مالكون ممتعضون ومستاجرون ساخطون يهدّدون بالاعتصام والتظاهر[1]، لم يمّر اقتراح قانون "تحرير عقود الايجار السكني" دون اثارة صخب في وسط المواطنين المعنيين بتطبيقه. ردّات الفعل هذه غير مستغربة، اذ انّه للمالكين والمستأجرين مصالح متباينة في اطار علاقتهم القانونيّة ومن المنطقيّ ان يحاول كل طرف الدفاع عن حقوقه المكتسبة والاستحصال على حقوق جديدة عبر الضغط على المشترع. لا بل وهكذا تنديدات دلائل عافية في بعض نواحيها اذ انها، من جهة، تعيد بعض الاعتبار لمجلس النواب كمؤسسة معنيّة بيوميّات المواطنين، او ببعضهم، ومن جهة اخرى تعيد جزءا من النقاش العام الى سياق اجتماعيّ بعيدا عن النزاع او الاوهام التي تشغله معظم الاوقات.
الامر المستغرب في اقتراح القانون هذا، وفيما حوله، هو موقف المشترع والمؤسسات الرسمية، او بالاحرى غياب ايّ موقف فعليّ من قبلها كما سنحاول تبيانه في هذه السطور.
يتعلّق اقتراح قانون "تحرير عقود الايجار السكني" بعقود ايجار الاماكن المخصّصة للسكن (او الاماكن المؤجّرة بعقد واحد للسكن ولغير السكن على ان تكون الوجهة السكنيّة هي الراجحة في الاستعمال) المعقودة قبل تاريخ صدور القانون 160/1992 اي قبل 23 تموز 1992. التحرير الذي يهدف اليه هذا الاقتراح هو عبارة عن اعفاء تلك العقود من القواعد المنصوص عليها في القانون 160/1992، في طليعتها تلك المتعلّقة بالتمديد القانوني وببدلات الايجار. اذ ان القانون رقم 160/1992 قد نصّ، كقوانين الايجارات السابقة له[2]، على تمديد عقود الايجار المعقودة قبل صدوره اي على ابقاء فرقاء تلك العقود، المالكين والمستأجرين، في اطار علاقتهم القانونيّة بعد انتهاء المدّة التعاقدية. فيسمح للمستأجر بالبقاء في المأجور رغم حلول الاجل العقدي المتفق عليه (المادة الثالثة من القانون رقم 160/1992) وذلك مقابل بدل حدّد المشترع سبل تقديره (المادة السادسة من القانون 160/1992).
"تحرير" هذه العقود ليس مستغربا في مبدئه، فقوانين التمديد لعقود الايجارات هي استثنائية كما تبيّن نصوصها. تحدّد هذه القوانين اطار تطبيقها الزمني بفترة محددة، غالبا ما تعود وتتخطاها فالتمديد للعقود الخاضعة لقانون 160/1992 مازال ساريا حتى يومنا هذا رغم حصر المشترع فترة تطبيقه في المادة الثالثة حتى 31/12/1995. تحلّ هذه القوانين مشيئة المشترع مكان مشيئة فرقاء العقد فالمستأجر الذي دخل المأجور بفضل العقد يستمرّ في الاستفادة منه بفضل القانون ووفق شروطه رغما عن المالك. وعدا تعارض هذه القوانين التمديدية مع فلسفة القانون اللبناني الليبراليّة عبر تعرضها لحريّة التعاقد وحق الملكيّة، فان لها اثارا اقتصادية واجتماعية سلبيّة. والواقع انها وان هدفت الى الحؤول دون اخراج مواطنين من مساكنهم في ظلّ اوضاع امنيّة واجتماعية تجعل فرصهم في ايجاد مأجور او مسكن آخر ضئيلة للغاية، قدتركت بالمقابل اثارا مغايرة، واحيانا، معاكسة. فالأبنية الخاضعة للتمديد قد وضعت خارج سوق الايجار مما ادّى الى هبوط العرض في هذه السوق وبالتالي الى ارتفاع الاسعار، بالاضافة الى ذلك ان "خضوع" تلك الابنية للايجارات الممددة يصعب على المالك عمليّة بيعها والعثور على مشتر يقبل بملك لا يعلم متى سيتمكّن من الاستفادة منه. اخيرا، ورغم محاولة المشترع في تحديد بدل "معقول" للايجار، فانّ عقود الايجار الممدّدة بقيت خاضعة لبدلات زهيدة مقارنة مع تلك المعتمدة في العقود "الحرة" مما يخلّ بالمساواة بين المستأجرين في كلّ من تلك العقود ويشكل غبنا بحقّ المالكين كما يؤدي الى تردي حالة المسكن لعدم القيام بالاصلاحات اللازمة نظرا لكلفتها بالنسبة الى مردود المالك. ان "تحرير" الايجارات المعقودة قبل 1992 يشكّل اذا خطوة ضرورية لكنّ اقتراح القانون موضوع الدرس، وان كان يسعى لتحقيق هذا التحرير لا يلبي تلك الضرورة بالطريقة الملائمة. فمن جهة، لا تتماشى الآليّة التي يعتمدها الاقتراح مع مقتضيات المنطق والعدالة ومن جهة اخرى، لا يلبي الاطار التشريعي والاقتصادي الذي تخضع له تلك العقود بعد تحريرها ادنى ضرورات الامن الاجتماعي للمستأجر.
