إن مفهوم الأجيال القادمة يطرح على القانون سؤالا جوهريا يتمثل في تحديد أصحاب الحقوق أو المستفيدين منها. فإذا كان القانون اعتاد على أصحاب حقوق محددين، فإن فكرة المستفيد غير الموجود أو الذي سيأتي في المستقبل تجعل القاعدة القانونية أمام إحراج: فما هي الحقوق التي يتوجب ضمانها لمن لم يأت بعد؟ ومن سيشرف على ضمانها وانفاذها؟ هذه المعضلة القانونية تبلورت لتصبح مكوّنا من مكوّنات الجيل الثالث لحقوق الانسان، هذا الجيل الذي لم يعد الفرد فقط هو المستفيد منه بل المجموعة الموجودة أو التي ستوجد: الحقوق البيئية، الحق في التنمية، التضامن. وكان إعلان مسؤولية الأجيال الحاضرة تجاه الأجيال المقبلة، أفضل إطار لهذه العلاقة بين الحاضر والقادم.

فقد صدر عن اليونسكو في سنة 1997 إعلانٌ تضمّن 12 مادة حوصلت مسؤولية الأجيال الحاضرة في صون إحتياجات الأجيال الحاضرة والمقبلة ومصالحها صونا كاملا وحماية حقها في بيئة سليمة وتنمية شاملة ومستدامة وضمان إنتفاع الأجيال القادمة بثراء النظم البيئية وعدم توريثها لإصابات ومشاكل يتعذر تداركها.

وبالرجوع إلى دستور 27 جانفي 2014، نلاحظ أنهأقرّ ضمان "إستمرارية الحياة الآمنة للأجيال القادمة"

1- مظاهر ومجالات دسترة" حقوقالأجيال القادمة":

بالرجوع إلى دستور 27 جانفي 2014 نلاحظ أن مفهوم الأجيال القادمة وما يترتب عليه تم إدراجه في وثيقة الدستور في مستويات مختلفة.

الإقرار الصريح بحقوق الأجيال القادمة:

والملاحظ في هذا التكريس المباشر أنه ربط حقوق الأجيال القادمة بالحقوق البيئية وحقوق التنمية المستدامة. وهذا ما يتجلى من نص التوطئة والتي ربطت صراحة "ضرورة المساهمة في سلامة المناخ والحفاظ على سلامة البيئة بما يضمن استدامة مواردنا الطبيعية" باستمرارية الحياة الآمنة للأجيال القادمة. كما يتأكّد في الفصل 42 من الدستور والذي نصّ على أن الدولة: "تحمي ... الموروث الثقافي وتضمن حق الأجيال القادمة فيه". وهو ما يتدعم بصفة صريحة على المستوى المؤسساتي حيث نص الفصل 129 من الدستور على إحداث "هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة".

هذا التوجه في دسترة حقوق الأجيال القادمة يثير مسألة هامة تتعلق بتعريف هذا المصطلح. فنصّ الدستور كما بقية النصوص القانونية الوطنية والدولية تكرس المصطلح دونما تعريف له او تحديد لمحتواه.

وهذا التمشي الدستوري هو إقرار بحقوق أجيال في طور النمو أو التيلم تأتِ بعد.

2- الإضافات الدستورية في مجال حقوق الأجيال القادمة:

السؤال الذي يطرح هنا: هل إن إقرار الدستور الجديد لمفهوم الأجيال القادمة بصفة صريحة يعتبر إقرارا بالمفهوم وبتبعاته "القانونية" أم أنه مجرد إعلان سياسي أو أخلاقي خالمن التبعات على مستوى الحقوق و الواجبات؟ فكيف يمكن للقانون (بمعناه الواسع) أن يعطي لهذا المفهوم دلالاته من ناحية و آثاره على مستوى الحقوق و الواجبات؟

- الشحنة الأخلاقية: أن يضمن الدستور في توطئته "استمرارية الحياة الآمنة للأجيال القادمة واستدامة الموارد الطبيعية" إنما يشكل إلتزاماً أخلاقياً بوجوب تحقيق نوع من الإنصاف بين الأجيال. هذه الفكرة والتي تجعل من الأجيال القادمة موضوعا للقانون وخاصة في المجال البيئي والتنموي نجدها مضمنة في توطئة اتفاقية واشنطن لسنة 1973 والمتعلقة بالاتجار في الأصناف الحيوانية والنباتية. وهو ما تدّعم في تقرير“Brundtland”  لسنة 1987 والذي أقر صراحة أن "الاستغلال الكبير للموارد المحدودة سيقضي على الوحدة الطبيعية وسيفقر الأجيال القادمة" لتقر ذلك لاحقا كل الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة انطلاقا من قمة الأرض في "ريو" Rio  (توطئة اتفاقية "ريو" للمحافظة على التنوع البيولوجي واتفاقية التغيرات المناخية). أما على مستوى القضاء الدولي، فقد أقرت محكمة العدل الدولية في قضية 25 سبتمبر 1997 واجب الإنصاف نحو الأجيال القادمة. فالأصل اعتبار الموارد الطبيعية (وغيرها كالموارد الثقافية) هي تراث ينتقل من جيل إلى جيل ولا يحق لأي جيل أن يحتكر المورد الطبيعي أو الثقافي وأن يبدده.

- الشحنة القانونية/الإلزامية لمبدأ حماية حقوق الأجيال القادمة: بالنظر في الفصل 42 من الدستور نلاحظ أنه ينص على أن الدولة: "تحمي ... الموروث الثقافي وتضمن حق الأجيال القادمة فيه". هذا الفصل يمثل نموذجا مباشرا للإقرار بحق الأجيال القادمة وبتحمل الدولة مسؤولية ضمانه. وهي الحالة الوحيدة التي تضمنها الدستور صراحة فكيف نقيس درجات مسؤولية الأجيال الحالية تجاه الأجيال القادمة؟
إن قراءة نص الدستور على ضوء توطئته والتي أعلنت ضمان استمرارية الحياة الآمنة للأجيال القادمة تجعل من مجموع الحقوق والحريات ومن الضمانات الدستورية آليات لتكريس حقوق الأجيال القادمة في تنمية لا تقل عن المستوى الذي بلغته تنمية الأجيال الحالية. وهو ما يؤسس لمسؤولية قانونية/مؤسساتية تجاه هذه الأجيال. هذه المسؤولية العابرة للأجيال وللزمن يمكن أن تتجلى من خلال المحاور الأساسية التالية:

- مستوى المحافظة على ما هو موجود: ويكون ذلك من خلال الدور الذي تقوم به الأجيال الحالية للحفاظ على الإرث الثقافي المادي واللامادي كما وصل إلى الأجيال الحالية من الأجيال السابقة،

- مستوى الاستعمال والتصرف "الرشيد" في ما هو موجود: ويتعلق ذلك بالأساس بالموارد الطبيعية وخاصة المياه والتربة والطاقة والتنوع البيولوجي بما فيه من تنوع جيني وعدم استحواذ الأجيال الحالية على كافة هذه الموارد وتبديدها،
 
- على مستوى تنمية ما هو موجود، من شأن هذه المسؤولية أن توجد موارد جديدة (ثروة) تورثها الأجيال الحالية للأجيال القادمة.
هذه المستويات الثلاث تتطلب وضع المبادئ والآليات الكفيلة بتحقيقها وضمان حقوق الأجيال القادمة. ولذا يكون من المجدي أن نتساءل عن التشريعات الواجب إصدارها لتنزيل دستور 2014 في هذا المجال.

3-  تنزيل الدستور لحماية حقوق الأجيال القادمة:

إن دستور 2014 ومع تنصيصه صراحة على حقوق الأجيال القادمة تضمن أيضا مجموعة من المبادئ و القواعد التي من شأنها تفعيل هذه الحقوق والإعداد لها. وهي تتعلق أساسا بالمجالات البيئية والموارد الطبيعية ومنوال التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى جانب إحداث هيكل يعنى بحقوق الأجيال القادمة.

"تضمن الدولة الحق في بيئة سليمة و متوازنة":

انطلقت التشريعات البيئية في تونس منذ 1988 بصفة متواترة لتشمل كل المجالات تقريبا: الغابات، المؤثرات على البيئة، الطاقات المتجددة، و الموارد الطبيعية، تنقيحات مجلة المياه، الفلاحة (الزراعة) البيولوجية وإحداث هياكل بيئية: الوكالة الوطنية لحماية المحيط (البيئة) وزارة مكلفة بحماية البيئة.

إلا أن تطور وتشعب المادة البيئية جعل النصوص القانونية التي صدرت منذ ذلك التاريخ وعلى أهميتها متضاربة في بعض الأحيان ويغيب التنسيق بينها ولا يمكن تجميعها بسهولة، وهو ما استوجب التفكير جديا في إصدار "مجلة للبيئة" codeمنذ 2005.

