خلال الاشهر الماضية، حصلت ازمتان كبيرتان على رأس الهرم القضائي في لبنان: الاولى، ازمة بشأن تعيين رئيس مجلس القضاء الاعلى على خلفية الاختلاف بين مراجع سياسية على الاسماء المقترحة، وهي ازمة مرشحة لمزيد من التفاقم على ضوء قرب انتهاء ولاية عدد من اعضاء المجلس. والثانية، وهي لا تقل اهمية، وهي اخلاقية، ومفادها احالة قاض يرأس احدى غرف محكمة التمييز وهو ايضا عضو في مجلس القضاء الاعلى الى المجلس التأديبي على خلفية شبهة تفاوضه لقبض رشوة بقيمة ثلاثة ملايين دولارا اميركيا وقد صدر قرار بوقفه عن العمل. فماذا تعلمنا هاتان الازمتين وما نشأ عنهما من ردود فعل؟ هذا ما يستعرضه الكاتب في هذا المقال، وهو يرى ان غالب الدروس التي يمكن استخلاصها في هذا المجال تتصل ليس بالاصلاح القضائي بحد ذاته انما بالدرجة الاولى بمنهجية الاصلاح القضائي التي تبقى على صعيد الادارات الرسمية شبه مفقودة (المحرر).
لا يحتاج المرء لكثير من الجهد ليتبين ان مقاربة وزير العدل اللبناني شكيب قرطباوي للاصلاح القضائي تلتقي في عمقها مع المقاربات التي اعتمدها اسلافه في هذا المجال. فالاصلاح يحصل بمبادرة من فوق (الوزارة ومجلس القضاء الاعلى) وبقرارات آنية يتم اصدارها، من دون ايلاء ادنى اهتمام لاشراك عموم القضاة في ورش الاصلاح او للتفاعل المجتمعي في هذا الشأن. فكل شيء يحصل في الكواليس نظرا ل"حساسية القضاء" ولا مصلحة في تحويله الى قضية عامة، او بكلام ادق لا مصلحة في تحويل النقاش بشأن هذه القضية الى نقاش عام. وهو الى ذلك، يتمحور حول محاسبة القضاء مع تهميش الاشكاليات المتصلة باستقلاليته. ومن ابرز الدلالات على هذه المقاربة الاهمية المعطاة لتطبيق المادة 95 التي تسمح لمجلس القضاء الاعلى بأكثرية 8 اصوات (من مجموع اعضائه البالغ 10) باعلان عدم اهلية قاض، من دون ان يكون للقاضي اي قدرة على الدفاع عن نفسه او تقديم مراجعة قضائية ضد قرار عزله. فهذه المادة، التي تعرض في الخطاب العام وكأنها وصفة سحرية من شأنها ان تطهر القضاء من فساده بين ليلة وضحاها، تولي مجلس القضاء الاعلى سلطة خارقة (العزل بقرار آني غير قابل للطعن) في مقابل تجريد القاضي من ابسط حقوقه وفق ما تقدم. وهكذا، ولانجاح هذه الاصلاحات، لا بد ان يكون رئيس مجلس قضاء منسجما مع طروحات الوزير وان يكون لديه غالبية مريحة منسجمة معه داخل هذا المجلس. والامر نفسه مطلوب بالطبع لانجاز تشكيلات قضائية جديدة. ومن هذا المنطلق، يصبح التجاذب السياسي الحاصل بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والنائب ميشال عون (رئيس التيار الذي ينتمي اليه الوزير) حول الاسماء المقترحة لاشغال المنصب الشاغر لرئاسة مجلس القضاء الاعلى ذات معنى (تجاذب مبرر اصلاحيا)، وذلك على غرار ما حصل في الفترة الممتدة من 2006 حتى 2008، في ظل ازمة الانقسام حول تعيين اعضاء المجلس. فالقضية قضية اصلاح بامتياز واي تنازل في هذا المجال يعني تنازلا عن الخطط الاصلاحية التي يسعى الوزير والفريق الذي يمثله الى تحقيقها. وبالمقابل، تصبح الاسئلة المتصلة باستقلالية القضاء او بمدى ملاءمة تعيين اعضاء مجالس القضاء من قبل السلطة التنفيذية[1] او حتى بكلفة تعطيل تعيينهم على العمل القضائي (تبعا لازمة 2006-2008، لم يصدر مشروع التشكيلات القضائية مما ادى الى تعطيل تعيين حوالي مئة قاضيا من خريجي المعهد والذين بقوا يترقبون تعيينهم في وظائف قضائية لسنوات عدة من دون ان يتنازل اي من السياسيين عن مطالبه) اسئلة خارجة عن الموضوع ولا مكان لها على ارض الواقع (ارض المعركة). فاللحظة الآن ليست لاستقلالية القضاء، انما لاصلاحه من فساده. وبالطبع، لا يتورع السياسيون والاعلاميون في صراعات مماثلة عن تصنيف القضاة المقترح تعيينهم بأنهم محسوبون على تيار سياسي او على آخر من دون يستتبع ذلك اي تكذيب او حتى تعليق من قبل هؤلاء. وتاليا، كيف تتصرف الوزارة ازاء ازمة قضائية مماثلة؟ ماذا تتعلم منها؟ مزيدا من التسييس كمن يعالج الداء بالداء، في توجه يؤول عمليا الى طمس اي اضطراب من شأنه ان يبرر اعادة النظر في طريقة تعيين هؤلاء بما ينسجم مع طبيعة القضاء والمعايير الدولية (وهو امر بات ملحا واكثر من ضروري)، وبكلام آخر الى حجب اي بعد قضائي او حقوقي.
وفي الاتجاه نفسه، ذهبت نقابتا المحامين في بيروت ولبنان الشمالي: ففيما تجاهلت هاتان النقابتان مجموعة من المشاكل التي يعاني منها القضاء (تعطيل مجلس العمل التحكيمي منذ اكثر من سنة او تعطيل هيئات قضائية عدة كلجنة حل النزاعات المتصلة بحماية المستهلك او لجنة الادمان او قضية الفساد القضائي) فلم تخصها حتى ببيان، دعيتا اعضاءهما الى التوقف عن العمل في يوم 26-3-2012 احتجاجا على التأخر في تعيين رئيس مجلس القضاء الاعلى، الذي هو "رئيس سلطة مستقلة وليس موظفا". وبذلك، اظهرت النقابتان التزاما بمقاربة الاصلاح الذي يحصل من فوق، مع السعي الى تعزيز هذه المقاربة من خلال احاطة رئيس المجلس بهالات تبجيلية لا تتماشى مع حقيقة الواقع. فمجلس القضاء الاعلى، ليس سلطة ولا ممثلا لسلطة، انما هو جهاز اداري يجدر به ان يكون مستقلا وان تكون مهمته الأساسية ضمان استقلالية السلطة القضائية التي يمارسها القضاة والمحاكم وتتوزع فيما بينهم وفق صلاحياتهم لكنه حاليا ليس كذلك بفعل كيفية تعيين اعضائه وفق ما اشرنا اليه اعلاه، الامر الذي يجعله اقرب الى ذراع لها للتحكم بالقضاة وبمسارهم المهني اكثر مما هو ضمانة لاستقلاليتهم. وهكذا، ضيعت النقابتان مناسبة عجز الطبقة السياسية عن تعيين رئيس مجلس القضاء الاعلى للمطالبة بان يتم انتخابه كما سائر اعضاء المجلس من قبل القضاة انفسهم وفق ما يفرضه اتفاق الطائف ومعه المعايير الدولية لاستقلال القضاء، واكثر من ذلك للمطالبة بفتح ورشة اصلاح القضاء على اساس هذه المعايير. اما ان تضغط النقابتان لحث السلطة على ممارسة صلاحية التعيين، فذلك يعني الضغط لتحقيق هدف هو نقيض هذه المعايير بشكل كامل.
هذه هي ردود الفعل الرسمية ازاء ازمة تعيين رئيس مجلس القضاء الاعلى. فهل كانت الازمة الثانية - ازمة شبهة الفساد التي طالت احد اعضاء مجلس القضاء الاعلى (غسان رباح)- اكثر انتاجية في مجال التفكير الاصلاحي؟ الجواب هو ايضا النفي. ففيما سعى مجلس القضاء الاعلى جريا على عادته في التعتيم على المسألة من خلال مقايضة طمس الملف بالاستقالة، اتخذ الوزير خطوة اضافية من خلال احالة القاضي المذكور الى المجلس التأديبي استجابة للشكوى التي قدمتها مستشارتاه ولتململ القضاة ليحاكم تحت غطاء السرية. بالمقابل، فان ايا من النيابات العامة لم يفتح تحقيقا جزائيا بالموضوع لمعرفة الجهة الراشية او التي عرضت الرشوة او التي تدخلت في القضاء. وبذلك، سرعان ما "تضبضب" الملف ليصبح مجرد قضية تأديبية عادية تعالج تحت غطاء السرية. ومن هذه الزاوية ايضا، بدت الوزارة وكأنها تسعى الى تحجيم الحدث او على الاصح بما قدرت الى تحجيم ابعاده واصدائه صونا لهيبة القضاء: فماذا يعني ان تطال شبهة الفساد قضاة بلغوا مناصب كهذه؟ وهل هذه الشبهة حالة فردية معزولة كما يظهر من وضعها جانبا ام انعكاس لبيئة ولنظام فاسدين مفسدين باتا يشكلان خطرا محدقا بدليل ان اثنين من رؤساء غرف التمييز تمت تنحيتهما في السنتين السابقتين بمرسوم التشكيلات عن منصبيهما ووضعهما في وضع "بطالة مدفوعة" من دون اعطاء اي مبرر؟ فاليس من المرعب ان تستمر المراهنة على منح صلاحيات خارقة لمجلس القضاء الاعلى تصل الى حد عزل قضاة اذا ثبت ان ثمة خللا ليس في ضمان استقلالهم انما ايضا في ضمان نزاهتهم؟ كما واليس من المرعب في اوضاع كهذه المراهنة على اي شكل من اشكال الهرمية؟
اما ان تبقى ردود الفعل على الشكل الموصوف اعلاه، فذلك يعكس تجذرا لمقاربة الاصلاح "الفوقي" او "الهرمي"، وتاليا وفي الآن نفسه قوة المصالح السياسية التي ينبني عليها والتي ترفض الاقرار باستقلالية القضاة. وهو تجذر من شأنه ان يحول الازمات القضائية الى معارك سياسية محض وان يجردها تاليا من من ابعادها وبشكل اعم من اي اضطراب ضميري قد ينشأ عنها بتطمينات من نوع بان المحاسبة جارية على قدم وساق او بان الوزارة تحترم استقلالية القاضي. وهي اظهرت بالقدر نفسه نزوعا لا يقل ثباتا عن تخيل مقاربات بديلة او مكملة او ضابطة لمقاربة الاصلاح من فوق، كأن يحصل الاصلاح بشكل مجتمعي وبمشاركة واسعة من القضاة ومجمل المعنيين بالقضاء وبشكل اعم عن تحويل قضية القضاء الى قضية عامة قائمة بحد ذاتها. وهكذا، وفيما بات القضاء يشكل عنوانا عريضا للنقاش العام في دول المنطقة ولا سيما في تونس والمغرب ومصر، فانه يختزل في لبنان في التجاذب الحاصل بين مرجعين سياسيين حول "رأس السلطة" التي باتت من "دون رأس". فكل شيء يبدأ في الرأس وينتهي في الرأس، في تنظيم هرمي يسعى الى تحجيم اي حراك من خارجه او تهميشه.
وازاء هذا الجمود، بدا التحرك المدني لجمع تواقيع المهتمين بالشأن القضائي على العريضة التي حررها قضاة للمطالبة بجلاء الحقيقة في شبهة الفساد محاولة لخرق هذه المسلمات. فللمرة الاولى، خرج قضاة عن صمتهم للطعن بهذه الهرمية التي لا تمثلهم، فحرروا عريضة ووضعوها في رسم الرأي العام. وللمرة الاولى، سعى مواطنون عدة الى ملاقاتهم في منتصف الطريق، عن طريق توقيع العريضة في توجه يهدف الى تحويل القضاء الى قضية عامة والى نزع هذه الحواجز المصطنعة والمتخيلة بين الناس والقضاء والى انشاء شبكات تضامن داخل القضاء وحوله واخيرا الى الدفاع عن حرية القضاة في التعبير والتي تشكل احدى ضمانات الاستقلالية وفق مواثيق الامم المتحدة. وفي ذلك، محاولة ما تزال هليونية بالطبع لللحاق بمركب الحراك العربي... لارساء نمط جديد في مقاربة الاصلاح القضائي.

نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية
 


[1] 8 من اصل 10 يعينون من السلطة التنفيذية وينتخب الاثنان الآخران من ضمن رؤساء غرف التمييز اي من بين الذين يتربعون في اعلى الهرم وبلغوه برضى السلطة.