"العدلية صارت كلها نسوان"
 
 كل من اعتاد ارتياد قصور العدل في لبنان منذ التسعينات سمع هذه العبارة أكثر من مرة. قالها قضاة رجال، لا سيما من الجيل القديم الذاهب إلى التقاعد. قالها أعضاء في مجلس القضاء الأعلى، قالها رؤساء محاكم ومعهد الدروس القضائية، كما قالها وزراء عدل تعاقبوا منذ عشرين عاما على المنصب. هذا "الإجتياح النسائي" للسلك القضائي اللبناني (كما يظهر بنظر كل هؤلاء الذين يخشونه) تمثل واقعيا بازدياد ثابت في أعداد القاضيات: فمنذ دخلت أول امرأة القضاء اللبناني في الستينات[1]، تطور عدد القاضيات ليصل إلى أقل من النصف بقليل من مجموع القضاة اليوم[2]، وهو رقم تجدر مقارنته مع بلاد عربية وأجنبية أخرى كمصر (٠،٣٤٪) وسوريا (١٢٪) وفرنسا (٦٤٪) وسلوفينيا (٧٨٪) وإيطاليا (٤٨٪)[3]. وقد شهدت الأنظمة القضائية في هذه البلدان وغيرها ازدياد كبير في أعداد القاضيات منذ التسعينات، ترافق مع تساؤلات ومقاومات عديدة، ما يؤكد أن الظاهرة التي نتناولها هنا هي عالمية، وليست لبنانية فقط.
 
يهدف هذا المقال إلى ثلاثة أمور. أولا عرض الحجج الرئيسية التي يبنى عليها "رهاب المرأة القاضية" المنتشر بين عدد من المسؤولين القضائيين، كما بين بعض المحامين والمساعدين القضائيين والمتقاضين. وثانيا، محاولة رسم صورة المرأة القاضية التي يريد فرضها النظام السياسي-القضائي اليوم. وثالثا، التركيز على بعض الإشكاليات – العلمية هذه المرة – التي قد يثيرها فعلا تواجد نسائي متزايد في مهنة احتكرها الذكور لعقود من الزمن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه  المسألة ليست نظرية او نفسية فقط. فمن المرجح أنه كان لها نتائج عملية معينة على الأرض في الحقبة الأخيرة على مستوى السياسات القضائية في لبنان. ونذكر على سبيل المثال الكلام المتكرر في أروقة قصور العدل عن محاولات ماضية لدعم مرشحين ذكور في مباراة الدخول إلى القضاء على حساب مرشحات نساء من أجل إعادة التوازن إلى الجسم المهني[4](وقد منعت النساء اللبنانيات بالفعل من الترشح لمباراة الدخول إلى القضاء عام ١٩٩٤ لهذا السبب بالذات[5])، علما أنه ليس لدينا أدلة على هكذا ممارسات في السنوات الأخيرة، وإن سمعنا بعض التمنيات في هذا الاتجاه تبقى بنفسها جد معبرة. أما المثل الثاني فيتعلق بمسألة زيادة أجور القضاة في لبنان الذي حصل عام ٢٠١١، وقد عزاه مسؤول سياسي كبير في لقاء معنا "لمحاولة جذب الذكور مجددا إلى القضاء بعدما ابتعدوا عنه لسنوات نظرا لتدني قيمة المعاشات في السلك القضائي وتدني برستيج المهنة بالتالي، ما جعلها ملجأ للنساء فقط". وتدلنا هذه الشهادة الأخيرة إلى فرضية مثيرة للإهتمام لتفسير ازدياد اعداد النساء القاضيات، وهو تدني القيمة الاجتماعية للمهنة القضائية مقارنة مع ما كانت عليه في السبعينيات مثلا. وهو ما نراه في أكثر من مهنة وبلد[6]، حيث يترك الرجال مهنة فقدت مكانتها الاجتماعية ليلتحقوا بمهن جديدة أكثر جاذبية (كالعمل في مكاتب محاماة دولية)، فتحلّ النساء مكانهم في المهنة القديمة (القضاء المحلي). واذ يبدو الأمر تطورا إيجابيا في أوضاع النساء، فانه يشكل في حقيقته دليلا آخر على استمرار موقعهن الدوني.
 