فيما يخصّ آليّة التحرير، ينص الاقتراح على تمديد عقود الايجار الخاضعة له لستّ سنوات جديدة تبدأ عند صدور القانون على ان يرتفع بدل الايجار تدريجيا خلال تلك السنوات الست حتى يبلغ ما يسميه الاقتراح "بدل المثل" وهو بدل عادل للايجار يحدّد بالاتفاق بين المالك والمستأجر. وان تعذر التحديد الرضائي يتم تحديد بدل المثل عبر القضاء. وهكذا، وفي نهاية السنة التمديدية السادسة، يصبح الايجار حرا (المادتان الثانية والثالثة من الاقتراح). لن نستفيضفي التعليق على النواحي التقنية من الاقتراح فيما يتصّل بكيفيّة تحديد بدل المثل مركزينملاحظاتناعلى الآلية العامّة للتحرير نظرا لكون التفاصيل التقنيّة مرشّحة للتبدل قبل صدور القانون[3]. وفي هذا الاطار، بامكاننا الاستئناس بآلية التحرير التي اعتمدها المشترع الفرنسي للعقود الخاضعة للتمديد القانوني تحت احكام قانون 1/9/[4]1948. فمقارنة هاتين الآليتين تظهر فوارق عدة من شأنها اظهار عدد من الشوائب في المقترح اللبناني. اولا، ان الفترة التعاقدية التي تسبق التحرير هي ست سنوات في الاقتراح اللبناني بينما هي ترتفع الى ثماني سنوات في القانون الفرنسي (المادة 46 من قانون 23 كانون الاول 1986)، وفي موازاة ذلك تتراوح الزيادة السنوية في الايجار في لبنان بين 15 و17 % حتى بلوغ بدل المثل بينما لا تتجاوز 12,5 % في القانون الفرنسي. برأينا، انّ زيادة مدة عقود التحرير ضرورية على ان تترافق مع تخفيض نسبة الزيادة السنوية على بدل الايجار نظرا لقدم العقود المحررة والفارق الشاسع في معظم الاحيان بين بدل الايجار وبدل المثل. ثانيا، لا يولي الاقتراح اللبناني ايّ اعتبار لشخص المستأجر كعمره او حالته الماديّة وذلك على عكس القانون الفرنسي (المادة 29 من قانون 23 كانون الاول 1986). فهل من المقبول ارغام مستأجر مسنّ قد توقّف مبدئيا عن العمل على تكبّد بدل ايجار مرتفع للحفاظ على مأجوره؟ ولماذا لا يتمّ اعفاء المستأجرين المسنين، الذين بلغوا 65 عاما، من التحرير على الا ينتقل حقّ التمديد الى ورثته القاطنين معه في المأجور؟ بالاضافة الى ذلك، بالامكان منح المستأجرين الذين يثبتون عسرهم ومحدودية مواردهم تسهيلات من ناحية مدة التحرير او الزيادات السنويّة. ثالثا، يبدو انّه لا يستفيد من التحرير المقترح الا المالك، فالمستاجر الذي يرتفع بدل الايجار المتوجب عليه لا يستحصل على اية تحسينات واصلاحات على المأجور المشغول منه لفترة طويلة. برأيناتقضي مستلزمات المنطق والعدل ان يتمّ الزام المالك ببعض الموجبات لمصلحة المستاجر مقابل زيادة بدل الايجار المتوجّب على هذا الاخير.
