خلال شهر حزيران 2015، إنتشرت على وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي مشاهد أحد مباني دار الأيتام الإسلامية، ينبعث منه خلال الليل صراخ أطفال مودعين فيه. أحد سكان الحيّ نجح في إلتقاط هذه الصور وفي بثّها على شبكة الانترنت. لم يتسنّ للمفكرة التحقق من صحة الفيلم، لكن أشخاصا عدة من سكان الحي أكدوا لنا ولوسائل اعلامية أخرى سماع صراخ أطفال في الليل. وكان لازما اذ ذاك أن نستمع الى شهادة طارق الملاح، الشاب الذي كان أول من كسر الصمت بشأن المظالم والانتهاكات التي يتعرّض لها الأطفال في دور الرعاية وحمل قضيته الى القضاء. فكيف يفسر هو هذا الصراخ؟ وأي ذكريات تتولد لديه من جرائه؟ بالطبع، الهدف من ذلك ليس استهداف أي مؤسسة أو طائفة، انما دعوة الجميع الى التفكير بسوء نظام الرعاية المتبعة في لبنان وبضرورة وضع حدّ لها. . فلماذا يودع 2% من أطفال لبنان في مؤسسات الرعاية بدل مساعدة عوائلهم لإبقائهم في أحضانها؟ وما هي الرقابة التي تمارسها الدولة على المؤسسات لضمان سلامة الأطفال المودعين فيها؟ (المحرّر).
 
إثنا عشر عاماً ماتوا من حياتي وأنا في دار الأيتام الإسلامية. دخلتها عن عمر يناهز السنتين لأن ظروفي، أو ربما القدر، شاءت أن أعيش بلا أسرة من أب وأم وأخوة. وأواجه الدنيا وحيداً. وهربت بعد ذلك ... لم أهرب من دار الايتام بحد ذاتها، بل من المعاناة والوجع اللذين طارداني داخل اسوارها، كالهارب من كابوس الى أيام قادمة حُبلى بالأحلام.

لحظات صراخ من ذاكرتي

مع ظهور فيديو يدوي فيه صراخ أطفال ليلاً من قلب دار الايتام الاسلامية, دوّت في ذاكرتي لحظاتٌ من الكابوس الماضي, ذكريات ما زالت تراودني, أعيشها وتعيش فيّ وأتمنى ان لا يختبرها أطفال من بعدي.

خلافاً لما يعتقده البعض بان الضرب بعيد كل البعد عن دور الايتام التي وضع في عهدتها تربية الاطفال وحمايتهم من كل سوء, أؤكد أن ما عشناه في دار الايتام هو أكثر بعداً وقساوة من الضرب. فتجربتي تشهد أن التعذيب والاغتصاب ليسا غريبين عن الدار.

أنا أعلم كيف يتضور الطفل جوعاً في قلب دار الايتام, اذ ليس كلما جاع يكون الاكل متاحاً. فللأكل دوام صارم. تستيقظ في الخامسة صباحالتتناول فطورك فتلعنه كما لو انه قصاص عليك. والعشاء ايضاً مبكر جداً -عند الخامسة والنصف عصراً- فاذا لعبت بعد ذلك وجعت, لا محال ان تسد جوعك بلقمة, ودواؤك الوحيد هو النوم, لعله ينسيك الجوع. ودائماً عانينا من ضآلة الوجبات الغذائية التي لم تلبّ يوماً جوعنا, فكنا نخبئ في جيوبنا خلسةً فتات خبز جاف لساعة الحاجة.

الخوف كان يرافقني, ويزداد حدة في ساعات الليل حين أخلد الى فراشي. بعد أن تعرضت للاغتصاب مرةً, ظننت اولاً أنها المرة الاولى والاخيرة, وانني سأنسى ...  لكنني ما نسيت بسبب تعرضي مراراً وتكراراً للاغتصاب. وهكذا في كل ليلةٍ تتلبسني الحيرة والرعشة :"معقول يجو اليوم؟ رح يجو؟ ما رح يجو؟ " ... قليلا كنت أسلم من أيدي الشلّة المعتدية على جسدي وكرامتي.

اما عن الضرب, فهو أسلوب معاملة "عادي" بنظر المشرفات في الدار لإرغامنا على "سماع الكلمة" أو الرضوخ للأوامر. فان أرادت ايقاظنا صباحاً لجأت لضربنا، وإن أرادت أن ترحمنا أيقظتنا بالشتائم والاهانات او على أصوات "الخبيط" التي كانت تصدرها عن طريق ضرب الخزائن وأطراف السرير الحديدة بالعصا. ومرّةً لشدة تعبي، أخذتني الغفلة ووجدتني المشرفة نائماً غافلاً في غرفة الجلوس، فأحضرت عصا ممسحة وبدأت بضربي على ظهري، ضربة اقسى من أخرى. تعتبر انها قاصصتني., لان النظام يقول : النوم هو في غرفة النوم.

فيديو صراخ الاطفال: عذاب الحاضر يشهد عليه الماضي

لقد شاهدت الفيديو المصوّر من منزل مجاور لدار الايتام الاسلامية والتقط فيه صراخ أطفال داخل الدار. وقد انتشر مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي وتناولته الوسائل الاعلامية في نشراتها الاخبارية ومواقعها الالكترونية. تسمّعت اليه مطولاً واعدت تشغيله كثيراً، تمعّنت فيه، وركزت على أصوات الصراخ... أحسست بكل صرخة كما لو ان دوامة الزمن عادت بي الى الوراء. جرفتني تلك الاصوات الى صور موجعة من الماضي.
أنا لا أستبعد ان يكون ما حصل معي وومع رفاقي الذين عاشوا معي في الدار، ما يزال يحصل حتى الآن. لا أستبعد أن يتعرض الاطفال اليوم في دار الايتام لنفس المأساة التي عشتها من جوع, أو حرمان, أو ضرب, أو تعذيب. لأن الضرب في قلب الدار وبنظر المشرفات أسلوب معاملة "عادي" وطبيعي مع الاطفال.

من ناحية أخرى, لفتني صراحةً عامل الوقت. أطفال الدار يصرخون في شهر رمضان. هذا الشهر يشكل مناسبة مثل كل الأعياد, يحضر فيه أشخاص ميسورو الحال من أصحاب أعمال, أو حتى سياسيون ليوزعوا علينا الهدايا و"العيدية". وتأتي المشرفات في نهاية النهار لتسلبك هذا المال القليل ولتحرمك الكثير. نعم, تسلبك الكثير من الفرح, فتبكي, وتصرخ, وتجادل المشرفة بأن المال الذي سلم الى يديك هو لك، ملكك، أملك بفرحة يحاولون حرمانك منها. سواء كان الصراخ , صراخ ألم ناجم عن الضرب, أو صراخ طفل يواجه ممارسات الحرمان... كل الاحتمالات تصب في الخانة نفسها: صراخ اطفال يُضربون ويتعذبون.

هل من المعقول أن يقف الرأي العام موقف المتفرج أمام هذه المأساة الناتجة عن الانتهاكات المرتكبة بحق الطفولة؟