رهاب المرأة القاضية: "بكرا بتحبل وبتقعد بالبيت"
 
بعض المخاوف التي يتناقلها مسؤولون قضائيون إزاء تطور الوجود النسائي في القضاء اللبناني نراها أيضا لدى مهن أخرى تشهد تحولات من هذا النوع. لكن ثمة مخاوف  خاصة بالمهنة القضائية وموقعها الاجتماعي. وبشكل عام، يمكن تصنيف هذه المخاوف ضمن صنفين: ذلك المرتبط بخصائص تعتبر "طبيعية بيولوحية" يلصقها الفكر الذكوري بالنساء عموما وبالقاضيات خصوصا، وذلك المرتبط بالهيبة الاجتماعية للمهنة القضائية التي قد تتضرر في حال أصبح لها واجهة نسائية في مجتمع ما زال قسمٌ كبيرٌ منه يعتبر النساء غير قادرات على تولي بعض المسؤوليات.
 
ولا شك أن صورة القاضية الحامل في المحاكم وقصور العدل تشكل مصدر قلق لأكثر من مسؤول قضائي (كما للكثير من رؤساء المؤسسات العامة والخاصة)، بقدر ما هي تشكل مدعاة فخر واعتزاز عند هؤلاء الرجال أنفسهم متى نظروا إلى هذا الحمل من ضمن العائلة او المساحة الخاصة. فكما أظهرت العديد من الأبحاث لا مجال لذكرها هنا، فإن ما يُنتظر من المرأة في المساحة الخاصة (الحمل، الأمومة، إلخ.) هو تماما ما يستعمل ضدها في المساحة المهنية، أي القضائية فيما يخصنا. وهذا ما أعرب عنه لنا مسؤول قضائي تلقائيا  في مقابلة أجريت معه في 2012 للاستفسار عن موضوع آخر:
 
"طيب إذا صارت العدلية كلها نسوان، عظيم، بس شو بعمل انا بس يحبلوا؟ بتفوت الصبية على القضاء عمرها ٢٤، ٢٥ أو ٢٦ سنة، هيدي يعني بدها تحبل مرتين تلاتة إذا مش أكتر، ومع كل حبل يعني في قعدة بالبيت كذا شهر، طيب شو بصير بالملفات يللي عمتتراكم؟ هيدا ضغط أكبر على زملائهم، فيعني بدل ما نحلّ مشكلة نقص عدد القضاة من كون عم نصعبها أكتر"
 
ويستمر المنطق ذاته في ما يخص وظيفة الأمومة ما بعد الولادة. نرى النظام الاجتماعي يفرض على النساء مسؤولية الاهتمام بالعائلة والأولاد والبيت بمشاركة بسيطة من الرجال، وفي الوقت عينه يعتبر هذه المسؤولية العائلية حاجزا أمام تولي المرأة مسؤوليات مهنية. فهي لن تتمكن من القيام بهذه المسؤوليات كما يجب بفعل انشغالها الدائم بأمور المنزل. ومن هنا تلد قرينة شائعة في الأوساط القضائية تقول أن المرأة القاضية تنتج أقل من الرجل القاضي "لأنها سوف تترك محكمتها سريعا لتعود إلى البيت لتهتم بأولادها وترتب منزلها، بينما القاضي الرجل لا مشكلة لديه إن بقي في مكتبه ساعات إضافية لإتمام العمل". علما أنه لم نجد أي إحصاء جدي وشامل، إن في لبنان أو خارجه، يدل على فارق الانتاجية هذا، الذي يبقى إذا نتاج عقل ذكوري فرض نفسه على الخطاب القضائي العام. ويستمر المنحى البيولوجي-النمطي في فرض نفسه على صورة المرأة في القضاء، إذ نسمع أن المرأة القاضية أكثر عاطفية وانفعالا من القاضي الرجل، ما يجعلها غير قادرة دائما على القيام بالمهمة القضائية-القانونية التي تحتاج إلى عقلانية في الحجج والأحكام.
 
أما على صعيد المهنة ككل ومكانتها الاجتماعية، فنسمع مثلا أن المرأة تدخل الى القضاء لأسباب تختلف عن أسباب الرجل. هنا أيضا، لا دراسات ولا أبحاث ولا إحصاءات، بل فقط الخطاب الذكوري الصافي والواثق من نفسه لدرجة لا يحتاج معها أن يقدم أدلة او حججا تثبت ان ما يقوله صحيح او على الأقل قريب من الواقع. فنسمع أن المرأة تريد أن تصبح قاضية لأسباب مادية فقط (معاش مقبول بالنسبة للمرأة بينما لم يعد مقبولا بالنسبة للرجل اللبناني الناجح والطموح، عطلة قضائية طويلة تسمح لها بمرافقة الأولاد أثناء عطلتهم المدرسية في الصيف، تغطية صحية واجتماعية شاملة، بالإضافة الى العديد من الامتيازات التي تتناسب مع اهتمام المرأة المفترض بالمظاهر، كأرقام السيارات الخاصة مثلا). بالمقابل، المرأة القاضية "لا تهتم بالرسالة القضائية، بقدر اهتمام الرجل بها، وهي بالتالي أقل حماسا لمسائل جوهرية كاستقلال القضاء أو هيبته، فتنظر إلي القضاء كوظيفة مريحة لا أكثر"[7]
 
