الحفاظ علىكيان الدولة التي أصابها الوهن بعد الثورة وتأمين استمراريتها وحماية مؤسساتها، حجج يستعملها بعض الخبراء والسياسيين والإعلاميين الموالين للسلطة القائمة اليوم، للرد على موجات الإضرابات المتصاعدة في تونس. وتستخدم هذه الحجج في قطاعات حساسة مثل التعليم والصحة والنقل وهي القطاعات التي تمثل العدد الأكبر من موظفي الدولة والقطاع العام. وهي تمثل أيضا العدد الأكبر من منخرطي الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابات الأقوى صلبه. وهي الأكثر فاعلية في تحديد القيادة أثناء مؤتمره الوطني نظرا لثقلها الانتخابي.
وكثيرا ما يقولون تلميحا وتصريحا أن هذه الإضرابات أضحت لتواترها  وطول مدة تنفيذها  تهدد الدّولة بالتداعي والسقوط. بل هناك من يصل إلى قمة الشيطنة والادانة حين يربط  بين هذه الإضرابات والخطر الإرهابي. وهذا ما شهدناه عندما  وقع اتهام المعلمين والأساتذة بإرباك "المؤسسة" الأمنية التي تخوض حربا شرسة ضد الإرهاب. وتكون الحجة جاهزة طبعا إذا ما تزامنت هذه الاضرابات مع العمليات الإرهابية المتلاحقة التي تعرفها البلاد وآخرها عملية سوسة الرهيبة.
كثير من المقالات  الصادرة  باليوميات أو الأسبوعيات أو المواقع الالكترونية  المتلهفة على  مواضيع الإثارة، تتناول القضية النقابية. وهي  تندد  في كثير من الحالات  بالإضرابات  القانونية أو الوحشية. فالصحافة في معظمها - ما عدا جريدة اليسار القومي والماركسي  لسان الجبهة الشعبية - تقف من منظمة العمال موقف  الريبة والاستهجان، منه الصريح، ومنه المتواري خلف مظاهر النصرة المشكوك في صدقها. وهي غالبا ما تسعى إلى جر النقابات إلى خدمة أغراض غير التي انوجدت من أجلها، باسم "وضعية الاقتصاد الوطني" و"هيبة الدولة " وشعارات التضامن الوطني لمزيد تمكين الأعراف من رقاب العمال.

كيف نفسر تزايد الاضرابات العمالية؟
 للحراك  الاجتماعي لجهة تزايد الاضرابات العمالية في تونس أسباب عديدة ومعقدة. ولكن يمكن تفسيرها بالظلم الذي تعرض له العمال، طوال حكم الرئيس المخلوع بن علي. وقد وجدت كثير من الفئات والقطاعات  في ضعف سلطة الدولة وضعف المركزية النقابية بعد الثورة فرصة لتحقيق بعض مطالبها. وقد أفضى هذا التوجّه إلى استخدام سلاح الإضراب كأداة للتعبير عن الاحتجاج (إضرابات قطاعية  للمطالبة بتحسين الأجور أو محلية وجهوية للمطالبة بالتنمية)، أو للضغط على السلطة، لإجبارها على الاستجابة لمطالب فئوية أو عامة.  ويمكن بشكل مختزل بعض الشيء أن نلخص هذه الأسباب في العوامل التالية:
 
ا) المطالب النقابية
 
* يتهم النقابيون المضربون عادة الدولة بالتنكر لاتفاقيات سابقة. فلا  يجوز لها في نظرهم التنكر لتعهداتها بقطع النظر عن الظرف الذي تمر به البلاد  لأنه محمول عليها في كل الحالات أن تتصرف كدولة وأن تصون التزاماتها. ويتمسك هؤلاء بهذا الاعتبار رغم أن الجميع يعلم جيدا أن الحكومات السابقة ورطت الحكومات اللاحقة لأسباب سياسية في اتفاقيات مجزية كانت تعلم علم اليقين عدم قدرتها على تنفيذها وهي قمة اللامسؤولية التي يتصرف بها عدد من المسؤولين.
فتصرف الدولة باعتبارها مشغلا من جهة وحكما بين كل الأطراف من جهة أخرى كثيراً ما يتسم بالازدواجية. فالحكومة التونسية تمضي عموما على الاتفاقيات الخاصة خارج إطار المفاوضات  العامة سواء في القطاعين العام او الخاص وليس بوسعها  تجاهلها مطلقا. ولكنها ومن أجل الحد من فاعلية هذه الاتفاقيات، تحاول الالتفاف عليها من خلال التطبيق.
 
