منذ قرون خلت، اشتهرت بلدة أنفا في شمالي لبنان بإنتاج الملح، وهي الحرفة التي عمل فيها أهلها جيلاً بعد جيل. إلا أنه بعد انتهاء حرب لبنان (1975-1990)، أصبحت هذه الملاحات مهدّدة بالزوال. وكادت أحواض الملح في تلك المنطقة تفقد قيمتها، مع تكاثر المخاطر التي تهدد هذه الحرفة. فمساحات كبيرة من الشواطئ الصخرية حيث الأحواض تحولت إلى مصانع ومنتجعات سياحية، بعد تأجيرها لشركات "التطوير العقاري".ومن جهة ثانية، أصبح الملح المستورد الكابوس الأكبر لأصحاب الملاحات في هذه البلدة، خصوصاً بعدما ألغت السلطات اللبنانية الضريبة على الملح المستورد من مصر، فأصبح سعره أقل من سعر المنتج المحلي. والجدير بالذكر أن سياسة ضرب الملح اللبناني لم تكن من اختصاص الحكومات اللبنانية فقط، إلا أنها جاءت مع سلطات الاحتلال العثماني والفرنسي التي منعت منح الرُّخص لأصحاب الملاحات؛ وقد ازدهرت هذه الحرفة بعد الاستقلال، حتى تم القضاء عليها مجدداً بغطاء سياسي وقانوني.

إن قضية ملاحات أنفا تنقسم إلى اثنتين: الأولى هي قضية رأس الملاليح (جنوبي أنفا)، حيث سيطرت مصانع الترابة على مواقع الملاحات التي كانت مبنية على أملاك عامة، منذ تصنيفها منطقة صناعية في العام 1972، وأدت إلى تلوث الملح وتراجع قيمته. أما الثانية فهي قضية ملاحات رأس الناطور (شمالي أنفا) التي كانت مبنية على أوقاف تابعة لدير الروم الأرثوذوكس، حيث تم تصنيفها كمنطقة سياحية في العام 1972 أيضاًلإنشاء مشاريع سياحية على مواقع الملاحات. وقد زادت حالة ملاحات دير الناطور سوءاً بعد انتهاء الحرب في 1990، خصوصاً بعدما ضغط أصحاب الأعمال على مشغليها لإخلائها، بدعم من الطبقة السياسية الحاكمة حينها، وبالتفاهم مع الدير.

وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الأراضي لم تكن مملوكة تاريخياً من الدير، بل كان لها مالكوها من أصحاب الملاحات، وقد وهبوا أراضيهم للدير خلال الاحتلال العثماني، كي يتهربوا من دفع الضرائب. فأصبحت تابعة للأوقاف، وقاموا باستئجارها في ما بعد لتسيير عمل الملاحات. وفي كلا الحالتين، خسرت أنفا ملاحاتها بسبب أطماع مدعومة من أصحاب الرساميل، خصوصاً بعدما ساء الوضع. وحالياً، بحسب ما أكدت مصادر بلدة أنفا، هناك ثلاث ملاحات ما زالت تعمل في واجهة الدير البحرية، و12 حرفياً ما زالوا يعملون في مهنة استخراج الملح، فيما ترك 11 سواهم المهنة مؤخراً.

يوضح مصدر مطلع على قضية ملاحات أنفا، طلب عدم الكشف عن هويته، في لقاء مع "المفكرة القانونية"، أنه بدأ بتجميع المعلومات من أصحابها بشأن إيقاف الإنتاج في السنوات الماضية. ويقول المصدر: "لم أقدر على غض النظر عن هذه القضية وأردت مساعدة هؤلاء الأشخاص المهمشين والمظلومين"، مضيفاً "رفضت الحديث مع الصحافة حتى لا أحرق القضية". ويذكر بأنه بدأ الحديث إعلامياً عن إقامة مشروع سياحي في أراضي الملاحات، خلال السنوات الخمس الأخيرة من القرن الماضي. وإذ بدأت الاعتراضات تظهر بشكل علني ومكثف في وسائل الإعلام، عمل أصحاب النفوذ بشكل مستتر ونجحوا في تحقيق غاياتهم عن طريق إصدار مرسوم جمهوري يلغي الطريق البحرية ويغيّر مسار السكة الحديدية المجاورة للملاحات ويدمج بعض الأراضي.

