صادق مجلس الوزاء التونسي بتاريخ 14-07-2015 على مشروع يتعلق "بإجراءات خاصة بالمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي " اصطلح محليا على تسميته "بقانون المصالحة الوطنية " ويتكون مشروع القانون من 12 فصلا كرست جميعها لصياغة مشروع مصالحة يستهدف اساسا ثلاث مسائل على علاقة بتصفية تركة الحقبة الاستبدادية بتونس هي :

أولا:عفو تشريعي غير مشروط على الموظفين العموميين واشباههم ممن يواجهون ملاحقات قضائية  من أجل أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام باستثناء تلك المتعلقة بالرشوة وبالاستيلاء على الأموال العمومية . 
ثانيا :تكوين لجنة على مستوى رئاسة الحكومة تتكون من ستة اعضاء اربعة منهم يمثلون جهات حكومية وعضوان يمثلان هيئة الحقيقة والكرامة و يكون دور هذه اللجنة  البت في مطالب الصلح التي يتقدم بها كل شخص   حصلت له منفعة من أفعال تتعلق بالفساد 
ثالثا :ابرام صلح مع من يتهمون بارتكاب مخالفات الصرف أي من هربوا أموالا خارج البلاد التونسية أو من يمسكون أموالا أجنبية بتونس لم يتم التصريح  بها .
 
و ينص مشروع القانون صراحة في الفصل 12 منه على ان من آثاره " الغاء جميع الأحكام المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام الواردة بالقانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها " بما يكون معه مشروع القانون المقترح تصورا جديدا للتعاطي مع ملفات الفساد الاقتصادي للحقبة الاستبدادية التي سبقت ثورة 14-01-2011 يلغي المقاربة التي ارساها قانون العدالة الانتقالية.

ويهم المفكرة القانونية لاهمية مشروع القانون ابداء ملاحظاتها في شأنه ابتداء من محاوره الاساسية وانتهاء بتقييمه اجمالا 

1/ ملاحظات حول مضمون قانون المصالحة 

تتعلق هذه الملاحظات بالعفو العام عن جميع الموظفين اولا وثانيا حول الصلح مع رجال الاعمال وثالثا حول العفو عن مخالفات الصرف 

*العفو عن موظفي الدولة اشباههم الذين تورطوا في منظومة الفساد 
 
يلغي الفصل الثاني من  مشروع القانون شرط المحاسبة بالنسبة لموظفي الدولة والمتعاملين معها الذين تورطوا في قضايا فساد بحكم عملهم دون ان يكونوا قد استفادوا ماديا من ذلك وينص الفصل الثاني منه على عفو شامل في حقهم توقف بموجبه "التتبعات أو المحاكمات أو تنفيذ العقوبات في حقهم " . 

اعتبر المشروع عدم استفادة الموظفين والمسئولين ماليا بشكل مباشر من عمليات الفساد المالي مبررا  لتمتيعهم بالعفو ويلاحظ بداية ان هذا المعيار يغفل ان جانبا من المسئولين والموظفين تورطوا في منظومة الفساد بشكل قصدي بحثا عن امتيازات غير مباشرة تتمثل في مزايا وظيفية وعلاقات بمراكز النفوذ المالي والسياسي تضمن  لهم الحصول على عدد من المزايا الخاصة بما  ينفي عنهم صفة الضحية لمنظومة الفساد الذي يسعى واضعوا مشروع القانون لابرازهم عليها .
 
 وبقطع النظر  عن جدية اعتبار عدم الاستفادة المالية المباشرة من الفساد كمعيار للعفو فان  المفكرة القانونية تعتبر  ان غلق ملف فساد الموظفين العمومين المتهمين بالفساد  بشكل لا تسبقه ابحاث  يضرب مسار كشف حقيقة  منظومة الفساد خلال الحقبة الاستبدادية في العمق اذ ان ايقاف التتبعات غير المشروط بكشف الحقيقة سيؤدي لمنع تفكيك منظومة الفساد  . و يؤدي هذا الأمر لمنع  الكشف عن الموظفين الذين كانوا سببا في إفساد الإدارة التونسية  و يجهض  هذا التوجه مسار إصلاح المؤسسات الذي اقتضاه قانون العدالة الانتقالية  .علاوة  انه يخرق  مبدأ عدم الافلات من العقوبة وتحميل المسؤوليات الذي أرساها قانون العدالة الانتقالية .

*الصلح مع من استفادوا من منظومة الفساد 
 
يستحدث مشروع قانون الملصالحة لجنة ادارية على مستوى رئاسة الحكومة يرأسها ممثل عن رئيس الحكومة وتضم في عضويتها ممثل عن وزارة العدل – ممثل عن وزارة المالية – عضوان عن هيئة الحقيقة  والكرامة والمكلف العام بنزاعات الدولة او من يمثله وتختص هذه اللجنة بالبت في مطالب الصلح التي يتقدم بها الاشخاص الذين " حصلت له منفعة من أفعال تتعلق بالفساد المالي أو بالاعتداء على المال العام "  .واقتضى ذات المشروع ان يتم" تعيين اعضاء اللجنة في اجل عشرة أيام من تاريخ نشر القانون بالجريدة الرسمية " . ولا يعطل عمل اللجنة عدم تعيين عضوين منها اذ يكفي لكي تباشر عملها ان يتم تعيين أربعة من أعضائها . و من جهة اخرى  حدد المشروع اجل 60 يوما لتقديم مطالب الصلح كما حدد اجل ثلاثة اشهر للبت في تلك المطالب يمكن ان تمدد لمرة واحدة لنفس المدة .اما في خصوص نظر اللجنة في مطالب الصلح فقد اقتضى مشروع القانون ان تتخذ القرارات صلبها بالتوافق   وان تعذر فبالأغلبية مع اعتبار صوت الرئيس مرجحا في صورة تساوي الاصوات .

ويؤدي تعهد لجنة المصالحة إلى إيقاف مختلف الإجراءات القضائية وتعليق مدد التقادم . و يقضي قرار الصلح حسب مشروع القانون بإلزام المنتفع به بان يدفع لصندوق الودائع والأمانات   " مبلغ مالي يعادل قيمة الأموال العمومية المستولى عليها أو المنفعة المتحصل عليها تضاف إليها نسبة 5 % عن كل سنة من تاريخ حصول ذلك " ويتم توظيف عائدات الصلح في " في مشاريع البنية التحتية أو التنمية الجهوية أو البيئة والتنمية المستدامة أو تدعيم المؤسسات الصغرى والمتوسطة أو أي مشاريع أخرى ذات صبغة اقتصادية بمناطق التشجيع على التنمية الجهوية."  
وتلاحظ المفكرة القانونية في خصوص لجنة المصالحة ان هذه اللجنة لا تتوفر على شروط الاستقلالية سواء على مستوى تركيبتها او اجراءات عملها 

* انتفاء شروط الاستقلالية من جهة التركيبة 

تلاحظ المفكرة القانونية ان شروط الاستقلالية تنتفي تماما عن لجنة المصالحة في ثلاث مستويات اساسية هي الاتية  
-اولا : يكفي لتأسيس اللجنة   ان يتم تعيين اربعة من اعضائها  .وقد يفسر  هذا الاختيار بتوقع الجهة التي اقترحت مشروع القانون ان تمتنع هيئة الحقيقة والكرامة عن تعيين الممثلين عنها باللجنة .ويكشف هذا التوجه  ان صراع لجنة المصالحة مع هيئة الحقيقة والكرامة فرضية كانت حاضرة في ذهن من صاغ مشروع قانون المصالحة بما يتعارض مع قواعد احترام المؤسسات .
-ثانيا :  تتكون في غالبيتها من اعضاء يخضون للسلطة التنفيذية في تعيينهم . كما لم يتعرض مشروع القانون لحصانات او ضمانات تمنع جهة التعيين من تغيير ممثلها باللجنة . ولم يتعرض لحالات الشغور ولم يبين اجراءات سدها ويبدو ان توجه المشروع يتجه نحو تخويل جهة التعيين الحق في استبدال ممثلها بالهيئة بما يؤدي لانتفاء كل شروط الاستقلالية في حق اعضاء لجنة المصالحة سواء على مستوى تعيينهم او على ضمان استقرار عضويتهم باللجنة .
- ثالثا :أن قرارات  اللجنة تتخذ بالتوافق بصفة أصلية وبالانتخاب كاستثناء ويلاحظ ان إقرار قاعدة التوافق كقاعدة أصلية قد يؤدي فعليا لان يتحول اتخاذ القرارات داخل اللجنة الى مناسبة للضغط من جهات التعيين  على اعضاء اللجنة ليقبلوا بالتوافق بما يؤكد انتفاء ضمانات الاستقلالية في عمل أعضاء لجنة المصالحة  .وذات الاستقلالية تغيب أيضا في تصور إجراءات نظر لجنة المصالحة حسب نص مشروع القانون  .

* انتفاء قواعد الاستقلالية على مستوى الإجراءات :

يهدف مشروع القانون  لطي ملف الفساد المالي بشكل سريع " ولتحقيق  السرعة حدد مشروع القانون اجلا أقصى قدره ستة أشهر لتصفية ملفات الفساد . ويؤدي تحديد آجال النظر في ملفات الفساد القصير لمنع الأبحاث الاستقرائية. ويستحيل تبعا لذلك " على  اللجنة تقدير  قيمة الأموال المستولى عليها أو المنفعة المتحصل عليها  " خارج إطار المعطيات التي يقدمها عارض مطلب الصلح . 

وتقدر المفكرة القانونية أن تحديد آجال قصيرة للبحث في ملفات فساد مالي معقدة يكرس فكرة منع المحاسبة ويحجب عن لجنة المصالحة شروط العمل باستقلالية بوصفها لجنة يفترض أن تتولى البحث في ملفات الفساد قبل البت فيها .و ذات الحجب للمحاسبة يتجلى على مستوى التعاطي مع الاموال المهربة .

المصالحة مع جرائم الصرف : تبييض المال الفاسد

لم يلتفت مشروع القانون للبحث في مصدر الاموال المهربة للخارج او العملات الاجنبية الممسوكة خارج المسالك القانونية . اكتفى مشروع القانون باقتراح صلح مع من يمسكون تلك الاموال  يضمن ضخ تلك الاموال في الدورة الاقتصادية بتونس مقابل خطية مالية . 

يبدو جليا ان مشروع القانون اهتم اساسا بما يعتبر مصلحة اقتصادية آنية فاتجه المشروع لتحفيز من هربوا اموالا خارج البلاد التونسية او اخفوا تلك الاموال بتونس الى ضخها في الدورة الاقتصادية . ويؤدي هذا الاتجاه للقبول  بدور للمال الفاسد مجهول المصدر بالدورة الاقتصادية كما يؤدي هذا الاختيار لمنح اصحاب الاموال المهربة من فرص لاستثمار اموالهم بتونس بما يؤدي لتعزيز نفوذهم في الساحة الاقتصادية وبشكل تبعي في الساحة السياسية .
وترى المفكرة القانونية ان المقاربة الاقتصادوية التي تم صياغة مشروع القانون بها اهتمت بايجابيات عاجلة و أغفلت تقدير الآثار السلبية المستقبلية لتوجهها . وتقترح المفكرة القانونية في هذا الإطار انه يتعين دراسة الادوار السلبية التي لعبها المال السياسي الفاسد في الحياة السياسية التونسية ليتم الموازنة بين المقاربة التي اعتمدها مشروع القانون وغيرها من المقاربات بحثا عن المصلحة الوطنية . وذات التعدد في المقاربات يجب اخضاع مشروع القانون له خصوصا في سياق علاقته بمسار العدالة الانتقالية .

2/ مشروع قانون في علاقة متوترة مع محيطه التشريعي 

حاول مشروع قانون المصالحة ان يستقل بمجال اختصاصه أي " في المجال الاقتصادي والمالي " فنص صراحة على   أنه " تلغى جميع الأحكام المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام الواردة بالقانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها " . ويطرح تدخل  مشروع القانون في مجال  العدالة الانتقالية السؤال حول دستورية مشروع القانون خصوصا و ان "الفصل 148 من الدستور يحمل  "الدولة واجب الالتزام  بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها   " [1]

ويحدد الدستور التونسي مجال حمايته للعدالة الانتقالية فيبين انها تشمل منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها " وتقدر المفكرة القانونية ان مشروع القانون المقترح يتعارض مع منظومة العدالة الانتقالية في مستوى ركائزها الاساسية أي منع الافلات من العقاب والسعي لتفكيك منظومة الفساد . فمشروع القانون يقترح عفوا في حق الموظفين الذين ضلعوا في الفساد دون محاسبة ويقيم صلحا مع من استفادوا بالفساد دون سعي لتفكيك منظومة الفساد وكشف الحقيقة .ويصل الى حد القبول بتبييض المال الفاسد دون سؤال عن مصدره .

فيما يترك مشروع القانون لقانون العدالة الانتقالية مجال تخصص يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان غير تلك التي ارتكبها رجال الاعمال وسامي الموظفين بما يؤدي لتركيز عدالة عرجاء تشترط على مستوى قانون العدالة الانتقالية العقاب في حق من ارتكبوا انتهاكات خلال الحقبة الاستبدادية ونزعت عنهم الثورة سلطتهم ويسعى عبر قانون المصالحة الى اعادة الاعتبار لمن تورطوا في الفساد المالي من خلال العفو عنهم وتبييض مالهم .
وتطلب المفكرة القانونية  عرض مشروع القانون المتعلق بالمصالحة للنقاش العام توصلا لايجاد تصورات بديلة تحقق المصالحة دون ان تؤدي  للتضحية بقيم العدالة او تخرق الدستور .
 
للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا
 
 
نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس 

[1]الفصل 148 من الدستور التونسيس مادة 9