*المطالبة بالزيادة في الأجور على مستوى المنح الخصوصية وخارج إطار المفاوضات العامة  للتقليل من تدهور المقدرة الشرائية وتفقر قطاعات كبرى من الطبقة الوسطى.  
فقد اشار "مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية" في تونس، في أحدث دراسة لهنشرت في أواخر سنة 2014أن الفقراء الجدد يمثلون نحو 30 في المائة من إجمالي عدد الفقراء في البلاد، الذين يقدّرون بنحو مليونين من أصل عشرة ملايين (مجمل عدد سكان البلاد). وتعرّف الدراسة الفقراء الجدد بـ"صغار الموظفين في الإدارات الرسمية والمعلمين في المدارس الابتدائية، والعمال والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري 700 دينار في الشهر (نحو 450 دولاراً)".
و لعل هذين المطلبين  يلخّصان  الأسباب  التي دفعت الأساتذة والمعلمين وأعوان الصحة مثلا إلى هذا  الاحتجاج الأقصى وهو الإضراب الإداري المتمثل في مواصلة العمل ولكن  الامتناع عن أي عمل إداري مثل  إجراء الامتحانات بالنسبة للمدرسين أوتعطيل العمليات المالية عند استقبال المرضى عند أعوان الصحة. لقد استخدم  العمال والموظفون في تونس هذا النوع من الإضراب الغريب والنادر  لإسماع صوتهم للحكومة والمجتمع، خصوصا وإن الإضراب يتم اللجوء إليه إثر تعثر التفاوض وفشل الإضرابات السابقة كوسيلة ضغط لم تجد نفعا. ولكن ورغم ذلك وبعيدا عن المنطق القانوني أو النقابي، فان الإضرابات  تبدو للكثيرين ضربا من الابتزاز لحكومة ضعيفة قد تضطر إلى الخضوع إلى مطالبهم, كما قد يرى البعض أن الأساتذة يتخذون من التلاميذ رهائن في صراعهم مع سلطة الإشراف كما يخرب أعوان الصحة ميزانية الدولة من خلال حرمانها من مصاريف العلاحات في المستشفيات العامة.
 
 
ب) تفشي ظاهرة البطالة والتهميش
 
لقد ظهرت في تونس  قبل الثورة أشكال جديدة من عقود الشغل التي تستجيب لحاجة المؤسسات والدولة  في التحكم في قوة العمل وذلك عبر اللجوء إلى عقود الشغل قصيرة المدة. ولم يقتصر الأمر على القطاع الخاص بل إن الدولة نفسها صارت هي الأخرى تعمل بهذا النوع من العقود.  وبطبيعة  الحال، يخضع الإنتداب الرسمي لهؤلاء المتعاقدين  سواء  في الوظيف العمومي خارج إطار التناظر  أو المؤسسات الخاصة عموما  إلى المماطلة والابتزاز وحتى إلى إظهار الموالاة للسلطة أو للعرف. كما انتشر أيضا اللجوء إلى اليد العاملة الخارجية بواسطة مؤسسات اليد العاملة ومؤسسات العمل الوقتي والهش (شركات المناولة).لقد تسببت هذه الأشكال من العمل  في زعزعة مراكز الشغل وفي تفشي ظاهرة البطالة وحتى في تقليص المصالح الاجتماعية للطبقة الشغيلة. كما ساهمت في تخلي نسبة كبيرة من العمال عن الانتماء إلى النقابات بفعل تقديم المصالح الخاصة على النضال العام. أضف إلى ذلك  الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي  المضطرب  الذي عرفته البلاد بعد الثورة والذي أدى إلى تقلص الاستثمار الداخلي وفرار كثير من المستثمرين الأجانب بفعل الاحتجاجات والاعتصامات الكثيرة التي عرفتها هذه المؤسسات. ناهيك أن تونس أضاعت أخيرا صفقة من النوع الثقيل إذ اختارت شركة بيجو أن تستوطن بالمغرب عوض تونس وهي التي  كانت تعد بتشغيل 50 الف عامل بشكل مباشر أو غير مباشر. ولقد أدى هذا الوضع بحسب الدراسة سالفة الذكر إلى ازدياد  نسبة الفقر خلال السنوات الأربع الماضية بنحو 30 في المائة والى ارتفاع نسب البطالة في بعض الجهات المحرومة الى 40 بالمائة. وهو ما يفسر الحراك الجهوي الذي يؤدي أحيانا الى مواجهات عنيفة مع رجال الأمن وإيقافات تزيد الوضع تأزما، تبعا لاختفاء بعض شرائح الطبقة الوسطى.                                                                           
 