وأخيرا، لا شك أن أحد الأسباب الرئيسية وراء المخاوف ازاء تكاثر النساء القاضيات هو خشية تراجع مكانة القضاء في أعين الناس. فقضاء أكثرية أعضائه من النساء يواجه حسب هؤلاء صعوبة أكبر لفرض هيبته على المتقاضين، وللحصول على احترامهم، في مجتمع ما زال بأكثريته تقليديا في مقاربة هذه الأمور، وليس حاضرا بعد لتقبّل تحولات مماثلة.
 
أي امرأة قاضية يراد لنا؟
 
ننتقل هنا من عرض مخاوف المسؤولين القضائيين إلى محاولة فهم ما هي مواصفات المرأة القاضية التي يحاول فرضها (رجال) النظام السياسي-القضائي اللبناني، بغض النظر عن مدى نجاحه(م) في ذلك. وفي غياب الأبحاث حول هذا الموضوع، لا يسعنا حاليا سوى الاكتفاء ببعض المشاهدات المتفرقة التي استوقفتنا بعد عدة سنوات من العمل البحثي داخل منظومة العدالة في لبنان. ومن الوقائع المعبرة التي تلفت الانتباه على هذا الصعيد هو غياب المرأة المحجبة عن القضاء اللبناني، في مجتمع نسبة لا بأس بها من نسائه محجبات. النصوص القانونية لا تتضمن أي حظر في هذا الشأن طبعا، ومردّ هذا الغياب/الحظر يعود تاليا للممارسات المعتمدة داخل اللجان المشرفة على مباريات الدخول إلى القضاء، وهي ممارسات يصعب توثيقها ومشاهدتها. إلا أن أكثر من مصدر أكد لنا وجود هذه الممارسة المنهجية منذ سنوات، والنتيجة واحدة: لا يوجد على علمنا اليوم أي امرأة محجبة في القضاء اللبناني. الحجة طبعا هنا هي تجنب إظهار أي علامة انحياز نحو جهة أو طائفة أو دين، أو أي دليل يظهر وجود قناعات مسبقة لدى القاضي أو القاضية، ما قد يؤثر على ثقة المتقاضين فيهما. ولكانت هذه الحجة مقنعةً لو لم نكن نعلم أن المظاهر الدينية موجودة في مكتب أو سيارة أكثر من قاض عندنا، كما أن زيارات كبار القضاة لمراجعهم الدينية في العلن عامل آخر يؤكد أن إظهار التدين ليس هو المشكلة، بقدر ما هي فرض نموذج معين للنساء التي يريدها الرجال في القضاء: امرأة تعتمد أساليب العيش الغربية.
 
ونموذج "القاضية الغربية" هذا (ونعني هنا نموذج "القاضية المثالية" الذي يحاول النظام السياسي-القضائي ترويجه، والذي لا تنتمي اليه مجمل القاضيات اللبنانيات اليوم واللواتي لا يمكن بالواقع اختزالهن بنموذج واحد) هو نموذج يستمد من النمط الغربي بالدرجة الأولى وربما فقط تجلياته الظاهرة. ففي النهاية، على المرأة القاضية أن تكون متزوجة لتحتل كامل مكانتها القضائية. القاضيات غير المتزوجات عددهن غير قليل طبعا في لبنان، لاسيما بين الشابات اللواتي دخلن القضاء حديثا. لكن كمية "النصائح" المباشرة وغير المباشرة بضرورة الزواج، والتي تمارس عليهن من قبل كبار القضاة بما فيهم المسؤولين الاداريين عن محاكمهن هائلة: فموضوع الزواج كضرورة يظهر تلقائيا في تفاعلات القاضيات العازبات مع هؤلاء، حتى عندما يكون موضوع الحديث قانونيا أو مهنيا، فتأتي نصيحة الزواج بشكلها الأبوي كوسيلة لتحجيم حجج القاضية القانونية وموقعها في أي مواجهة مع هؤلاء ولثنيها عن أي مواجهة مماثلة مستقبلا: "بتعرفي شو لازمك؟ عريس". وبموجب هذه النصيحة الموعظة، يتبين أن النقص الذي تعترض عليه القاضية أو تنتقده لم يعد في تنظيم القضاء أو في أعماله انما فيها، طالما أن النقص الناجم عن عزوبتها يجعلها تقيّم الأمور المحيطة بها على أنها ناقصة أو معيوبة، أو على الأقل يضعف قدرتها على تقبلها كما هي كالآخرين.
 
كما أنه على هذه القاضية أن تكون طاهرة وبعيدة عن شواذات المجتمع البشعة. فالقاضية الجزائية الشابة مثلا من المستحسن ألا تأتيها ملفات مثليين او ملفات دعارة أو أي ملفات أخرى تظهر فيها ممارسات جنسية فاقعة قد تخدش حياءها. ويراعى هذا المعيار أثناء توزيع الأعمال أو الملفات، وربما على صعيد رؤساء الأقلام، كلما كانت المحكمة تضم قضاة ذكورا واناثا (نشير هنا أننا لم نوثق هكذا ممارسة إلا في حالتين، ما يمنعنا من التعميم حاضرا). وتبقى مسألة توزيع الأعمال بين القضاة أساسية إذ تقترب أحيانا من عملية توزيع أدوار جندرية داخل القضاء. فبعض رؤساء المحاكم مثلا يفضلون تعيين قاضيات نساء في مراكز قضاء الأحداث، أحيانا لأن القاضية لها "وجه طفولي babyfaceيطمئن الأطفال الماثلين أمامها"، وأحيانا أخرى لأن القاضية "هي أمّ في النهاية، وبالتالي أكثر تفهما لحاجات الأطفال والأولاد"[8]. علما أن القضاة الذين اشتهرت أسماؤهم في لبنان في مجال حماية الأحداث من بعض الممارسات التقليدية هم من الرجال، أمثال فوزي خميس وجناح عبيد. وأخيرا، من الملفت للإنتباه أنه عندما تعتبر قاضية ما ناجحة في عملها، وقادرة على ضبط إيقاع جلساتها، وعلى مواجهة الأخصام والمتهمين والمحامين، سرعان ما تلصق بها مزايا الرجال، ليس من القضاة او المحامين فقط، إنما من الناس والمتقاضين أنفسهم. ويكفي تمضية بعض الوقت أمام مكتب قاضية لسماع تعليقات عديدة في هذا الإتجاه : "الريسة قبضاي، متل الرجال وأقوى، رئيس جمهورية بتعمل".
 
نصف القضاء اللبناني من النساء : ما الذي تغير فعلا؟
       
إن مسألة تكاثر أعداد النساء في القضاء اللبناني ليست فقط مسألة ذكوريين خائفين على مواقعهم، أو أسرى تخيلاتهم التقليدية النمطية، بل هي تثير أيضا تساؤلات جدية ما زلنا غير قادرين على الإجابة على معظمها في ظل غياب الأبحاث الكمية والنوعية. وسوف نعرض هنا بعض هذه الإشكاليات بشكل سريع، قبل مقاربتها من باب الواقع اللبناني[9]:
 
●        مسألة دخول النساء إلى القضاء: من المعروف اليوم أن الأنظمة القانونية ذات التأثير الفرنسي أكثر انفتاحا على النساء القاضيات من الأنظمة ذات التأثير الأنجلو-ساكسوني، بفعل اعتماد الأنظمة الأولى (ومنها لبنان) على المباراة لدخول القضاء، فيما يتم اختيار القضاة في الأنظمة الثانية على أساس السمعة والشهرة، ما قد يتيح المجال بشكل أكبر للأخذ بالاعتبارات الذكورية[10]. في جميع الأحوال، هل من المفيد اعتماد سياسات تشجع المساواة بين الرجال والنساء في القضاء في ظل تراجع نسبة الرجال القضاة؟ أو اعتماد نظام كوتا رسمي للجنسين، بدل الاستمرار في الهمس في الكواليس؟ وما مشروعية هكذا تدابير، خاصة وأن القضاء بقي حكرا على الرجال لقرون من الزمن من دون أن يستتبع ذلك هكذا اقتراحات؟
 
●        مسألة صورة القضاء لدى الرأي العام: في ظل ازدياد أعداد القاضيات، إلى أي مدى يبقى القضاء مرتبطا بتصورات ذكورية كما كانت الحال عليه لزمن طويل، حيث الرجل هو صاحب القرار في المساحة الخاصة (رب العائلة) أو العامة (الزعيم أو القاضي)؟ وما هو مدى تأثير ازدياد عدد القاضيات على هذه الصورة، وكيف تتأثر الوظيفة القضائية وأبعادها الاجتماعية في لبنان بهكذا تحولات ميدانية؟
 
●        مسألة المناصب: الأبحاث القليلة المتوفرة تؤكد أنه، في لبنان كما في العديد من البلاد الأخرى، معظم النساء القاضيات احتلّن مراكز ثانوية نسبيا، أو أقل وجاهة[11]، لمدة طويلة من الزمن. إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير في السنوات الأخيرة في لبنان عبر وصول قاضيات إلى عدة مراكز (في مجلس القضاء الأعلى وفي محكمة التمييز وفي القضاء الجزائي، كما على رأس معهد الدروس القضائية)، وإن يبقى عددهن في المناصب العالية أقل من عدد الرجال. هل يمكن تفسير بطء وصول النساء إلى هذه المراكز عبر ربطه بقصر عمر تجربتهن في القضاء ما يؤخر وصولهن الى المراكز العالية؟ أم يجدر بنا التكلم عن "السقف الزجاجي" الذي يعرقل، عبر حجج ومعايير مختلفة بعضها معلن وبعضها مستتر، النساء من تولي المناصب المهمة قضائيا؟
 
●        مسألة تبدّل طبيعة العمل القضائي: فمن غير المجدي الاكتفاء برصد اعداد القاضيات وتطورها، بل من المفيد الاهتمام بالتحولات النوعية التي قد تنتجها هذا التطورات الكمية. فهل أن القاضيات ينتجن أحكاما مختلفة نوعيا عما يصدره الرجال؟ لاسيما في ملفات كالتحرش الجنسي، الهجرة واللجوء، الأحوال الشخصية والعائلة، قانون العمل أو القانون الجزائي؟ وهل يحدثن فرقا في العمل القضائي اليومي، على صعيد العلاقة مع الزملاء والرؤساء والمحامين والمتقاضين؟ هل ينظرن (فعلا) بشكل مختلف إلى وظيفتهن، إلى مظهرهن الوظيفي (اللباس…)؟ وبأي اتجاهات يذهب هذا الاختلاف، إن وجد؟ وهل من الممكن طرح هذه الأسئلة دون الافتراض مسبقا أن للنساء ميولا تختلف جوهريا عن ميول الرجال، ما يعزز يعض الأفكار المسبقة حول الأدوار الجندرية[12]؟ وفي جميع الأحوال، ألا تعتمد القاضيات أساليب عمل وتفكير الرجال لزيادة حظوظهن في الاندماج في مهنة لها طابع ذكوري بامتياز، ما يطمس أي اختلاف ممكن (إن وجد) كما تظهر التجارب في أماكن أخرى[13]؟
 
●         ما علاقة القاضيات بالأفكار والتيارات النسوية؟ هل هن مطّلعات عليها وهل لها أي تأثير في أداء وظيفتهن أو تصورهن لها؟ وهل تشكل القاضيات، أو قسم منهن، مجموعة داخل الجسم القضائي، مع تطور نوع من الهوية المهنية الخاصة بهن، تربط بينهن في عملهن وهمومهن المهنية؟
 
●        مسألة معهد الدروس القضائية: هل يجب إدخال المسائل الجندرية، أو على الأقل مسائل الأدوار الاجتماعية وتأثيراتها على صياغة وتطبيق القوانين والمراسيم، وعلى عمل القضاة والمحامين، في برنامج تدريب القضاة، الرجال والنساء، داخل المعهد القضائي؟ هل يكون ذلك مفيدا في لبنان في الوضع الحالي وإلى أي مدى هو ممكن؟
 
●        ماذا عن ازدياد اعداد النساء في سائر المهن والقطاعات القانونية والقضائية (من محامين إلى طلاب حقوق إلى موظفين)؟ وما تأثيره على عمل المؤسسة ككل، وصورتها الاجتماعية؟
 
 
نحو قضاء أكثر شمولية؟
 
بانتظار الأجوبة على كل هذه التساؤلات، يبقى الواقع القضائي اللبناني اليوم مسرحا لتحولات لم يشهدها في تاريخه. فمهما كانت المقاومات والممانعات، ومهما كانت سلطة القواعد الاجتماعية التي تفرض على النساء تصرفات وأفكارا معينة، وتحول دون وصولهن إلى مراكز معينة، فإن قضاء الغد ذات الأكثرية النسائية لن يشبه قضاء الأمس حيث كانت مجموعة من الرجال يقررون ما هو القاضي المثالي، وما هي حساسية المؤسسة القضائية. إن الأكثرية النسائية ستنتج تحولات لا نعرفها بعد. إن لم نر هذه التحولات في مضمون الأحكام، فمن المرجح ان نراها في صورة القضاء ودوره في نظر المتقاضين في بيروت وطرابلس وبعلبك وصور والجبل والبقاع وغيرها من المناطق اللبنانية. ومهما كانت طبيعة هذه التحولات، يبقى الأمل، المدعوم ببعض النتائج العلمية الخجولة، أن يكون قضاء الغدّ ذات الطابع النسائي، وبفعل موقع النساء المهمش في مجتمعاتنا الماضية والحاضرة، أكثر حساسية ازاء حاجات وتوقعات فئات مستضعفة من الناس لطالما رماها النظام الرأسمالي-الذكوري على هامش أولوياته، تماما كما فعل مع النساء لعقود من الزمن.
 
 
٭ باحث في المفكرة القانونية

 
نشر في الملحق الخاص بالمرأة - آذار / مارس 2015
 
 
ملاحظة : عُدِلت النسخة الأصلية للمقال في ٢٣ آذار ٢٠١٥، فتم استبدال "فمنذ دخلت أول امرأة القضاء اللبناني عام ١٩٦٩" ب" فمنذ دخلت أول امرأة القضاء اللبناني في الستينات"، كما عُدل التعقيب المتعلق بهذه النقطة في الحاشية لتقديم إيضاحات إضافية.

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط


[1]حسب الكاتبة فيحاء عبد الهادي، في مقالها المنشور ضمن العدد السادس عشر من مجلة إبن رشد الالكترونية (شتاء ٢٠١٤-٢٠١٥) (تمت زيارة الموقع في الأول من آذار ٢٠١٥)، فإن عام ١٩٦٩ شهد دخول أول امرأة إلى القضاء اللبناني، إلا أننا لم نتمكن من تأكيد هذا التاريخ، كما أن بعض القضاة أكدوا لنا أن دخول أول امرأة إلى القضاء سبق هذا التاريخ بعدة سنوات.
 
[2]أنظر : نزارصاغية و لما كرامة، ٢٠١٢، تأنيث القضاء: أي مناصب؟ أي وظائف؟ أي مناطق؟، المفكرة القانونية.يقدم الكاتبان نسبة ٣٨٪ من النساء القاضيات عام ٢٠١٠ في القضاء اللبناني، وهي نسبة لا شك أنها ارتفعت منذ ذلك الوقت.
 
[3]يمكن مراجعة المرجع التالي : Schultz U. and Shaw G. (2013), Gender and Judging, Onati IISL, Oxford : Hart Publishing، لاسيما الفصل الأول.
 
[4]وهو كلام سمعناه أيضا في بلاد أوروبية، أنظر المرجع نفسه ص. ١٤، و ص. ١٢٥ لفرنسا وص. ٢٦٧ لهولندا.
 
[5]مداخلات جوزف مغيزل وزاهر الخطيب، محاضر مجلس النواب، الدور التشريعي الثامن عشر، العقد العادي الثاني، الجلسة الرابعة المنعقدة في 14 كانون الأول 1993.
 
[6]Schultz U. and Shaw G. (2013), p. 14، في ما يخص القضاء.
 
[7] مقابلة مع المسؤول نفسه.
 
[8] كل هذه العبارات والأقوال سمعت ودونت أثناء الأبحاث الميدانية التي قمنا بها في السنوات الماضية (مقابلات ومشاهدات).
 
[9] هنا أيضا، معظم هذه الإشكاليات تمت معالجتها من ضمن مقاربة عدد من البلدان، لم يشمل لبنان. انظرالمرجع نفسه.
 
[10] Schultz U. and Shaw G. (2013), pp. 14 et s.
 
[11]  أنظر فيما يخص الوضع اللبناني: نزارصاغية ولما كرامة.
 
[12] لمناقشة هذه المسألة فيما يخص القاضيات، أنظر : Schultz U. and Shaw G. (2013) pp. 26 et s.
 
[13] المرجع نفسه، ص. ٢٨.