مواطن سوري يزور اربعة من مواطنيه السوريين في سكنهم في منطقة الجناح ويتحدث معهم عن امور معيشية وعن ظلم الحكام العرب مضيفا انه سيقوم بتنظيم تظاهرة سلمية امام السفارة السورية في لبنان، "وكان بحوزة ج. منشورات تدعو الى التظاهر امام السفارة السورية في لبنان بتاريخ 27-2-2011 وتطالب بتخفيض اسعار المحروقات والسلع الغذائية وإنصاف العاملين في سوريا، وطلب ج. من الموجودين توزيعها وغادر الغرفة، وأضاف المدعى عليهم انهم قاموا بتمزيق المنشورات بعد مغادرة جاسم ورموها في النفايات ولم يقدم احد على توزيعها...". هذه هي الوقائع التي تم توثيقها خلال التحقيقات الأولية والتي كانت بداية رحلة امنية قضائية طويلة تكشف الى حد كبير استعداد عدد من الأجهزة لمجاملة النظام السوري، بطلب او من دون طلب، على حساب ابسط حقوق الناس.
وهكذا، تم توقيفهم من قبل دورية من مخابرات الجيش في بيروت اول مرة في 23-2-2011 وجرى التحقيق معهم واطلق سراحهم، ثم (ولسبب مجهول!) اوقفوا مرة ثانية بتاريخ 25-2-2011 "لتوافر معلومات حول اقدامهم على توزيع مناشير والدعوة الى التظاهر دون ترخيص والإساءة للعلاقات مع دولة شقيقة" كما جاء في خلاصة تحقيقاتها. وقد استمر احتجازهم ثمانية ايام قبل احضارهم امام النائب العام خلافا للقانون، وسط انباء اعلامية بخطف هؤلاء من جهة مجهولة، من دون ان يكلف احدهم عبء الإعلان عن توقيفهم.
وهكذا، امر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بتوقيفهم، فيما ادعت النيابة العامة الإستئنافية في بعبدا عليهم بجرم التظاهر دون ترخيص والإساءة الى العلاقة مع دولة شقيقة سندا للمواد317 (اثارة النعرات المذهبية والعنصرية) و345 (تظاهرة شغب) و346 (تجمع شغب) و770 (مخالفة الأنظمة الإدارية والبلدية) وحولتهم الى قضاء الحكم. واللافت ان النيابة العامة عمدت الى الإدعاء من دون ان تدقق في توافر العناصر الجرمية لأي منها في التحقيقات التي اجرتها مخابرات الجيش، وهي بدت من خلال ذلك وكأنها تسعى الى اثقال الملف بالتهم، من دون اي سعي لربطها بالواقع كما يظهر في ملف القضية، وتجدر الإشارة الى ان تعبير "الإساءة الى العلاقة بدولة شقيقة"، كان رائجا في حقبة الوصاية السورية.
 لا بل ان هذه الوقائع بدت كافية بالنسبة الى قاضي الحكم (القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا) نفسه فأصدر بتاريخ 9-3-2011 قرارا بحبسهم جميعا لمدة شهر بجرم الحض على النزاع بين مختلف عناصر الأمة على اساس المادة 317 عقوبات، بعدما رد سائر الاتهامات المساقة ضده.  ولدى مراجعة ملف المحكمة، يتبين ان القاضي المذكور استجوب المدعى عليهم الذين اكدوا الكلام الوارد اعلاه. كما يتبين ان حيثية الحكم المذكور التي انتهت الى ادانتهم لم تتعد ثلاثة اسطر وقد نصت حرفيا على الآتي:
"حيث ان فعل المدعى عليهم لجهة اقدامهم على ارتكاب الأفعال المبينة في باب الوقائع والتي يقصد منها الحظ على النزاع بين مختلف عناصر الامة، يشكل الجنحة المنصوص عنها في المادة 317 عقوبات، ما يقتضي ادانتهم بأحكامها...".
 وتاليا، بقي الحكم مبنيا على فرضيات غير متحققة، من دون اي محاولة لتفسير كيف ان من شأن استقبال المدعى عليهم لشخص يدعو الى مظاهرة سلمية امام السفارة السورية لتخفيض اسعار المحروقات والسلع الغذائية في سوريا ولمساعدة العمال والفلاحين، او من شأن الدعوة الى مظاهرة مماثلة ان يشكل جرم "الحض على النزاع بين عناصر الأمة (في لبنان)". فما هو المقصود في عبارة "الحض على النزاع بين عناصر الأمة" والتي من شأنها الحد من احدى اسمى الحريات في لبنان اي حرية التعبير الحر عن الرأي؟ بل ما المقصود من "عناصر الأمة" نفسها؟ ثم الم يشهد لبنان مؤخرا مظاهرات للمطالبة بسقوط النظامين المصري والليبي، بل ايضا النظام اللبناني نفسه، من دون ان يعدها احد مسا بـ"عناصر الأمة"؟ هذا ما تجنب الحكم تفسيره، وكأنه يعلن ضمنا ان استنتاجا مماثلا يدخل في نطاق البديهيات التي لا تحتاج الى اي شرح او تحقيق، ولا يجوز اضاعة الوقت لأجلها. فما عدا ما بدا؟ وما الذي حول المس بحرية التعبير السلمي، بل ما الذي جعل تجريم حرية التعبير السلمي من البديهيات؟ بالمقابل، بدا الحكم اكثر تحفظا بشأن التهم الأخرى، فردها طالما ان ايا من تظاهرة الشغب او تجمع الشغب لم يحصلا اصلا، وهو بذلك كشف، رغم اقتضابه في محلات اخرى، مدى ركاكة الإدعاء الذي لم يستند في هذه الأمور على شيء.
ومن هذه الزوايا، بدا الحكم مخيبا، ولا سيما انه صدر بعد سلسلة احكام اصدرها قضاة شباب وشابات كانت سباقة في حرصها على حقوق الإنسان وحرياته في وجه بعض السلطات الأمنية، رافضين اي مجاملة لأصحاب النفوذ من السلك السياسي او القضائي. لا بل ان محكمة التمييز في غرفتها الثالثة برئاسة القاضي انطوان ضاهر وعضوية المستشارين مادي مطران وجان – مارك عويس، ذهبت في الاتجاه نفسه حين فسخت الحكم الصادر عن محكمة المطبوعات بحق السيد ادونيس عكرة بعد ان ادعت النيابة العامة عليه بالإساءة إلى العلاقات بين الدولة اللبنانية ودولة شقيقة، والإساءة إلى السلطةالسياسية والجيش والقضاء.
 في 7-4-2011، اصدرت محكمة استئناف الجنح في بعبدا برئاسة القاضي الياس الخوري وعضوية المستشارين جوزف رابيل ووفاء تيماني قرارا بفسخ القرار المذكور. لماذا؟ ببساطة، لأنه "لم يَبرز في الملف اي مستند يثبت منه اثارة النعرات الطائفية او التحريض على الشغب او على النزاع بين الطوائف"!  وهي بذلك انهت فصول هذه الحكاية الحزينة ووضعت حدا لمعاناة هؤلاء الشبان، كما اعادت بذلك التأكيد على دور القضاء في حماية حقوق الإنسان وحرياته وأولها حرية التعبير عن الرأي. لا بل انها ذهبت ابعد من ذلك بحيث ضمنت حكمها عبارة شديدة البلاغة، مفادها الحكم "بعدم طردهم من الأراضي اللبنانية لعدم ارتكابهم اي جرم". فهذه العبارة تبقى من حيث المبدأ غير ضرورية ومن لزوم ما لا يلزم طالما ان ابطال التعقبات بحق المدعى عليهم يعني تلقائيا زوال امكانية ترحيلهم من لبنان. وتضمينها الحكم تاليا انما يعني ان المحكمة التي انصفتهم ازاء التعسف في الملاحقة، انما ارادت التعبير عن خشية ازاء لجوء الأجهزة الأمنية الى تدابير مستقبلية ضارة بهم كالترحيل تجاوزا لقرارها بابطال التعقبات، فعمدت الى ضمان حقهم بالاقامة في لبنان، الذي وصفه بعض ابرز النواب اثناء مناقشة قانون الأجانب 1962 على انه بلد الحريات الذي يلجأ اليه كل مضطهد.
هكذا اصدرت محكمة الإستئناف حكمها بإسم الشعب وأعطت مثالا آخر على دور القضاء في حماية الحريات.