وانطلق العمل جديا على إنجاز المجلة في 2010. وقد سلمت النسخة التقنية التي أعدها الخبراء للوزارة المكلفة بالبيئة منذ نهاية 2013. هذا العمل التشريعي الهامّ والذي يهدف إلى وضع قانون منسجم وشامل لكل نواحي التشريعات البيئية من شأنه أن يدعم التشريع البيئي وتوحيده
وتجاوز نقائصه بالتأكيد صراحة على حقوق الأجيال القادمة ووضع آليات لضمانها.

ومن حيث المبادئ، أكد مشروع المجلة على كافة مبادئ قانون البيئة: الحق في المعلومة البيئية، حق المشاركة، مبدأ الوقاية، الحق في التقاضي البيئي. كما كرس المشروع في ما يتعلق بحماية حقوق الأجيال القادمة، مبدأ الحيطة والذي يقتضي عند غياب التأكد من إمكانية الإضرار بالبيئة الامتناع عن الشيء أو تقييده إلى حين التأكيد ولو بعد عشرات السنوات. وهو ما يعكس بوضوح مبدأ مسؤولية الأجيال الحاضرة تجاه الأجيال القادمة. حيث لا يمكن للحاضر أن يقرر ما من شأنه أن يحرم أو يورط من سيأتي في المستقبل.

من حيث الآليات، دعم المشروع الوسائل الحمائية وخاصة دراسة المؤثرات على البيئة بتعميمها لتشمل إلى جانب المشاريع والتجهيزات، النصوص بأنواعها: إستراتيجيات، سياسات، مخططات، نصوص قانونية.وهو ما من شأنه أن يجنب الأجيال القادمة أخطاء الأجيال الحالية عند الاختيارات الكبرى ولكن أيضا عند إقرار المشاريع والتجهيزات.

أما على مستوى الإضافات إلى ما هو موجود في التشريعات البيئية الحالية، فقد أقر المشروع إثراء هاما لمفهوم ونظام الفضاءات/المجالات المحمية، كما نظم الأمن البيولوجي وحماية المشاهد الطبيعية والجبال والواحات وأقر نظاما للتلوث السمعي والتلوث البصري والتلوث بالإشعاعات والأضواء.

"الحق في المياه مضمون. المحافظة على الماء وترشيد إستغلاله واجب على الدولة والمجتمع":

إن الحق في الماء بوصفه من الحقوق الأساسية المرتبطة مباشرة بالحق في الحياة لم يتم إقراره صراحة في مجلة المياه الصادرة في مارس 1975 رغم تنقيحاتها العديدة. ومع دسترة هذا الحق نتيجة ضغط ونضالات منظمات المجتمع المدني، يتوجب إعادة النظر في النظام القانوني للماء في تونس. هذا التمشي (إعادة النظر في قانون المياه) كان قد سبق إقرار الدستور وسبق أيضا أحداث 14 جانفي 2011. فقد انطلقت أعمال لجنة من الخبراء (تحت إشراف وزارة الفلاحة) مند سنة 2009 لإعداد تصور جديد لمجلة المياه إما بتنقيح المجلة الحالية أو بإصدار مجلة جديدة مع نصوصها التطبيقية. ووقع الاختيار على صياغة مجلة جديدة سلمت اللجنة مشروعها التقني للحكومة منذ جوان 2012. ويجدر المصادقة على هذا المشروع لأسباب عدة أهمها:

- ينبني مشروع المجلة الجديدة على فلسفة هامة ومغايرة تماما لمجلة 1975 وهي ندرة المياه وصعوبة تحصيلها. ومن شأن هذه الفلسفة أن تؤدي إلى مقاربة تصرف وإستغلال قوامها الطلب وليس العرض، وذلك خلافا لمجلة 1975. ومن شأن اعتماد هذه المقاربة أن تؤدي إلى حسن إستغلال الموارد والتحكم فيها وحماية المخزون المائي للمستقبل.

- إدراج مقاربة التصرف في الموارد المائية في إطار مقاربة التنمية المستدامة. ومن شأن هذا الأمر أن يعزز الجوانب البيئية والاجتماعية في مقاربة التصرف وعدم غلبة البعد الاقتصادي عليها.