 
اذا كانت آلية التحرير تفضح قصر نظر من قبل المشترع اللبناني، فانّ مصير المستأجرين بعد تحرير العقود يبين حالة شلل تامّة تعتري المؤسسات الرسميّة في هذا المجال. فعقود الايجارات تخضع اذ ذاك لحريّة التعاقد في اطار نصوص قانون الموجبات والعقود (المادة 543). ولم يجد المشترع ايّة ضرورة لفرض رقابة على بدلات الايجار ولتحديدها في اطار يتناسب مع امكانيات المواطنين، خاصّة في المدن الكبيرة وفي مقدّمتها العاصمة بيروت، بل هو يكتفي باقتراح قانون بانشاء صندوق خاصّ بالايجارات الخاضعة لقانون 1992، قبل التحرير، لمساعدة المستأجرين الذين لا يتجاوز معدّل دخلهم العائلي الشهري ضعفين ونصف ضعف الحدّ الادنى للاجور. ان هذه الخطوة غير كافية، فهي تنحصر بالايجارات الممدّدة بقانون 160/1992 دون سبب واضح لذلك ولا يستفيد منها الا عدد محدود من المواطنين بينما ارتفاع بدلات الايجار يطال شرائح اجتماعية تتجاوز العائلات المعنيّة بالمساعدات الجزئية، التي يعتزم الصندوق تقديمها.
 
وابعد من نصوص الايجارات، لم تقدم المؤسسات العامّة كافّة اية خطة لتشجيع الاستثمار التأجيري ممّا يسمح بزيادة عروض التأجير والتأثير على البدلات. هكذا تشجيع يتمّ عبر اعفاءات ضريبيّة عند بناء او شراء وحدة سكنيّة تخصّص للايجار في السنوات اللاحقة. وهذا التشجيع يتمّ ايضا عبر شراكات بين القطاعين العامّ والخاصّ لبناء مشاريع سكنيّة تقترح وحدات للايجار باسعار مقبولة. عوضا عن ذلك، تعطى الاولويّة لاستثمارات عقارية مخصّصة لفئة من الميسورين بعيدة عن فئات المستأجرين وهمومهم.
تشكّل هذه السياسة تبرؤا من قبل مؤسسات الدولة حيال ازمة السكن وحقّ المواطنين بمسكن ملاءم (droit au logement)، فالمشترع يقترح تحرير الايجارات بعد سنين طويلة من التمديد وينصرف، كأنما مشكلة الايجارات لا تعني الا المالك والمستأجر! ان الدولة لاعب اساسي في هذه المعادلة، وليست مجرّد حكم بين فريقين يطلق صافرة نهاية التمديد تاركا اللاعبين في المجهول.

نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية

[1]السفير، 4/4/2012، الصفحة الاولى والسفير 6/4/2012، صفحة اقتصاد، مقال عدنان حمدان.
[2] اخرها القوانين رقم 10/1974 و 20/1982، لنبذة عن مختلف قوانين الايجارات المتعاقبة حتى 1992 مراجعة د. غسان رباح وراشد طقوش، شرح قانون الايجارات الجديد، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002.
[3] اقترحت نقابة المحامين اليّة قضائيّة مختلفة لتحديد البدل المثل، تجدر الاشارة الى انّ اقتراح القانون ومشروع النقابة ينصّان على كون الحكم القضائي الذي يحدد هذا البدل غير قابل للطعن باي شكل من الاشكال مما يحرم المالك والمستاجر من حقهم بدرجتي محاكمة على الاقل.
[4] انّ مقارنة قانوني 23 تموز 1992 في لبنان و1 ايلول 1948 في فرنسا وتحرير العقود الممددة باحكامها لا يمكن ان تتمّ الا بحيطة وحذر فقانون 1948 يخصّ الابنية المنشاة قبل صدوره لا الايجارات المعقودة قبل هذا التاريخ كما هي حال قانون 1992. بالاضافة الى ذلك فان العقود المبرمة في ظل قانون 1948 لم تحرر بشكل كامل وعلى مراحل عديدة مع صدور قوانين الايجارت اللاحقة. في عام 2006، قدّرت عدد الوحدات السكنية الخاضعة للتمديد القانوني بحوالي 240000 الى 260000 وحدة من اصل 10 ملايين وحدة مؤجرة على الاراضي الفرنسية.(المصدر Insee)