صدرت مؤخرا عن المدعي العام التمييزي مذكرة قضت بالسماح للقوى الأمنية بمؤازرة الخبراء المعينين مباشرة من المالكين استنادا الى المادة 18 من قانون الإيجارات الجديد. وسوف نشرح ونفصل الأسباب الموجبة لعدم امكانية تطبيق هذه المذكرة ولمخالفتها لمواد القانون الصريحة.
إن أحد أهم أحكام قانون الإيجارات الهادفة الى الموازنة بين المستأجرين والمالكين القدامى هو انشاء صندوق لمساعدة المستأجرين من ذوي المداخيل المتدنية على الدفع، وهو ما يزال غير منشأ لانعدام موارد تمويله ولارتباطه مباشرة باللجنة التي أبطلت. ويذكر أن لجنة الإدارة والعدل ارتأت مؤخرا[1] توسيع فئة المستأجرين من مساعدة هذا الصندوق وتخفيض بدل المثل من 5% الى 4%. وتاليا، وفي ظروف كهذه، يكون الإصرار على تنفيذ مذكرة النيابة العامة باطلا وينفذ لمصلحة المالك ويكون التقرير مخالفا للتعديلات المقترحة ايضا، كما سنعطي كامل الحق للمالك بممارسة حقوقه وفقا لهذا القانون الذي ابطل جزئيا ولا يحق بالمقابل للمستأجر أن يستفيد من الحقوق المنصوص عليها في ذات القانون، ولا من اللجنة وهي المرجع الرقابي الوحيد على عمل الخبراء ولا من الصندوق غير الموجود، ويصبح القانون إنتقائيا في مواده لصالح المالك. فإما ان يطبق القانون بجميع بنوده وعلى الجميع بعدالة وتوازن ويستفيد منه جميع المواطنين بالتوازي، وإلا لا يكون قانونا منصفا وعادلا للطرفين، كونه لا يمكن الإنتقائية في مواد القانون.

وبالإستناد الى ذلك ، تكون المذكرة الصادرة بالمؤازرة مخالفة للقانون للأسباب التالية:
 
1- بما أنه لم ينشأ بعد صندوق لمساعدة المستأجرين على الدفع والمنصوص عليه من المادة 1 الى37
وبما أن اللجنة غير موجودة لتبت بعمل الخبراء ومراقبة أعمالهم
وبما أن الصندوق غير موجود ليدفع عن المستأجرين مما سيؤدي الى تنفيذ الخبرة بالقوة وتوجيه الإنذارات الى المستأجرين بدون وجه حق، وبالتالي فإن الإستعانة بالقوى الأمنية هي مخالفة للمواد 1 الى 37، ومستوجبة البطلان المطلق، لحرمان المواطن من حقوق اساسية في قانون الإيجارات القائم على التوازن بين الحقوق والواجبات، خاصة حقه بالإستعانة بالصندوق واللجنة.
 
2 - بما أن صلاحية النيابة العامة تخرج عن التحقق من تطبيق مواد قانون الإيجارات. فاذا سلمنا جدلا بصلاحيتها بإعطاء التغطية للمالك بمواكبة الخبراء بناء لطلبه دون المرور بالقضاء، فعلى النيابة العامة ان تتحقق من تطبيق المواد 1 الى 37 وتأمين وجود الصندوق ودفع الإيجار منه عمليا لمن يستحق، كما التحقق من التزام المستأجر والمالك بواجبات وحقوق كلا من الطرفين قبل البدء في تنفيذ مذكرته. وهذا مستحيل عمليا ويخرج عن صلاحية النيابة العامة والقوى الأمنية، وغير منصوص عليه في قانون الإيجارات، ولا يمكن للنيابة العامة المخاطرة بمصير الناس الإجتماعية. فهذا التخمين لبدل المثل يتم مرة واحدة على مدى 12 سنة، ويلزم المالك والمستأجر وحتى الصندوق بالبقاء على هذا التخمين طوال هذه السنين. وهذا ما يتحصل من وقف كافة المهل لدفع بدلات الإيجار لحين البت بأحقية المستأجر في الاستفادة من الصندوق من قبل اللجنة التي تم ابطالها بالقرار الدستوري. كما نصت المادة 10 فقرة أخيرة بوضوح على إن المساهمات التي يتوجب على المستأجر دفعها للمؤجر تبقى على عاتق الصندوق ولا يمكن للمؤجر التذرع بها لأي سبب وأمام اي مرجع، بوجه المستأجر على أنها جزء من بدل الإيجار لم يسدد من قبل الأخير.
 
3- ولو أراد المشرع أن يعطي صلاحية المؤازرة، للمالك وللخبراء خاصة بعد ابطال اللجنة، لنص عليها صراحة، بكونها جريمة جزائية توجب تدخل النيابة العامة وهذا ما لم ينص عليه القانون. فلو اراد ذلك لنص عليها صراحة كما جاء في المادة 12 الوحيدة في قانون الإيجارات التي نصت على تدخل النيابة العامة وتحت ضوابط وشروط محددة، وهي عندما يكون التصريح للجنة كاذبا أو غيرها، بهدف الإستفادة من مساعدة الصندوق. وبالتالي تعتبر المذكرة القاضية بالإستعانة بالقوى الأمنية باطلة شكلا واساساً لعدم النص عليه في قانون الإيجارات ولوجود إجراءات محددة يجب اتباعها، خاصة أنه قانون خاص ومواده محددة ولا يجوز التوسع بتفسيرها، والا نكون نضع موادا جزائية اضافية الى قانون العقوبات وإجراءات غير موجودة في قانون الإيجارات، علما ان هناك حلولا وبدائل غير الإستعانة بالقوى الأمنية.
 
لذلك، تكون المذكرة الصادرة عن النيابة العامة التمييزية مخالفة لقرار وزير العدل ورأي هيئة الإستشارات ولرأي رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الدستوري الذين اعتبروا أن القانون معلّق التنفيذ وغير قابلة للتطبيق بمعزل عن باقي مواد القانون إضافة الى بطلان هذه المذكرة في الشكل والأساس استنادا الى المواد 1 الى 37 من قانون الإيجارات الجديد.


[1]الفصل 13 مكرر من مجلة الاجراءات الجزائية آجال الاحتفاظ 3 ايام تقبل التمديد لمرة واحدة بقرار معلل من وكيل الجمهورية