتشديد العقوبات الجزائية الواردة في قانون حماية المستهلك والذي قدم على اثر فضيحة الللحوم الفاسدة في 2012.