وفي سياق متصل، يقول المصدر إن "مشروع ضرب الملاحات بدأ في العام 1992 عندما بدأت محاولات شراء الساحل الشمالي للبنان، من جبيل حتى طرابلس وما بعدها. ويشير إلى أنه "عندما وصلت محاولات الشراء إلى أصحاب الملاحات، رفضوا البيع أولاً، فتعرضوا لضغوطات قاسية أجبرتهم على الرضوخ لسلطة المال في ما بعد". ويؤكد أن بعض أصحاب الملاحات يخافون من البوح عن الطرق التي تم فيها إجبارهم على البيع، موضحاً أنه كان هناك محاولات عدة لإقناع الناس بعدم مقدرتهم على الإنتاج بسبب سعر الملح المصري، وبأن الملح اللبناني لم يعد مربحاً، فيدفعون لهم بدل خلو للأراضي المستأجرة من أوقاف الدير. ويضيف أن طرقا أخرى من الضغط على أصحاب الملاحات كانت تُعتمد، منها عرقلة منحهم رخصة لإجراء الترميم السنوي لملاحاتهم، ما يعيق عملية إنتاج الملح بالكامل. فترميم الملاحات كان يحصل بإذن من القائم مقام، وأصبح بعد الحرب الأهلية بإذن من وزارة الأشغال العامة، التي ترفض منح الرُخص بحجة عدم اطلاعها على الملف منذبدايته وعدم توفر جداول بشأن الملاحات.وهكذا، أُجبروا مع الوقت على الخضوع وإخلاء ملاحاتهم مقابل بدل مادي.

والجدير بالذكر أن أول قرار لتنظيم الملاحات واستخراج الملح صدر عن وزارة المالية في الحكومة اللبنانية بعد الاستقلال، في العام 1952، حيث كان على كل من يريد أن يستثمر ملاحة على الشاطئ البحري أن يُقدّم تصريحاً يذكر فيه اسمه واسم الموقع والأمتار المُستثمرة فيه. كما كان على المُستثمر أن يدفع ضريبة موجبة على الأمتار المربعة المنتجة للملح في شهر آب من كل عام من أجل حصوله على رخصة الاستثمار. وتؤكد مصادر متطابقة لـ"المفكرة" أن هذه الحال بقيت حتى العام 1993، حين ألغت وزارة المالية هذه الرُّخص بحجة أن "الملاحات تعطّل الشاطئ بعمل سخيف".

ويذكر المصدر بأنه قبل الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، كان يتم إنتاج حوالي 55 ألف طن من الملح؛ أي ما يكفي لبنان كله، والكمية التي تزيد كانت تُصدّر إلى سوريا. وقد أدى ذلك إلى ازدهار أنفا عمرانياً واقتصادياً في منتصف القرن الماضي. إلا أنه عندما رفض أصحاب الملاحات إخلاء أراضيهملصالح الشركات العقارية بادئ الأمر في العام 1992، تم استيراد الملح المصري بثلث السعر الذي كان يتم فيه إنتاج الملح اللبناني. وقد أدى ذلك إلى ضرب الإنتاج، علماً أنه قبل ذلك كان هناك 200 في المئة ضريبة على الملح المستورد لحماية الإنتاج اللبناني. هنا، يشير المصدر إلى أن حجة الحكومة اللبنانية حينها كانت أنها أُجبرت على استيراد الملح من مصر بعدما وقعت معها على اتفاقية للتبادل التجاري في العام 1992، ضمن "إتفاقية التيسير العربية" للتبادل التجاري التي وُقّعت في العام 1981 وانضم إليها لبنان بعد انتهاء الحرب مباشرةً. ويرى المصدر أن هذه التصرفات تعود إلى سياسة متبعة من قِبل السلطة السياسية الحاكمة، تريد من خلالها قتل الإنتاج الوطني. وقد أوضح المصدر أن هذا ما يمكن أن نراه أيضاً في أمور أخرى كضرب سوق القماش على سبيل المثال، حيث زادت الضريبة على محلات الأقمشة وانخفضت تلك التي كانت على محلات الثياب الجاهزة، بسبب مصالح بعض السياسيين ومحاصصاتهم؛ وهو منطق سيطر على القطاعات اللبنانية كافة بعد حرب 1975-1990.

من جهة أخرى، يرى المهندس المُكلّف من قِبل دير منطقة رأس الناطور جورج ساسين، في حديث مع "المفكرة" خلال زيارة قمنا بها لملاحات أنفا، أن "نصف أنفا بُنيت من مردود إنتاج الملح". إلا أنه في الوقت ذاته، يعتبر أن "الإنتاج المحلّي لم يكن يكفي الحاجة اللبنانية المحلية للملح، فكان هناك توازنٌ بين الاستيراد والإنتاج لحماية الإنتاج". ويشير إلى أنّ هذا الوضع بقي على ما هو عليه، حتى انضمام لبنان إلى "إتفاقية التيسير العربية"، التي أدت إلى استيراد الملح المصري، من دون ضرائب، بسعر أرخص من كلفة الإنتاج المحلي. ويلفت ساسين الانتباه إلى أنه في العام 1972، صدر قانون تصنيف الشواطئ الشمالية الذي صنّف الأملاك البحرية على أنها مناطق سياحية، "ما دفع بعض أصحاب الملاحات إلى إخلاء أراضيهم برغبتهم الشخصية، لأن إنتاج الملح لم يعد مربحاً". إلا أنه في الوقت ذاته، يرى أن "المشاريع السياحية في المنطقة ضربت الملاحات وإنتاجها ولقمة عيش أصحابها، معتبراً أن "الأمر الذي ضرب الملح اللبناني أكثر هو تواجد بعض الملاحات على أملاك عامّة بحريّة، وعدم رغبة الدولة في دعم إنتاج الملح".

في قضية رأس الملاليح، يوضح الناشط البيئي حافظ جريج، في مقابلة مع "المفكرة"، أنه تم إنشاء خزانات غير شرعية لتوزيع الغاز في موقع الملاحات، خلال حرب 1975-1990. وأشار إلى أن أصحاب الملاحات، بالتعاون مع نشطاء بيئيين، طالبوا بإلغاء هذه الخزانات بعد انتهاء الحرب، إلا أن مالكها كان مدعوماً بغطاء سياسي. ويلفت جريج الانتباه إلى أن المشكلة الأخطر في هذه المنطقة كانت في تصنيفها على أنها منطقة صناعية قبل الحرب، حيث صار الضرر الأكبر في قدوم "شركة الترابة الوطنية" واعتمادها رأس الملاليح كموقع لها، ما أدى إلى تلوث الملح. ويشير إلى أن مفاوضات حصلت بين منتجي الملح وأصحاب الشركة أدت إلى موافقة الشركة على دفع فرق سعر الملح الذي هبط بسبب تلوثه جراء الغبار المتصاعد من مصانع الترابة. إلا أنها أوقفت هذه التعويضات بعد الحرب ورفضت التفاوض. وهنا، يشدّد جريج على أن ترك أصحاب الملاحات لمصدر رزقهم لم يكن بإرادتهم ورغبتهم لأن الملح لم يعد مربحاً، بل بسبب يأسهم واستسلامهم من الوضع والطبقة الحاكمة التي بررت للفساد والتلوث بتصنيف المنطقة منطقة صناعية. وأضاف أن الشركة كانت تدفع مبلغاً شهرياً لبعض الأشخاص في المنطقة، للسكوت عن التلوث الذي تسببه.

وفي قضية دير الناطور، يوضح ساسين أنه عندما تم تصنيف أراضي رأس الناطور من قِبل التنظيم المدني كمنطقة سياحية وعادت هذه القضية إلى الواجهة فور انتهاء الحرب، "أدرك الدير أنه غير قادر على استثمار أراضيه مباشرة في مجال السياحة فقام بتأجيرها إلى شركة تضم مستثمرين لبنانيين بموجب عقد رسمي". وبناءً على ذلك، أعطت الشركة تعويضاً بدل إخلاء لأصحاب الملاحات الموجودة على أراضي الأوقاف. وقد اشترطت عليهم تدمير الملاحات قبل القبض، الأمر الذي تمّ فعليا وفق ما نشهده على ارض الواقع. ومن جهته، يشدد جريج على أن أصحاب ملاحات رأس الناطور (دير الناطور)، كأصحاب ملاحات رأس الملاليح، لم يتركوا عملهم بإرادتهم، بل حصل ذلك بعد أن أتت شركة استثمارية كبرى، مدعومة من قِبل أصحاب أعمال وساسة لبنانيين، لإستئجار الأرض بحجة إستثمارها "في مشاريع سريعة الربح". ويلفت الإنتباه إلى أنه تم إرسال السماسرة إلى أصحاب الملاحات من أجل إقناعهم بأن إنتاج الملح لم يعد مربحاً ولم يعد هناك جدوى من استئجار هذه الأراضي من الدير، وإعطائهم بدل خلو. ويرى جريج أن "هذه الشركة أغرت الدير وغررت به كما غررت بأصحاب الملاحات"، متسائلاً: "لماذا لا يكون الاستثمار مشروطاً في أراضي الأوقاف، لمنع استغلالها بمشاريع سياحية فاسدة؟" وأضاف أن الجواب على هذا السؤال، كان دائماً أن "للأديرة أراضٍ شاسعة يجب أن تستثمرها لمصلحة أبناء الطائفة". والجدير بالذكر هو أن الملاحات الموجودة خلف الدير لا تزال تعمل، إذ أوضح جريج أن الدير اشترط عدم ضم واجهته البحرية إلى المشاريع السياحية المزمع إنشاؤها.

وإمعانا في ضرب الملح، يشير المصدر الذي رغب عدم الكشف عن هويته إلى أنه في العام 2011، أصدرت السلطات اللبنانية القانون الرقم 178 الذي يلزم في أن يحتوي ملح الطعام في لبنان على مادتي اليود والفلور، بحجة أن الفلور يمنع تسوس الأسنان. وقد أكدت الدراسات الطبية الحديثة الأضرار التي تسببها هاتان المادتان على الصحة، ومنها ترقق العظام (صحيفة "السفير"، 14-05-2013) ويتساءل: "لماذا أصدرت الدولة اللبنانية هذا القانون في حين أن باقي دول العالم أقرت ضرورة خلو الملح من هذه المواد بسبب أضرارها؟" وقد رأى أن هذه السياسة انما رمت هي أيضاً الى ضرب الملح اللبناني (ومعه ملاحات أنفه)، خصوصاً بعدما تبين أن معامل تكرير الملح في لبنان لا تملك آلات متطورة قادرة على إضافة هاتين المادتين إلى ملح الطعام بشكل مدروس ومنتظم، بحسب الكمية التي حددها القانون. والجدير بالذكر أنه في 22 أيار 2014 صدر المرسوم الرقم 11841 الذي يلزم أصحاب معامل الملح في لبنان بزيادة مادة الفلور بنسبة 250 ميلليغرام في الكيلوغرام الواحد، ومنع إدخال واستيراد مادة الملح ما لم تكن مفلورة، على أن يبدأ تطبيقه بعد سنة من تاريخه. إلا أن وزير الصحة وائل أبو فاعور قدّم طلباً رسمياً بتجميد العمل في هذا القانون، بعدما تبينت أضرار الفلور واليود. (صحيفة "الأخبار"، 22-11-2014)

ويلفت المصدر الانتباه إلى أنه عندما تحاول طرح الموضوع مع أحد المسؤولين أو الطبقة السياسية الحاكمة، يكون العذر الدائم هو أن "غالبية أهالي أنفا هاجروا ولم يعد هناك من يعمل في الملاحات، وأن استخراج الملح حرفة متعبة وغير مربحة. فقد مات الملح وهذه الأراضي أصبحت ميتة يجب أن ننعشها ونستثمرها". إلا أنه من جهة أخرى، بحسب المسح الذي قام به المصدر على الأرض، يؤكد بعض أصحاب الملاحات نيّتهم واستعدادهم على العودة إلى تسيير ملاحاتهم في أقرب فرصة ممكنة، واستقدام عمال وتعليمهم طريقة الإنتاج. بدوره، يشير جريج إلى أنه عندما حاول التواصل مع بعض المسؤولين لحل قضية الملاحات، خصوصاً في منطقة دير الناطور، قيل له: "لا دخل لك ولأي شخص من أنفا في هذا الموضوع، لأن هذا المشروع يؤمن لنا الربح السريع، ونريد أن ننشئه للخليجيين".

على الرغم من أن لملاحات أنفا، بحسب ما أكد جميع من التقيناهم في البلدة، الدور الأكبر في ازدهارها عمرانياً واقتصادياً وفي تعليم أبنائها، إلا أن الطبقة السياسية الحاكمة المتحالفة مع أصحاب الرساميل قررت ضرب الملح من أجل تأمين مصالحها الخاصة ومحاصصاتها. ويعتبر جريج أنها "السياسة الفاسدة تسرق (اللقمة) من أفواه الناس في الرملة البيضاء ودالية الروشة في بيروت، وكذلك في أنفا، لافتراس الشاطئ بمشاريع تخريبية تضرب النظام البيئي والموارد الطبيعية والحياة الاجتماعية".