نمت الى المفكرة القانونية معلومات موثوقة بأن وزير العدل أشرف ريفي اتخذ قراراً بالسماح لستة أشخاص بالإنتساب الى معهد الدروس القضائية بصفة "طلاب مستمعين". وكان تمّ الإعلان في 28-5-2015 على موقع مجلس القضاء الأعلى عن نتائج المباراة التي أجريت لتعيين 40 قاضياً متدرجاً في معهد الدروس القضائية، وقد نجح فيها 33 مرشحاً فقط. وكان الأشخاص الستة المعينون رسبوا في هذه المباراة.وقد عُلم أن أربعة منهم رسبوا بفارق بسيط (71 نقطة) وثلاثة منهم أبناء قضاة، فيما أن الإثنين الآخرين رسبا بسبب حصولهما على علامة لاغية في امتحان اللغة الأجنبية. وهذا القرار، الأول من نوعه منذ صدور المرسوم التشريعي لتنظيم القضاء العدلي في 1983 أي منذ أكثر من ثلاثين سنة، استند إلى المادة 19 من مرسوم تنظيم معهد الدروس القضائية الصادر عام 1962 (وقد استعادها النظام الداخلي للمعهد)، والتي كانت تسمح لوزير العدل باتخاذ قرار بانتساب غير القضاة المتدرجين والأجانب الى المعهد بناءً على توصية رئيس المعهد واقتراح المدير العام. فماذا يعني هذا القرار؟ وهل ما تزال المادة 19 سارية المفعول رغم صدور قانون 1983 والذي عدّل جذريا آلية التعيين في معهد الدروس القضائية؟ ثم، هل يؤدي أو يمهد تعيين هؤلاء طلابا مستمعين في المعهد لتعيينهم لاحقا قضاة رغم رسوبهم في مباراة الدخول اليه؟ وفي حال الإيجاب، ألا يؤدي ذلك الى إنشاء سابقة شديدة الخطورة من شأنها نسف آليات تعيين القضاة برمتها وفتح أبواب لمضاعفة تدخل السلطة السياسية في هذا المضمار؟ ونسارع الى الإجابة بأن هذا القرار في حال صدوره شديد الخطورة، وهو يشكل ضربة قاسية إضافية لحيادية مباراة الدخول الى القضاء وبابا واسعا لتعزيز التدخل في شؤونه. وما يزيد الأمر خطورة هو أن هذا القرار بتعيين راسبين طلابا في المعهد يتكوّن ويشق طريقه الى الحياة حتى قبل صدور مرسوم بتعيين الناجحين ال33 قضاة متدرجين فيه، ورغم صدور نتائج نجاحهم منذ شهرين. فكأنما ثمة إرادة في ضمان حقوق بعض الراسبين قبل إعلان أسماء الناجحين، أو حتى في تعليق صدور المرسوم بتعيين الناجحين باتفاق على تمرير قبول الراسبين. وهذا ما سنحاول تفصيله أدناه.     

ماذا يعني طالب مستمع؟

تعود فكرة الطالب المستمع الى مرسوم تنظيم معهد الدروس القضائية 1962 في مادته 19. فقد أولي وزير العدل حق قبول طلاب مستمعين في المعهد بناءً على توصية رئيس المعهد واقتراح المدير العام، وذلك بالشروط التي يعينها النظام الداخلي. وأقرت المادة نفسها بمنح الناجح منهم في نهاية الدراسة شهادة خاصة يوقعها وزير العدل ورئيس المعهد. وقد جاء النظام الداخلي لمعهد الدروس القضائية الصادر لاحقا في 16-4-1967 ليفصل كيفية الانتساب الى المعهد.  ففتح إمكانية الانتساب أمام ثلاث فئات: القضاة المتدرجون المعينون وفقاً لقانون 1961؛ وكل لبناني أو أجنبي حائز على إجازة الحقوق اللبنانية؛ وكل أجنبي حائز على إجازة الحقوق المعمول بها في البلد الذي أعطيت فيه.

وعملا بذلك، بات المعهد مفتوحا ليس فقط للقضاة المتدرجين الذين يتهيؤون لتولي مناصب قضائية في لبنان بعد انتهاء تدرّجهم، إنما أيضا ل"طلاب" لبنانيين وأجانب يُمنحون شهادة بعد انتهاء فترة دراستهم في المعهد. وتجدر الإشارة الى أن قسماً من هؤلاء هم من الأجانب بحيث أن المعهد المنشأ في بداية الستينيات درج على استقبال قضاة من دول عربية عدة وخصوصا قبل حرب 1975-1991. والبيّن عند قراءة المرسوم 1962 والنظام الداخلي 1967 أن فئة القضاة المتدرجين وفئة الطلاب تخضعان لنظامين مختلفين تماماً، سواء لجهة شروط الانتساب أو الدروس أو العقوبات المسلكية والتأديب.

فنصت المادة 3 انه "يتم انتماء القضاة الى المعهد بعد صدور مرسوم تعيينهم قضاة متدرجين وحلفهم اليمين القانونية. أما الأشخاص الآخرون فلا يتم انتماؤهم الا بناءً على قرار وزير العدل يصدره وفقاً لأحكام المادة 19 الآنفة الذكر. وفي ما خص الدروس في المعهد نجد فارقاً بين الفئتين، اذ حصرت المادة 5 ب"القضاة المتدرجين" القيام في المحاكم، بأعمال يعينها القضاة الذين يلحقون بهم أو بأعمال يعينها وزير العدل بموافقة رئيس المعهد، أي التدرج في المحاكم. 

أما في ما خصّ التأديب، فيطبق وفق المواد 15 و16 نظام القضاة على القضاة المتدرجين في تعيين العقوبات المسلكية التي يمكن انزالها بهم، وتناط سلطة تأديبهم بمجلس القضاء الأعلى. أما بالنسبة الى الطلاب الآخرين فيحدّد النظام الداخلي نفسه العقوبات التي يمكن إنزالها بهم، وتناط سلطة تأديبهم بمجلس تأديبي مؤلف من ثلاثة أساتذة من المعهد يعيّنهم رئيسه.
 
تعيين "طلّاب مستمعين"، إحياء نصوص وهي رميم:

ولكن، هل ما زال تصور مهام المعهد على هذه الحال أم أنّ المادة 19 التي يزمع تعيين طلاب مستمعين جدد على أساسها تعدّ ملغاة؟ وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً في ظل ثبوت عدم تطبيقها منذ صدور قانون 1983، وعلى ضوء المادة 136 منه والتي نصّت على إلغاء جميع الأحكام القانونية المخالفة أو غير المتوافقة مع أحكامه. فهل تتعارض المادة 19 وأحكام النظام الداخلي للمعهد بهذا الشأن مع أحكام هذا القانون؟ وللإجابة على ذلك، لا بد من قراءة القانون وتفسيره على نحو يجعل أحكامه مترابطة منطقياً، ولا سيما فيما يتصل بأحكامه الناظمة للمعهد وكيفية الانتساب اليه. ومن شأن هذه القراءة أن تؤدي الى اعتبار المادة 19 ملغاة[1] على أساس الاعتبارات الآتية:   

-       أن وظيفة المعهد المحددة في هذا القانون (مادة 54) تخلو من أي اشارة الى تعليم "طلاب مستمعين" من الجنسية اللبنانية. فوظيفة المعهد تقتصر على "التهيئة لتولي القضاة المتدرجين العمل القضائي" و"تنظيم دورات تدريبية للأجهزة المساعدة للقضاء والمساعدين القضائيين والكتاب العدل والخبراء وغيرهم ممن يقرر وزير العدل اخضاعهم لدورات تدريبية" و"تهيئة قضاة غير لبنانيين لتولي العمل القضائي في بلدانهم". وبكلمة أخرى، أصبحت وظيفة المعهد تقتصر على تخريج قضاة أو تأهيل مساعدين لهم في لبنان، على أن يقتصر انتساب من ليسوا كذلك الى المعهد بأجانب يتهيؤون لتولي مناصب قضائية في دولهم. وقد ذهب القانون أبعد من ذلك في تفصيل آلية قبول الطلاب الأجانب. فنصت المادة 73 منه على أنه يقتضي أن يكون هؤلاء "موفدين رسمياً من بلدانهم". وبذلك، بدا تصور مهام المعهد مختلفا تماما عما كان عليه في مرسوم 1962 أو النظام الداخلي 1967 بحيث باتت مهمته مرتبطة مباشرة بالوظيفة التي يتهيأ المنتسبون اليه للقيام بها أو التي يقومون بها فعلياً. بالمقابل، لم يعد من الممكن الانتساب اليه لغايات تعليمية ونظرية لا صلة لها بهذه الوظائف.   

-       بالنظر الى القانون والى تصور دور المعهد الناتج عنه، نتبيّن بوضوح أنّه أدخل تعديلا أساسيا على المادة 2 من النظام الداخلي للمعهد (1967)، لجهة الفئات التي بإمكانها الانتساب الى المعهد، على نحو يحد كثيرا من فئة الطلاب. ففي موازاة إلغاء أي إشارة الى اللبنانيين الحائزين على إجازة في الحقوق، تدخّل المشرع ليحد كثيراً من إمكانية قبول طلاب أجانب في لبنان. ففيما كان نظام 1967 يفتح الباب أمام قبول أي أجنبي حائز على إجازة في الحقوق اللبنانية أو من بلده، اشترطت المادة 73 أن يكون الأجنبي موفداً رسمياً من بلده وأن يكون في صدد التهيؤ لتولي منصب قضائي هنالك.

-       أن الإشارة الوحيدة للطلاب المستمعين اللبنانيين جاءت في المادة 75 من القانون، وهي تعكس نية المشرع الواضحة في إنهاء هذه الفئة. فقد تناولت هذه المادة مآل الطلاب المستمعين الذين انتسبوا الى المعهد قبل صدور القانون فأنهت وجودهم من خلال دمجهم في فئة القضاة المتدرجين. ومن هذه الزاوية أيضا، يكون قانون 1983 ألغى إمكانية قبول طلاب لبنانيين من غير القضاة المتدرجين – أي الناجحين في المباراة التي ينظمها مجلس القضاء الأعلى – في المعهد. وهذا ما سنعود اليه أدناه، في إطار فهم الغاية من تعيين هؤلاء الراسبين طلابا مستمعين في المعهد.
 
أي سيناريو لتحويل الطالب المستمع الى قاضٍ؟  

بمعزل عن مدى شرعية تعيين طلاب مستمعين في المعهد أو عدمها، يبقى هكذا قرار غامضا. فماذا يفيد إحياء فئة "الطلاب المستمعين" في معهد الدروس القضائية في ظلّ تطور المنظومة الجامعية في لبنان وتنوع الاختصاصات فيها، طالما أن جلّ ما يحصلون عليه في نهاية وجودهم في المعهد هو شهادة من دون أن يكون بمقدورهم وفق نظام المعهد تولي مناصب قضائية؟ وفق المعلومات المتوفرة، الجواب لا نجده في متن القرار إنما في الأحاديث الجانبيّة لتبريره والتي تظهر وجود سيناريو غامض يفضي الى تعيين هؤلاء قضاة متدرجين. وقوام هذا السيناريو توجّه نحو تسخير القوانين وتأويلها لخدمة أهواء ومآرب لن ندخل في تحليلها في هذا المكان، ولو أدى ذلك الى تعارض أساسي مع الأصول والمبادئ وبل أحياناً مع حرفية النصوص موضوع التفسير.