 
ج) العمل النقابي يدار من الأسفل لا من الأعلى
 لقد تغيرت قواعد العمل النقابي في تونس بعد الثورة. كانت المركزية النقابية المتمثلة في المكتب التنفيذي والهيئة الادارية  تتحكم بشدة في أي حراك اجتماعي قبل الثورة وذلك بالتواطؤ مع السلطة القائمة  آيا كانت. عرفت البلاد خاصة في عهد بن علي نوعا من التوازن مبنيا على أساس صيغة من تبادل المصالح  أساسها  مقايضة  اتحاد الشغل  بأن تمكن السلطة  العمال من زيادات عامة تدور كل ثلاث سنوات بعد مفاوضات دورية تجري مع الاتحاد. كما تتكفل الدولة  بالاقتطاع من المصدر لفائدة المنظمة الشغيلة واحتكار التمثيل النقابي وإسداء خدمات مشبوهة أحيانا  للمسؤولين النقابيين  المتهمين عادة بالفساد. كل ذلك مقابل تكفل المنظمة بالسيطرة على حماس العمال وتقديم الولاء عبر هيئتها الإدارية  (المتحكم فيها من القيادة بواسطة تغذية نوازع الوصولية والطمع في المسؤولية لدى أغلب أعضائها)  لشخص الرئيس الحاكم. لقد تغير كل ذلك بعد الثورة وربما أثناءها إذ تعامل المكتب التنفيذي بكثير من الحرج والحذر مع أحداث الانتفاضة، في حين ساندتها بقوة النقابات العامة والاتحادات الجهوية والمحلية التي فتحت أبواب مقراتها للثوار. ثم انخرطت تباعا في إضرابات جهوية ختمت بإضراب الاتحاد الجهوي بتونس يوم 14 جانفي الذي انتهى بفرار بن علي وسقوط النطام. هذا التغير في شكل العمل وانتقاله من أعلى هرم السلطة النقابية إلى الأسفل أدى الى توسع دائرة الاضرابات. فقد دخلت النقابات الأساسية والاتحادات المحلية المهمشة قبل الثورة على الخط بالإضافة إلى النقابات العامة والاتحادات الجهوية. وأدى هذا الأمر إلى توسع دائرة الإضرابات. وربما يكون العامل الجديد والأخطر والذي لم تعرفه البلاد طوال تاريخها هو الإضرابات المحلية أو الجهوية العامة والتي تشل الحركة في كل القطاعات على مستوى المعتدية أو الولاية. وهو شكل لا يخضع إلى أية صورة من صور الضبط القانوني. وبطبيعة الحال يضطر الاتحاد أن يساند هذه الإضرابات وأن يسكت عنها لعدم قدرته على التحكم فيها بأي شكل من الأشكال   خاصة بعد مجيئ التعددية النقابية بعد الثورة والتي صارت  تمثل  كعب اشيل  والجرح الغائر في جسم المنظمة. ويتحدث عن هذا الأمر المسؤولون النقابيون  بألم في حلقاتهم المغلقة دون القدرة على التصريح بها علنا. ولا شك أن الأمر سيزداد استفحالا بعد حكم المحكمة الإدارية الصادر يوم 26 جوان2015  والقاضي بتمتيع الجامعة العامة للشغل غريم الاتحاد بنفس الحقوق التي يتمتع بها  ومنها أساسا الاقتطاع من المصدر من أجور الموظفين والعملة الذين يعلنون انخراطهم في هذه المنظمة النقابية أو تلك. ويستخلص في كل هذا أن قراءة المنطق الداخلي للتحركات النقابية، تكشف عن جملة دلالات مهمة، أبرزها انه  بجانب  الإضرابات القانونية والتي خضعت لمقررات القانون وأساسها الإعلام المسبق وموافقة المركزية، فإن جانباً كبيراً من الإضرابات تميزت بعشوائيتها وطول مدتها بل أحيانا بعدم واقعية مطالبها.  
 
