خصصت رئاسة الجمهورية التونسية العفو الرئاسي لعيد الجمهورية التونسية للمحكوم عليهم بتهم مسك واستهلاك مواد مخدرة مدرجة بالجدول " ب " من جداول المواد السميّة. كما تولّت الحكومة التونسية من جهتها صياغة مشروع قانون جديد للمخدّرات اختارت أن يكون عنوانه "مشروع قانون يتعلق بالوقاية من المخدرات وعلاج مستهلكيها وزجر التعامل غير المشروع بها". ويعكس التوجهان المذكوران إعتراف السلطة السياسية التونسية بفشل المقاربة التي أرساها القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات. وكان القانون عدد 52 تبنّى مقاربة عنوانها الرئيسي الزجر والردع بهدف منع تطوّر جرائم المخدرات. فشدّد المشرّع عقوبات كل من يقترب من هذا العالم وأولهم من يستهلكون مادة مخدرة أو حتى يكتفون بمسكها لغاية استهلاكها. فحدّد العقوبة بالسجن النافذ مدة سنة كاملة والخطية المالية بألف دينار جزاء من تعلقت به قضية استهلاك للمخدرات.

ظنّ من حددوا السياسة التشريعية بداية تسعينيات القرن الماضي أن قسوة السجن سترهب كل من يفكر في استهلاك المخدرات وستقضي بالتالي على سوق المخدرات التي يحتاج إليها المروّجون. لكن تجربة عشرين سنة من ردع مستهلكي المخدرات خيّبت توقعاتهم غير المدروسة علمياً واجتماعياً. فقد دفعت قسوة قانون المخدرات عشرات الآلاف من الشباب الى السجون من أجل استهلاك المخدرات. وتطوّر الأمر، فباتت غالبية نزلاء السجون التونسية ممن ضبطوا بصدد استهلاك المخدرات. فتم سجنهم وضرب استقرارهم الاجتماعي بشكل يسهل تطور انخراطهم لاحقا في عالم الجريمة.

وقد دفع إنهيار المنظومة السجنية التونسية نتيجة كثرة أعداد هؤلاء السلطة السياسية للبحث عن حلول بديلة لأزمة قانون المخدرات. وكشف النضال الحقوقي أن حلّ الإشكال القائم يتطلب مراجعة المنطلقات والإعتراف بحاجة مستهلك المخدرات للإحاطة والعلاج لا العقوبة والزجر.

وبالعودة الى مشروع القانون الجديد، نلحظ أنه تضمّن في فصوله جانباً مما جاء في عنوانه، فخصص الباب الثاني منه للتدابير الوقائية والعلاجية التي تهم مستهلكي المخدرات. واستحدث في إطار التدابير العلاجية والوقائية نسيج مؤسسات جهوية ووطنية يقوم دورها على الإحاطة بمستهلكي المخدرات والإشراف على علاجهم. وقد اختار لها تسمية لجنة التعهد والإحاطة بمستهلكي المخدرات. كما توجه المشروع الى التوسّع في تصوّر علاج الإدمان، فبيّن أن العلاج يكون نفسياً أو جسدياً. ويسمح هذا التوسع باعتبار مستهلكي المخدرات الخفيفة من المدمنين الذين يحتاجون إلى إحاطة نفسية بما يمتعهم بمزايا العلاج.

كما اتجه مشروع القانون في تحديد مؤسسات علاج الادمان بشكل شمل المشافي العمومية والمؤسسات الصحية الخاصة. واهتمّ المشروع بالأعباء المالية للعلاج فحملها للدولة في حال كان المدمن مودعاً بمؤسسة سجنية وضمن التكفل الاجتماعي بها لمن كان يتمتع بتغطية اجتماعية في غيرها من الصور. ورتب المشرع على طلب العلاج متى كان سابقا لإثارة التتبعات الجزائية إنقراض الدعوى العمومية، فيما رتّب في حال قبوله من قبل القاضي في غيرها من الصور تعليق التتبعات وإنقضاء الدعوى بعد تمام العلاج.

اتجه مشروع القانون في عنوانه وجانب هامّ من أحكامه للإعتراف بمستهلك المخدرات كضحية يحتاج الى المساعدة والإحاطة. لكن هذا الاعتراف يبقى حتى اللحظة مجتزأً ورهناً بتوجهات القضاء. فعدا عن أن مشروع القانون أبقى على العقوبة السجنية ولو مخففة في حق مستهلكي المخدرات، فإنه ترك أمر الاستجابة لطلب العلاج مع ما يستتبعه من إيقاف للملاحقة لتقدير القاضي من دون أيّ ضابط موضوعي. وتالياً، يؤدي التعديل المقترح في حال إقراره الى إيلاء القضاء مسؤولية كبيرة في تحديد وجهة التعامل مع الأشخاص المدمنين والمقاربة المعتمدة فعليا في هذا المجال.

فهل يؤدّي الفقه القضائيّ الى تكريس مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة على أساس أن المدمن ضحيّة أو مريض وأن على المجتمع التدخل لتحريره من إرتهانه للمادة؟ وفي هذه الحالة، تصبح المعاقبة مجرد عصا للضغط على المدمن لوضعه على سكة العلاج من دون أن يكون هنالك أي نية في اللجوء إليها. أم يبقى المنطق العقابي سائداً بفعل الممارسات المعمول بها طوال العقود الماضية على أساس أن الإدمان آفة يتعين مكافحتها وردعها من دون مجال للتسامح؟ وبالطبع، بين هذين الإحتمالين، إحتمالات عدة منها تعددية المواقف القضائية أو الإستنسابية في التطبيق وما تتيحه من طبقية وتدخّل في العمل القضائي.

ومع تدوين هذين التحفظ والتساؤل، وجب الإعتراف بأهمية الخطوة التي يحققها مشروع القانون والتي يؤمل بفعلها طيّ صفحة حبس مستهلكي المخدرات لأماد طويلة من دون أي تصوّر إصلاحي.

نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس