في أوائل شهر أيار 2015، وردت الى المفكرة القانونية معلومةٌ مفادها أنّ كتّاب العدل يطلبون من مستخدمي العمال الأجانب (الكفلاء) التوقيع على تعهّد بأنّه ليس لهؤلاء أيّ حياة زوجية أو حميمية مع شخص غير لبناني في لبنان وبأنهم يلتزمون بإعلام الأمن العام بأي زواج مستقبلي قد يقدم عليه العامل او العاملة لديهم ليصار الى ترحيله(ا). وعند تواصلها مع أحد كتاب العدل، اتّضح للمفكرة أنّ هذه الممارسة المستجدة تستند الى التعميم رقم 1778 الصادر بتاريخ 1-10-2014 عن وزارة العدل بناء على طلب من المديرية العامة للأمن العام. وقد تبيّن أن التعميم يتصل بالتعهدات التي يتعين على أصحاب العمل تنظيمها للاستحصال على إقامات للعمّال الأجانب من ذوي المداخيل المتواضعة أو لنقل هؤلاء على أسمائهم. وهي تنطبق بشكل خاص على الفئتين الثالثة (العمال الذكور من ذوي الأجور المتدنية) والرابعة (عاملات المنازل)[1]. وللتأكد من مدى تطبيق هذا التعميم، عمدت المفكرة الى الاتصال بأكثر من 35 كاتب عدل في مناطق مختلفة. وقد تبيّن أنه باستثناء ثلاثة منهم، فإن الجميع يلتزم به، بعضهم إقتناعاً بقانونيته وغالبيتهم لأنّهم يعتبرونه ملزماً بمعزل عن رأيهم فيه. فنصّ التعهّد المطلوب توقيعه من أصحاب العمل ملزمٌ لإتمام معاملات الإقامة وتجديدها. ومن شأن عدم التقيد به أن يؤدي الى الإضرار بمصالح هؤلاء وتعقيد الأمور بالنسبة اليهم[2]. وقد شكّل بالنسبة للمفكرة إنصياع وزارة العدل ومن بعدها كتاب العدل لمطلب الأمن العام من دون أي تحفّظ عاملاً مقلقاً جداً. فالقانون يحظّر على هؤلاء المصادقة على التعهدات المخالفة للنظام العام، ومن الجلّي أن التعهدات المذكورة هي كذلك. أما وأنهم طبقوها واستمرّوا في تطبيقها طوال أشهر، فذلك يقارب رسماً كاريكاتورياً عن كيفية تحوّل القانون ومعه أصحاب المهن القانونية الى أداة للأجهزة الأمنية بدلا من أن يكون ضابطا لأعمالهم.
ولكن، ما هي مفاعيل تعميم مماثل، على صعيد العلاقات بين أصحاب العمل والعمّال المنتمين الى هاتين الفئتين؟ هنا، تقتضي الإشارة بدايةً الى أننا نكتفي بعرض المفاعيل التي قد تنتج نظريا عن هذا التعميم، بحيث لم يتسنّ للمفكرة درس آثاره الفعليّة على علاقات العمل هذه. وكان بعض كتّاب العدل أوضح أن عدداً من أصحاب العمل عبّروا عن توجّس كبير إزاء إمكانية قيامهم بالدور المناط بهم، والذي يتمثل بمراقبة خصوصية العاملين لديهم.
وبالطبع، أوّل ما يتبادر الى الذهن هو أن هذا التعميم يحدّ من الحرية الشخصية للعاملين والعاملات. فللحصول على إقامة أو للإنتقال من "كفيل" الى آخر، يتعين أن يكون هؤلاء غير مرتبطين برابط زواج أو أي رابط عاطفي. ويضاف الى ذلك أن من شأن قيام أي رابط فيما بعد أن يلغي حظوظ إقامتهم في لبنان ويؤدي الى ترحيلهم فوراً. وعليه، بدا الأمن العام وكأنّه يعمل على منع هؤلاء من إقامة أي علاقات إنجابية، في إطار الحدّ من أعداد الأجانب المقيمين في لبنان، مع ما يستتبع ذلك لجهة تجريدهم من حقوق أساسية. فعدا عن أنه ليس لعمال الفئتين الثالثة والرابعة أن يستقدموا عائلاتهم الى لبنان أو أن يستحصلوا على إقامات لأبنائهم المولودين في لبنان وفق تعميم[3] آخر صدر في 2014، فإنه لم يعد ممكنا لهؤلاء أن ينشؤوا روابط حميمية في هذا البلد، مهما طالت مدة اقاماتهم فيه. وقد ركزت غالبية وسائل الاعلام على هذا الجانب، مشيرة الى حرمان هؤلاء من الحبّ[4]، الأمر الذي حمل بعضها الى وصف التعميم على أنه "تعميم منع الحب"[5].
المفكرة هي ذهبت أبعد من ذلك. فأن يُعطى صاحب العمل (الكفيل) حق مراقبة الخصوصية انّما يعني عمليا إعطاءه إمتيازاً جديداً. فلا يكون هو مدير العمل ولا تكون صحة إقامة العامل في لبنان مرتبطة بإستمرار عقد العمل معه (نظام الكفالة) وحسب، انما يتحكّم بخصوصيات هؤلاء في نظام أمكن وصفه بنظامBig Brother. والأخطر من ذلك أن من شأن التعميم أن يولّد لدى أصحاب العمل ميلاً واضحاً الى استخدام سلطة رقابته لمنع العامل(ة) من إقامة علاقات خاصة، وخصوصاً في الحالات التي يقومون فيها ببذل مبالغ مالية كبيرة لاستقدامه(ا). ومن المنتظر أن يدفع ذلك كثيرين منهم الى إعادة النظر في منح عطل أسبوعية لعاملات المنازل أو حتى في السماح لهن بالخروج منها، على نحو يهدّد التطور الاجتماعي المحدود أصلاً والحاصل في هذا المجال. اذ ذاك، ينحصر وجود هؤلاء في لبنان بعلاقتهم مع صاحب العمل (الكفيل) من دون أيّ زيادة، ممّا يسهل الإستغلال والعمل القسريّ. وهذا ما حدا بالمفكرة الى اقتراح تسمية التعميم بتعميم الاستعباد.
بقي أن نُشير في هذا المجال أنّ الإمتياز الجديد المُعطى لصاحب العمل (الكفيل) ليس من دون مقابل. فهو يقترن، كما هي الحال بشأن مجمل الامتيازات المرتبطة بالكفالة، بتكليف صاحب العمل بمهامّ معينة تعزّز قدرات الأمن العام في مراقبة الأجانب في لبنان. فيُناط به مهمة مراقبة خصوصيّات هؤلاء وضبطها وإعلام الأمن العامّ بأي جديد بشأنها. ومن هذه الزاوية، يُظهر الإمتياز المُعطى لصاحب العمل هنا أيضاً وجهاً آخر لكيفية تمكين الأمن العام من مراقبة أوضاع الأجانب في لبنان، وهي مهمة شبه مستحيلة من دون مؤازرة هؤلاء.
وإنطلاقا من ذلك، وبعد إعلام الرأي العام بهذا التعميم الهجين بواسطة الوسائل الاعلامية للمفكرة، توجب اتخاذ اجراءات عملية لحمل المراجع المعنية على الرجوع عن القرار. فبادرت المفكرة اذ ذاك الى التواصل مع عدد من المنظمات الحقوقية والنقابية للتحرك سوية في هذا الاتجاه. وقد سعت هذه الهيئات الى اشراك النقابة المؤسسة حديثا لعاملات المنازل إعترافا بدورها النقابي، رغم رفض وزارة العمل الاعتراف بها[6]. وفي 13-5-2015، تمّ تقديم كتاب باسم سبع هيئات مدنية، من بينها النقابة المذكورة، الى وزارة العدل للمطالبة بإلغاء التعميم[7]. وقد استند الكتاب الى حجج عدة أبرزها أن التعميم يتعارض مع إلتزام لبنان بحظر الاسترقاق والاستعباد ومع حظر التدخل التعسفي في الحياة الخاصة والحق في الزواج وتأسيس أسرة ومع المعاهدة الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ومع مبادئ قانون العمل وواجب الدولة بتعزيز الاحترام الشامل والفعلي لحقوق الإنسان وحرياته. كما وجّهت الهيئات المدنية كتاباً الى مجلس كتاب العدل (وهو مجلس مستحدث بموجب قانون صدر في نيسان 2014) طلبت فيه إعلان المجلس وقف العمل بالتعميم لمخالفته النظام العام ودفاعا عن سمعة مهنة كتّاب العدل.
ووسط تأييد إعلامي لافت[8]، جاءت ردود الأفعال الرسمية متفاوتة من حيث طبيعتها ودرجتها. فقد سعى الأمن العام بداية الى الدفاع عن التعميم في بيان وردّ وجهه إلى المفكرة القانونية. ومن خلال هذا الردّ، تمكّن المواطنون من إدراك دوافع الأمن العام للمطالبة بتعميم مماثل والتي تؤكد صحة الادلاءات الواردة في كتاب الهيئات. فوفق الأمن العام، التعميم هو مجرد "إجراء إحترازي لا يهدف الى منع الزواج أو التدخّل في الأمور الشخصية بل إلى الحفاظ على ديمومة العائلة كمؤسسة لها دورها في المجتمع والى احترام متطلبات الإقامة" و"أن نظام الكفالة المعمول به قد لا يسمح بتكوين عائلة تعيش تحت سقف واحد" وأن الأمن العام يقوم "بدراسة كل حالة على حدة لجهة عدم تأثير الروابط العائلية وعلاقة الزواج على نظام العمل المعمول به وعلى نظام الإقامة المحدد بالقانون الذي يرعى عمل الأمن العام"[9]. وقد ردّت المفكرة على ردّ الأمن العام واصفةً إياه بالإقرار الثمين بأن نظام الكفالة الذي تفنّن هو في وضعه وترسيخه يتعارض مع حقوق العاملات والعمل الأساسية وأنه يؤدي عمليا الى إستعبادهم. كما أبدت إستغراباً شديداً إزاء إعلان جهاز أمني نفسه مختصاً في رعاية الأسرة وضمان ديمومتها.
وعلى نقيض هذا البيان، أرسلت وزارة العدل الى وزارة الداخلية نسخة عن الطلب المقدم اليها من المنظمات المدنية طالبة منها إبداء الرأي على ضوء حقوق الإنسان. وفي الاتجاه نفسه، ذهب مجلس كتاب العدل بعد زهاء شهر من تلقّيه الطلب. فأعلن عمليا إنضمامه الى طلب الإلغاء بموجب كتابين موجهين الى وزارتي العدل والداخلية. وقد جاء فيهما حرفيا:"نرفض أن يدوّن في سجلّاتنا وفي سجلّ تاريخ لبنان، مثل هذه الارتكابات، التي نعتبرها وصمةً بحقّ لبنان، الذي ساهم مساهمة فعّالة في وضع شرعة حقوق الانسان"[10].كما أعلنت رئيسة المجلس ريموند بشور صقر للمفكرة القانونية أنها بادرت الى التواصل مع الأمن العام لإقناعه بعدم قانونية التعميم وبوجوب الرجوع عنه[11].
وبنتيجة هذه التفاعلات، وبعد تلقيها كتابا من وزارة الداخلية أن لا مانع لديها من إلغاء التعميم، وجهت وزارة العدل تعميماً جديداً بإلغاء تعميم منع الحب أو تعميم الإستعباد رسميا في 3-7-2015، راسمة بذلك نهاية سعيدة للقضية.
وبذلك، حققت الهيئات المدنية مكاسب أربعة:
أولاً، مكسباً مباشراً قوامه الرجوع عن هذا التعميم بما له من تأثيرات وخيمة على صعيد حقوق العمال الأجانب في لبنان، على نحو يفتح الطريق أمام مزيد من المكاسب في هذا المجال، ولا سيما في مجال الإعتراف بحرياتهم الشخصية،
ثانياً، استنهاض أصحاب مهنة قانونية للدفاع عن حقوق الإنسان. فبفعل هذا التحرك، شهدت البيئة المهنية لكتاب العدل تعديلاً هاماً. فتحولوا من أفراد ينفّذون تعميماً مخالفاً بداهةً للنظام العام الى أفراد يجتمعون في هيئة تشارك بشكل فعّال في التحرك في اتجاه إلغائه. ولهذا المكسب أهمية خاصة في ظل حداثة عهد مجلس كتاب العدل الذي أنشئ منذ قرابة سنة، الأمر الذي يسبغه منذ نشأته بطابع حقوقي يتعدى الدفاع عن المصالح الفئوية لكتاب العدل. وهذا ما نقرؤه بشكل واضح في كتابيه الموجهين لوزارتي الداخلية والعدل،
ثالثا، ضبط عمل الأجهزة الأمنية في المجال الحقوقي وإخضاعه للمبادئ والإعتبارات الحقوقية. وهذه خطوة هائلة بحد ذاتها على ضوء تضخّم التعاميم والتعليمات الصادرة عن الأجهزة الأمنية،
رابعا، تعزيز مشروعية نقابة عاملات المنازل التي سجلت مع هذا الانتصار نقطة هامة في رصيدها في الدفاع عن حقوق أعضائها.

 للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا


[1] سارة ونسا، أتعهد أنه ليس لعاملتي أي علاقة زواج أو ارتباط من أي نوع في لبنان، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 28، أيار 2015. 
[2]ابراهيم شرارة ورانيا حمزة، المفكرة تسأل الكتّاب العدل: ما رأيكم بشأن تعميم الإستعباد؟، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 29، حزيران 2015.

[3]بيان لتسع هيئات مدنية صدر في 3-9-2014 تحت عنوان: إبعاد أطفال العمال الوافدين.

[4]ايفا الشوفي، وزارة العدل تتراجع عن تعميم منع الحب، الأخبار، 8-7-2015،
Orient Le Jour, 8-7-2015.Anne-Marie el Hajj, les employées de maison étrangères  désormais libres d’aimer L’
Ghinwa Obeid, Foeign worker marriage ban gets revoked, Daily Star, 9-7-2015.
[5] ايفا الشوفي، مذكور أعلاه. 

[6] يراجع تقرير هيومان رايتس واتش: Lebanon: Recognize Domestic Workers Union

وهو منشور في 10-3-2015.

 10-3-2015
[7] تعميم الاستعباد في رسم وزارة العدل: حقوقيون في رسم الأمن، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 29، حزيران 2015. وقد حررت الكتاب الحقوقية د. ميريام مهنا من فريق عمل المفكرة القانونية.
[8] يراجع الهوامش المذكورة أعلاه. ويشار الى أن بعض الصحف الفرنسية كتبت عن الموضوع،
Laure Stephan, Au Liban, les domestiques étrangères ont interdiction d’aimer, le monde, 10-6-2015.
[9]رد من الأمن العام، ورد المفكرة على الرد، الأمن العام يقرر من يحب ومن لا يحب صونا للأسرة؟ المفكرة القانونية-لبنان، العدد 29، حزيران 2015.  
[10] مجلس الكتاب العدل يرفض "تعيميم الاستعباد": لا لوصمة عار مماثلة في وثائق لبنان، الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية، 12-6-2015.   
[11] ابراهيم شرارة، ماذا يقول مجلس كتاب العدل بشأن الغاء تعميم الاستعباد في لبنان، 9-7-2015.