 
هل تسهم هذه الإضرابات في تحسين أوضاع العمال؟
 
 
هل  تسهم هذه  الإضرابات  في رفع المعاناة عن العمال وموظفي الدولة الذين يمثلون الطبقة الوسطى وتؤدي إلى كفالة ضمان تمتعهم بكافة الحقوق كالحق في ظروف عمل لائقة كما الحق في العيش الكريم؟ولكن، ومن زاوية أخرى، هل يمكن التعاطي مع هذه المطلبيّة التي تبدو مجحفة في نظر البعض من منظور ميزانية الدولة ونضوب مواردها فقط ؟هل يمكن التعاطي معها بخطاب التخوين والشينطة وتأليب الرأي العام على القطاعات المضربة  في الإعلام وفي الجلسات التفاوضية؟ هل يمكن التعامل معها كما فعل البعض في إثر عملية سوسة الإرهابية بالدعوة إلى إعلان حالة الطوارئ وما تعنيه من تحجير لكل التحركات الاحتجاجية والإضرابات عن العمل والاعتصامات وإعلان حالة الحرب ضد الإرهاب؟يحلم بعض السياسيين اليوم وبعض الإعلاميين المعروفين بولائهم للسلطتين البائدة والقائمة بعودة الأساليب القديمة وبسياسة العصا الغليظة والتهديد بالاقتطاع من الأجور أو بالإعفاء من الوظيفة، و بمنطق التسخير. بل وصل الأمر أحيانا إلى المطالبة بإعلان الأحكام العرفية وتعطيل العمل بالدستور باعتبار إن البلاد في حالة حرب وتسري عليها قوانين الحروب. هي بلا شك دعوات غير مسؤولة رد عليها الأمين العام المساعد المكلف بالإعلام والمتحدث الرسمي باسم اتحاد الشغل سامي الطاهري بعد عملية سوسة الارهابية قائلا: "إن الإضرابات والتحركات الاجتماعية لم تساهم في تنامي ظاهرة الإرهاب وأن الذين ساهموا في تناميها هم الذين قالوا أن الإرهابيين يمارسون الرياضة." (يقصد الإسلاميين أيام حكم الترويكا). وقد تولّى الطاهري الردّ على لزهر العكرمي أحد قياديي حزب النداء الحاكم الذي دعا الى تهدئة اجتماعية حتى يتفرغ الأمن لمحاربة الإرهاب على إحدى القنوات التلفزية الخاصة. فصرّح أنه "لا يجب أن يقع استغلال ظاهرة الإرهاب لاستهداف الحق في الإضراب والاحتجاج الاجتماعي اللذين يضمنهما الدستور".
 
 
3) أخيراً كيف نواجه الأزمة؟
 
 بعيداً عن الدعوات التي مآلها الإحتراب الداخلي، ثمة إجماع اليوم في تونس على أنه من الضروري أن تتخذ الدولة إجراءات غير شعبية لمواجهة الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد ومنها تجميد الأجور ولو لفترة وجيزة ومراجعة سياسة التعويض والرفع في أسعار بعض المواد، والزيادة في نسبة الأداء على القيمة  المضافة. وفي مقابل ذلك، من الضروري أيضا تحسن مناخ العمل والكف عن المطالب المجحفة وإعادة جدولة بعض الاتفاقيات القطاعية التي قد تؤدي إلى مزيد إرهاق كاهل الدولة وتأجيل بعض المشاريع التنموية التي لم تعد تمثل أولوية. ولكن من الضروري أيضا أن يعيد الاتحاد قراءته للمشهد النقابي بأكثر حزم ومسؤولية والوقوف بصرامة أمام الإضرابات العشوائية وغير القانونية. وهو ما صرح به الأمين العام حسين العباسي في عديد المناسبات النقابية واضطرت إليه المنظمة في إضراب نقابيي سكة الحديد الذين قرر الاتحاد إحالة البعض منهم على لجنة النظام في إثر الإضراب الوحشي الذي نفذوه في ماي 2015. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل سيقبل العمال وصغار الموظفين بهذه التضحيات وهم الذين سيكونون كالعادة أول المتضررين من هذه الإجراءات ؟ إذ يؤكد هؤلاء عبر منظمتهم أن التضحية يجب أن تكون من الجميع وأن الطبقة الموسرة في تونس لا تريد  المشاركة  في تحمل أعباء الأزمة. وقد تصرفت هذه الطبقة على هذا النحو بشكل دائم من خلال التهرب الجبائي الذي كان ولا يزال معضلة الاقتصاد في تونس على مدى العقود الماضية. وعادة ما يلخص الاتحاد مطلب الإصلاح الجبائي بشعار "من يربح أكثر يضحي أكثر ومن يربح أقل يضحي أقل." مهما يكن من أمر، فانه أصبح من الملح  قيام حوار وطني سريع حول المسائل الاقتصادية والاجتماعية وحول معظلة الإرهاب خاصة ... ليس هناك من خيار أمامنا اليوم إلا مصارحة الشعب التونسي بتفاصيل الأزمة وتوفر الإرادة لدى الجميع للتوافق على الحلول التي يجب أن تتوصل لها المجموعة الوطنية ممثلة في أحزابها ومنظماتها الكبرى بعيدا عن التجاذبات السياسية وتحميل المسؤولية لهذا الطرف أو  ذاك.  فإما أن ننقذ السفينة معا بجهد الجميع وإما أن تغرق بنا جميعا.
 
نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا