اصدر قاضي الامور المستعجلة في بيروت الرئيس جاد معلوف بتاريخ 20/1/2012 قرارا بتكريس حرية العمل، مذكرا بدور قضاء الامور المستعجلة في صون الحريات الاساسية وحمايتها، في نزاع بات الى حد ما رائجا في العلاقة بين اصحاب العمل والاجراء في لبنان. ومن تفاصيل هذا النزاع ان اجيرا سابقا كان قد تعهّد بعدم القيام بأي عمل منافس لصاحب عمله او العمل لدى اي منافس له بعد سنتين من  تركه للعمل ضمن محافظتي بيروت وجبل لبنان. ورغم هذا التعهد، باشر العمل لدى شركة منافسة لصاحب العمل المذكور بعد فترة قصيرة من تركه العمل لديه فتقدم هذا الاخير لجانب قضاء الامور المستعجلة بطلب الزام الشركة المنافسة واجيره السابق بانهاء علاقة العمل القائمة بينهما فورا تحت طائلة الزامهما بالتكافل والتضامن بتسديد غرامة اكراهية قدرها 500 د.أ. عن كل يوم تأخير عملا بالتعهد المذكور.
وقد جاء القرار برد الطلب بعد عد التعهد مشكوكا بصحته، في ضوء المبادئ التي ترعى حرية العمل. وقد تميز القرار في جوانب ثلاثة:    
الاول، انه شكل نموذجا مميزا لكيفية تفسير النصوص الداخلية وتطويرها على ضوء المبادئ العامة، في اتجاه مزيد من العدالة الاجتماعية. وهكذا، وانطلاقا من امكانية تعرض بنود عدم المنافسة لهذه الحرية والحقوق المنبثقة عنها، رأى القرار انه لا بد من التشدد في تطبيقها وتفسيرها، وتحديدا من ربط صحة بند عدم المنافسة بتوفر شروط اضافية تتجاوز ما نصت عليه القوانين المحلية وعلى رأسها استيفاء الاجير مقابل مالي له.
وهذا التشدد انما يشكل موقفا اضافيا من القضاء اللبناني في اتجاه تضييق النص اللبناني الذي لا يقيد بنود عدم المنافسة الا بوجوب تحديد الفترة الزمنية او المنطقة الجغرافية التي يتم فيها. كأن يقال مثلا ان البند ينطبق فقط خلال سنة او سنتين او في منطقة محددة جغرافيا (م. 83 قانون موجبات وعقود[1]). ولا يغيب عن نظر احد ان تطبيق حرفية النص او حتى مع بعض الاجتهاد فيه، غير كاف لحماية حرية عمل الاجير اذ قد يؤدي في حالات عدة الى حرمانه من العمل في مجال كفاءته المهنية في لبنان لمدة محددة من الزمن بحسب ارادة صاحب العمل المنفردة. فغالبا، لا يكون الاجير في موقع تفاوضي يسمح له برفض بند مماثل او مشابه بعدم المنافسة، فيفرض عليه صاحب عمله الامتناع عن القيام بعمل منافس لفترة معينة بعد تركه العمل في جبل لبنان وبيروت، اي في المنطقة التي تتوفر فيها اجمالا فرص عمل. فاين عساه يعمل اذ ذاك في لبنان؟ وهل يتعين عليه الهجرة لايجاد عمل مناسب؟ وهل بمستطاع الاجراء الذين لديهم عائلات الهجرة؟ هذا فضلا" عن انه يكرّس الاحادية في علاقة الاجير برب عمله “l’unilatéralisme”فيخضع العلاقة بينهما لارادة منفردة لصاحب العمل المنفردة الذي يبقى حرا" في التزاماته وخياراته دون الاعتداد بما قد يقابلها لدى الاجير[2]. وهذا ما اشار اليه الحكم المذكور بقوله ان "بند عدم المنافسة هو بند غير متبادل حيث يلزم الاجير فقط تجاه رب العمل، مما حمل البعض الى اعتباره دون سبب في هذه الحالة، على اعتبار ان الالتزام بعدم المنافسة الصادر عن الاجير لا يقابله اي التزام من رب العمل ومع العلم بان الاجير بالتزامه هذا يقيّد احد حقوقه الاساسية".
ومن هذه الزاوية، شكل قرار قاضي الامور المستعجلة انقلابا في علاقة رب العمل بالاجير فاعاد اليها بعض التوازن والتبادل عبر الزام رب العمل بتنظيم مقابل مادي لتعهد الاجير بعدم المنافسة، مما من شأنه ايضا ان يحد من رواج هذه البنود، فلا يطلبها اصحاب العمل الا في الحالات الضرورية لحماية مصلحة المؤسسة او الشركة. واللافت ان يحصل هذا الامر بالتزامن مع تعطيل مجلس العمل التحكيمي وفي ظل الخطاب العام بشأن زيادة الاجور.
والامر الثاني اللافت، ان القرار اعتمد للتوصل الى هذه النتيجة على عدد كبير من المراجع العالمية لحقوق الانسان والاجتهادات والفقه الاجنبي، والتي تؤول الى تعزيز حماية حرية العمل. وقد تبدى ذلك اولا من خلال التمسك بالاعلان العالمي لحقوق الانسان. وما يثير دهشة القارىء هو الاخذ بالمعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان وباجتهاد المحكمة الاوروبية اذ ان لبنان لم يتعهد بها ولا بانظمة المحكمة التي ترعاها. وقد بدا قاضي الامور المستعجلة بذلك وكانه يغرف من اعمال القضاء الاوروبي الذي دفع الى بروز وترسيخ نظرة جديدة للشخص ولحقوقه وحرياته الاساسية المكرسة في القانون، تمتاز بديناميتها وحيوتها فتضع تحت شعار الحقوق والحريات الاساسية وعلى رأسها الحق في احترام الحياة الخاصة اوسع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعائلية.
اما الامر الثالث والذي لا يقل اهمية عما سبق، فهو ان القرار توصل من خلال تعليله وانطلاقا من النصوص المذكورة ليس فقط الى اعلان حرية العمل بل ايضا الى استخلاص عدد من الحقوق منها، ومن ابرزها "الحق في انشاء علاقات العمل" و"حرية اختيار العمل بشروط عادلة ومرضية" و"الحق بالحياة الخاصة" وأخيرا وليس آخرا "حق الحماية من البطالة".
والواقع ان اعلان هذه الحقوق، وبشكل خاص "حق الحق الحماية من البطالة" هو امر جديد في القانون وفي الساحة والسياسة العامة اللبنانية، بل لا نبالغ القول بانه اشبه بانقلاب حقوقي اساسي في النظرة للاجير وبشكل اعم للمواطن. ففي ظل اقرار حق اجتماعي مماثل، من البديهي التساؤل حول نتائجه عمليا وكيفية انفاذه: فهل هذا يعني ان للمواطن حق التذرع به بوجه الدولة؟ هل بامكانه مطالبة الدولة بحمايته من البطالة وكيف؟ وهل يرتب ذلك على عاتق الدولة موجبا ايجابيا بتأمين فرص عمل وبوضع سياسات عامة لمحاربة البطالة او يرتب عليها ضمان تعويض بطالة للذين تعجز عن تأمين فرص عمل لهم؟ فيشكل ما قد اشار اليه الفقه الفرنسي ب “droit-créance”[3]؟
من هذه المنطلقات كافة، بدا القرار متميزا في مضمونه وابعاده. بقي لنا ان نتساءل حول ما اذا سوف يبقى منعزلا" في المشهد الاجتهادي اللبناني او انه يمهّد لقرارات عديدة تجعل من القضاء اللبناني مرصدا لتكريس الحقوق والحريات الاساسية للمواطن، والى حد ما نظيرا للقضاء الفرنسي الذي هز قانون العمل في فرنسا بسلسلة قرارات في العام 2002[4]، تم الاستشهاد بها في متن القرار موضوع تعليقنا، والتي وصفها الفقه الفرنسي ب"التسونامي" الحقيقي[5]؟ 


نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية
 

[1]المادة 83 - الشرط المقيد او المانع من استعمال الحقوق:
باطل كل شرط من شأنه ان يقيد أو يمنع استعمال الحقوق المختصة بكل انسان كاستعمال حقوقه في الزواج أو حقوقه المدنية.
غير ان هذا الحكم لا يسري على الحالة التي يحبس فيها احد الفريقين نفسه عن ممارسة صناعة أو مهنة ما في زمن معين او مكان محدود اما شرط بقاء الترمل فيكون صحيحا اذا وجد ما يصوبه من الاسباب المشروعة وحق تقديرها يعود الى القاضي.
 
[2]Guillaume Blanc-Jouvan, “Fasc. 18-25: Clause de non-concurrence”, Jurisclasseur travail, n. 64.  
[3]D. Cohen, “Le droit à...”, in L’avenir du droit, mélanges en hommage à François Terré, Dalloz, Puf, Ed. du Jurisclasseur, 1999, p. 393 à 400 etla thèse de Pichard M. (2006), “Le droit à l’etude de législation française”, Économica, 566 p.
 
[4]Cass. soc., 10 juill. 2002, 3e esp. : D. 2002, somm. p. 2491, note Y. Serra et p. 3111, obs. J. Pelissier ; JCP G 2002, II, 10162, note F. Petit ; Semaine Sociale Lamy 22 juill. 2002, n° 1085, p. 9, note A. Chirez ; JCP E 2002, 1511, note D. Corrignan-Carsin ; D. 2003, somm. p. 1222, obs. Thullier ; Contrats, conc., consom. 2002, n° 141, obs. M. Malaurie-Vignal ; JCP E 2003, n° 12, p. 508, obs. P. Morvan et n° 15, p. 654, obs. Chr. Masquefa
 
[5]Y.Serra, «  Tsunami sur la clause de non-concurrence en droit du travail »note sous Cass. soc., 10 juill. 2002, D. 2002, somm. p. 2491