وبالعودة الى الأحاديث الجانبية، يدلي المؤيدون للقرار أنه يستند الى المادة 75 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تنص على ما يأتي: "يعيّن الطّلاب المستمعون الموجودون في المعهد قضاة متدرّجين ويجري تدريبهم لدى المحاكم في الفترة المتبقية من وجودهم في المعهد" للقول بأن مآل هؤلاء الطلاب هو تعيينهم قضاة متدرجين تماما كما هو حال المرشحين الفائزين في المباراة.  بهذه القراءة، يصبح القرار الوزاري بمثابة الخطوة الأولى الآيلة الى تعيين مرشّحين راسبين في القضاء في مناصب قضائية رغم رسوبهم في الامتحانات. وعند معاينة هذه المادة في سياقها التاريخي، نتبين عمق المخالفة الحاصلة. فهذه المادة وضعت في 1983 وهي تستهدف ثلاثة أشخاص بعينهم كانوا طلاباً مستمعين آنذاك، ومنهم النائب العام التمييزي الحالي سمير حمود. وتاليا، هي مادة انتقالية تعني هؤلاء دون غيرهم، وهي غير قابلة للتطبيق خارج هذه الحالات لأسباب أربعة على الأقل:

الأول، أن فئة "الطلاب المستمعين" لم تعد موجودة منذ صدور قانون 1983 الذي عمد الى إنهاء وجودها بحكم إعادة تصور مهام المعهد وأيضا بحكم هذه المادة بالذات كما بيّنا أعلاه،

والثاني، أنّ حرفية النص تظهر بشكل واضح أنّه ينطبق على الطلاب الذين كانوا موجودين آنذاك في المعهد بدليل إضافة عبارة "موجودون" والتي تصبح مجردة عن أي معنى فيما لو كان يراد اعتبار النص قاعدة عامة دائمة،

والثالث، أن تفسير المادة 75 على أنها قاعدة عامة يؤدي عمليا الى نتيجة عبثية مفادها أن وضع الطالب المستمع يصبح مساويا لوضع القاضي المتدرج الذي أثبت استحقاقه وكفاءته تبعا لفوزه في المباراة أو من ضمن الحائزين على شهادة الدكتوراه من دون أن يكون هنالك أيّ معيار موضوعيّ يسمح له بإدّعاء مساواة من هذا النوع. ولا يرد على ذلك أن القرار شمل فقط أول الراسبين أو الراسبين فقط بفعل العلامة اللاغية في امتحانات اللغة الأجنبية. فإذا سلمنا جدلا أن ثمة معطيات تبرر تعيين هؤلاء قضاة متدرجين رغم رسوبهم، فهل بوسع أي كان أن ينكر أن من شأن القبول بقرار كهذا أن يفتح الباب واسعاً أمام تعيين أي شخص حائز على إجازة في الحقوق طالباً مستمعاً، عملا بالمادة 19 التي لا تضع أي شرط آخر،  

والرابع، أن من شأن إصدار قرار مماثل أن يسمح بوزير العدل بالإلتفاف حول آلية تعيين القضاة المتدرجين المنصوص عليها في قانون 1983 والإنقضاض عليها، فيكون له متى شاء وكيفما شاء أن يعين طلابا مستمعين في معهد الدروس القضائية، فيتحولون في اليوم التالي عملا بالمادة 75 الى قضاة متدرجين. فأن نرى أن المادة 19 الخاصة بتعيين طلاب مستمعين من بين الحائزين على إجازة حقوق ما تزال سارية المفعول وأن المادة 75 تحول تلقائيا كل طالب مستمع الى قاض متدرج يؤدي الى استخراج القاعدة العبثية الآتية: "أن بامكان وزير العدل في أي حين أن يعين أي لبناني حائز على إجازة في الحقوق قاضيا متدرجا بناء على توصية من رئيس المعهد واقتراح المدير العام". وبذلك، يختزل الوزير في شخصه بموجب تفسير كهذا، كل المسار المؤسساتي المؤدي الى انتقاء قضاة متدرجين من بين أصحاب الاستحقاق ويصبح الحائز الرئيسي على مفتاح التعيينات القضائية. وبالطبع، تتعارض هذه النتيجة مع صلب قانون 1983 الذي يولي مجلس القضاء الأعلى المهمة الأساسية في هذا الشأن سواء لجهة تنظيم مباراة الدخول الى المعهد وتعيين اللجنة الفاحصة (مادة 60)، أو لجهة قبول المرشحين (مادة 62). كما تتعارض مع تصور مهمة مجلس القضاء الأعلى كمسؤول رئيسيّ عن ضمان استقلال القضاء ومع مبدأ فصل السلطات.             

وعلى فرض اقتنع مؤيّدو القرار بعدم قابلية المادة 75 للتطبيق، يصبح اذ ذاك أمامهم طريق واحد لتحويل الطلاب المستمعين الى قضاة متدرجين أو ربما الى قضاة أصيلين، وهو إصدار قانون خاص بهذا الشأن. ومن هذه الزاوية، تصبح الغاية من تعيين هؤلاء كطلاب مستمعين هي تمتيع هؤلاء بوضعيات مختلفة عن سائر المواطنين وتاليا الى توفير غطاء لسن تشريع خاص بهم. لكن بالطبع هذا الغطاء ليس الا ورقة تين تسقط أمام أي جدل جدي، طالما أن القانون المنتظر وضعه في هذه الحالة لا يأتي لتنظيم واقع انوجد سابقا وأدى الى ايجاد فئات ذات وضعيات متميزة عن سواها، انما على العكس من ذلك تماما هو يأتي كجزء من مسار تمييزي متكامل، يبدأ بالقرار الوزاري ليتتوّج بالتشريع. ويصبح القانون تالياً في هذه الحالة جزءاً أساسياً من اللعبة التمييزية، بمعنى أنه يوضع على قياس أشخاص ولمصلحتهم، مما يجعله حكماً غير دستوري.

وكخلاصة، جاز القول أن الغاية المرجوة من هذا القرار (غير القانوني أصلاً) لا تتحقق الا من خلال تأويل ملتوٍ وعبثي لنصّ قانونيّ، أو من خلال إلحاقه بقانون تمييزي غير دستوري. ونكون اذ ذاك أمام تراكم لافت للمخالفات، يستخلص منه المراقب الدرجة العالية التي وصل إليها تطويع المنظومة القانونية خدمةً لهذا المأرب أو ذاك.   

الأبعاد الإنقلابية للقرار

إن خطورة مثل هذه الخطوة لا تستند فقط الى كونها لا تستقيم قانوناً بما أنها مستندة الىمادة ملغية ومادة تقوم موقع الأحكام الانتقالية، بل أيضاً بالاستناد الى السياق العام الذي يجب ربطها به.  ومن أبرز الأبعاد الإنقلابية لهذا القرار في حال صدوره، الآتية:

-       أنه يعكس قراءة عبثية للقوانين مؤداها تطويعها لتحقيق أهواء هي في تعارض تام مع المصلحة العامة ومجمل المبادئ الدستورية التي انبنى عليها النظام اللبناني.

-       أنه يؤدي إلى ضرب أحد أهم المكاسب الوطنية، وهو مبدأ تعيين القضاة المتدرجين من بين الفائزين بمباراة تظهر استحقاقهم لتولي هذه الوظيفة. ولا يكون غير ذلك الا بالنسبة الى الذين اثبتوا استحقاقهم من خلال حصولهم على شهادة دكتوراه. وما تزال المباراة حتى الساعة، ورغم تحفظات عدة عليها،  احدى أهم ضمانات استقلالية القضاء وكفاءته. وكانت المفكرة القانونية حذّرت سابقاً من المنحى التصاعدي لضرب هذا المعيار والالتفاف عليه من خلال وضع علامة للمرشحين توازي ثلث العلامة الإجمالية، في الامتحان الشفهي، أي في الامتحان الذي يمثلون فيه وهم مكشوفي الوجه[2]. ومن شأن قرار كهذا أن يشكل سابقة خطيرة لتعيين راسبين على هذا الأساس أو ذاك، لا بل لتعيين أشخاص من الحائزين على إجازة حقوق كقضاة متدرجين من دون مشاركتهم بأي مباراة. فما الذي يمنع في حال صدور القرار مجمل الراسبين في المباريات السابقة بنقطة واحدة من المطالبة بتعيينهم طلابا مستمعين يتحولون في اليوم التالي الى قضاة متدرجين؟ بل ما الذي يمنع اياً كان من الحائزين على إجازة حقوق من السعي الى ذلك؟ ومن شأن هذه الأمور أن تؤدي طبعا الى نسف مبدأ المساواة في تولي المناصب القضائية وتعزيز المحسوبية والزبائنية. وما يعزز من المخاوف في هذا المجال هو أن تعيين الراسبين على هذا الوجه يسبق إصدار مرسوم بتعيين الناجحين في المباراة كقضاة متدرّجين بل ربما يشكل شرطا مسبقا لذلك كما سبق بيانه.    

-       أنه يشكل وجهاً جديداً للتغوّل في شؤون القضاء والإنتقاص من ضمانات استقلاليته. فبعدما بات التدخل السياسي في المناقلات القضائية أمراً مفضوحاً لا يخفيه أحد، وبعدما بات تدخّل أصحاب النفوذ على اختلافهم في أعمال القضاة أمراً عادياً (نقصد وحشياً)، ها هي براثن    هؤلاء تمتدّ لتشمل عملية التعيينات في القضاء بشكل أو بآخر. وكان سبق وسجلنا بقلق كبير إقتراح القانون الرامي الى تعديل شروط تعيين محامين وموظفين عامين كقضاة أصيلين بدرجات عالية[3]. واذ وصفت المفكرة القانونية اقتراح القانون ذاك على أنه يؤدي الى انشاء "خط عسكري" يسمح للفائزين بتولي مناصب قضائية رفيعة في فترة قصيرة، فإن من شأن القبول بالقرار موضوع هذا المقال أن يؤدي الى نتائج أكثر خطورة وعبثية. فبفعله، يصبح بإمكان وزير العدل أن يعين من يشاء قاضيا متدرجا، حتى من دون مباراة ومن دون أن يكون لمجلس القضاء الأعلى أي دور في هذا الخصوص. ومن أول نتائج هذا التغول  تسهيل استتباع القضاة الذين يتم تعيينهم على هذا النحو من قبل وزير العدل. وما يزيد الأمر خطورة هو أن ثلاثة من بين هؤلاء هم أصلا أبناء قضاة، مما يشكل عاملاً إضافياً  لارتهان آبائهم أيضا تبعا لهذه الخدمة الجليلة التي تم اسداؤها لهم.    

-       أنه يشكل عاملاً إضافياً لإحباط القضاة العاملين وخصوصا الشباب منهم، بحيث يفقدون تدريجيا وبفعل تراكم التدخلات في شؤون القضاء وعوامل كهذه، أي شعور بالفخر لتوليهم مناصب قضائية.   

وكخلاصة، بإمكاننا القول أن ما يخطط له اليوم في كوايس وزارة العدل هو بمثابة انقلاب حقيقي ضحيته الأولى هو ما تبقى من استقلالية القضاء. فلنعد العدة لمواجهته.    



[1] عن هذه النقطة أنظر مثلاً:
   Répertoire de droit civil, V. Lois et décrets, spéc. no 331, Méthodes d’interprétation : « Pour interpréter la loi, la Science du droit s’est efforcée de proposer des méthodes d’interprétation qui procèdent toutes, peu ou prou, de la conviction que la loi est cohérente dans ses dispositions, car elle procède d’un acte de volonté raisonnable ».
[2]راجع "مجلس القضاء الأعلى يعدل شروط مباراة الدخول الى معهد الدروس القضائية: تراجع في ضمانات المباراة المحايدة"، المفكرة القانونية، العدد الواحد و العشرين (تشرين الأول/أوكتوبر 2014).
[3]اقتراح القانون المقدم من النائب سمير الجسر والذي أقرته لجنة الادارة والعدل في 18/3/2015. وتعليق المفكرة القانونية عليه: "خطّ عسكريّ لولوج القضاء، مع حبّة مسك ورشوة"، المفكرة القانونية، العدد 28، (أيار 2014).