- بناء مقاربة تعتمد على مبدأ "وحدة الماء" والتصرف المندمج في الموارد المائية وإمكانية التصرف في الماء بحسب الأحواض المائية. وهو ما سيمكن من تدعيم لا مركزية التصرف.

- تدعيم التصرف من قبل الجمعيات والمجموعات.

- دعم الاطار القانوني والمؤسساتي فيما يتعلق بمجابهة الفياضانات والكوارث الطبيعية خاصة نقص المياه و الجفاف،

- تدعيم آليات الرقابة والمسؤولية التقليدية بآليات جديدة تعتمد على النجاعة ومنها آليات التحكيم والوساطة والصلح،

- العمل على تطوير الموارد المائية وإيجاد موارد جديدة ومستدامة.

هذا التمشي الجديد في المقاربة المائية في تونس من شأنه أن يتطلب ايضا إيجاد هيكل تعديلي خاص بالمسائل المائية من شأنه أن يوازن بين مختلف المتداخلين (الاقتصاديين خاصة) و بين مختلف الاستعمالات للمياه إقتصادية كانت أو إجتماعية معاشية أو بيئية.

"الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها بإسمه"

إن التشريع التونسي الحالي المتعلق بالموارد الطبيعية والذي يضم أيضا عديد النصوص القانونية وخاصة مجلة المناجم )الصادرة بموجب القانون عدد 30 لسنة 2003 المؤرخ في 28 افريل 2003(، ومجلة المحروقات )الصادرة بموجب القانون عدد 93 لسنة 1999 المؤرخ في 17 اوت 1999، كما تم تنقيحها و إتمامها في عديد المناسبات(، وقانون التحكم في الطاقة )عدد 72 لسنة 2004 المؤرخ في 2 اوت 2004(.هذه التشريعات الهامة على المستوى التقني يتوجب اليوم إعادة النظر فيها و تحديدا في مسالة منح الرخص (رخص الإستعمال والإستغلال والإستكشاف) والرقابة المفروضة عليها. فالفلسفة التي يقوم عليها التشريع التونسي الحالي في مجال الموارد الطبيعية (بما فيها موارد أخرى كالموارد الغابية والمياه والتربة) تتمحور حول الدور الرئيسي للإدارة في منح الرخص وإختيار المتعاقدين أو الشركاء ورقابة التنفيذ. ومن البيّن أن هذه الفلسفة باتت اليوم في حال تعارض مع الفصل 12 من الدستور والذي يجعل من الشعب مالكا للثروات الطبيعية. فاذ ذاك، يكون لممثلي الشعب (المجالس النيابية المنتخبة) الدور الأساسي في ممارسة هذه السيادة على الموارد الطبيعية من خلال المصادقة على الاتفاقيات المتعلقة بها. هذا التوجه الدستوري الجديد كانت قد أكدته الهيئة الوقتية لرقابة دستورية مشاريع القوانين في قرارها الصادر بشأن مشروع قانون "إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة". فقد بين قرار الهيئة تعارض بعض فصوله مع الفصل 12 من الدستور، على خلفية أنه يمنح الحكومة (وتحديدا الوزير المكلف بالطاقة) صلاحيات واسعة في إبرام الاتفاقيات المتعلقة بإنتاج الطاقة دونما رجوع إلى مجلس نواب الشعب و لجانه.

بقى أيضا على التشريعات المستقبلية أن تبين لنا محتوى الموارد الطبيعية والنظام القانوني العام الذي يسري عليها. ويمكن أن يكون ذلك في إطار نص قانوني شامل (مجلة) حول الاملاك الراجعة للذوات العمومية. وهي فكرة إنطلقت منذ بداية التسعينيات مع إحداث وزارة لأملاك الدولة والشؤون العقارية. وقد تمت صياغة مشروع مجلة إلا انها لم تعرض مطلقا على نواب الشعب للتداول فيها والمصادقة عليها. وتبقى الاملاك العامة بدورها مشتقة على عشرات النصوص القانونية الخاصة والمليئة بالاستنثناءات على مستوى الحماية والتصرف وامكانية الاسقاط في الملك الخاص للتفويت فيها دونما رقابة تذكر من قبل نواب الشعب. فالنصوص القانونية المنظمة لها تمنح السلطة التنفيذية وخاصة رئيس الجمهورية سابقا ورئيس الحكومة حاليا صلاحيات تغيير الطبيعة القانونية للاملاك وتغيير صبغتها وإمكانية التفويت فيها لاحقا.

هذا التعامل مع الأملاك العمومية يتعارض تماما مع حقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية والأملاك العمومية خاصة وأن الاصل في التصرف في هذه الأملاك هو المحافظة عليها و"عدم التفويت فيها" وعدم سقوط ملكيتها بمرور الزمن. وهو ما يجعل منها رصيدا تقوم الأجيال الحالية بإستعماله وتطويره وتوريثه للأجيال القادمة على الأقل على الشكل الذي وصل إليها وعلى الافضل في شكل أكثر تطور وثراء. حان الوقت إذاً لنفض الغبار على مجلة أملاك الذوات العمومية وتحيينها على ضوء مقتضيات الدستور فيما يتعلق بمبادئ الحوكمة والديمقراطية التشاركية وسيادة الشعب على موارده.

هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة:

أقر الدستور في باب الهيئات الدستورية إحداث هيئة للتنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة (الفصل 129). وتعمل الآن المنظمات غير الحكومية ذات الصلة بالبيئة والتنمية المستدامة)تحديدا الجامعة التونسية للبيئة والتنمية(على صياغة مشروع قانون لهذه الهيئة وعلى إعداد إستراتيجية لتقديمه وحشد المساندة له لقبوله والمصادقة عليه. وبالعودة إلى نص الدستور، نلاحظ انه بين بكل إختصار المبادئ العامة التي يجب أن ينبني عليها القانون وهي مبادئ نستشفها من الفصلين 125 و129. وسنركز في هذا الخصوص على مشمولات هذه الهيئة.

بداية، نلحظ أن الفصل 125 لا يمنح الهيئة إلا صلاحيات إستشارية. فهي " تستشار ... وجوبا في مشاريع القوانين المتعلقة بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وفي مخططات التنمية". ولها "أن تبدي رأيها في المسائل المتصلة بمجال إختصاصها". هذا التحديد لصلاحياتها يتوجب إبداء ملاحظتين:

- إن مجالات التدخل الإجباري هي مشاريع القوانين ومشاريع مخططات التنمية. ومن البين أن الاكتفاء بهذين النوعين من النصوص، على أهميتها، قد يحرم الهيئة من إمكانية إبداء رأيها في مشاريع الأوامر (التي تصدر عن رئيس الحكومة خاصة) والتي من شأنها التاثير في الاجيال المقبلة. ومن الأمثلة على ذلك، نظام الصفقات العمومية ودراسة المؤثرات على البيئة والمخططات العمرانية (بما فيها مخططات تهيئة الفضاءات).

- إن دور الهيئة يتوقف عند تقديمها لرأي إستشاري، بمعنى أنه لن يكون لها أي دور تقريري أو تعديلي في مجالات التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة. وهو ما يقلل من قيمة عملها وقيمة ما يصدر عنها من آراء.

فكيف يمكن للقانون الذي سينظمها أن يتجاوز هذه المعوقات الاصلية ليدعم دور الهيئة من ناحية و يؤكد الحاجة إليها؟

في هذا الإطار، قد يكون ملائما التوسع في قائمة طالبي الاستشارة بحيث يُخول النواب (10 نواب مثلا) وأيضا المواطنون بموجب عرائض شعبية، بالاضافة الى رئيسي الجمهورية والحكومة اللجوء اليها. ولتدعيم هذا الدور، يكون على الهيئة و بموجب قانون إنشائها تنمية العلاقة مع المنظمات غير الحكومية، حيث يتوجب في تركيبتها حضور هذه المنظمات وأن تخصص يوما سنويا لعرض تقريرها عليها.

إن تنزيل هذه المواد الدستورية المتعلقة مباشرة بالتنمية المستدامة والأجيال القادمة (المواد البيئية والتراثية والمتعلقة بالموارد الطبيعية وبهيئة التنمية المستدامة) لا تمثل إلا جزءا مما يجب تنزيله لحماية الأجيال القادمة وضمان حقوقها في التنمية من ناحية لكن أيضا في النمو السليم والمتوازن. وهو ما يتطلب إعادة النظر في جملة (حزمة) كبرى من النصوص القانونية المجحفة في حق شرائح إجتماعية (الاطفال، الشباب، النساء) التي لا تعكس نمط التنمية المرجو والذي يتوجب ان يستند بحسب الدستور على: الديمقراطية التشاركية، و"الحكم الرشيد" و "العدل بين الجهات" و"الاستغلال الرشيد للثروات الوطنية.."

نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس 

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط 
هنا