أحدث الفصل 130 من الدستور التونسي "هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد" وهي هيئة يحمّلها الفصل 125 من ذات الدستور مع بقية الهيئات الدستورية المستقلة الأخرى مسؤولية"دعم الديموقراطية". ويحدد دورها في المساهمة"في سياسات الحوكمة الرشيدة ومنع الفساد ومكافحته ومتابعة تنفيذها ونشر ثقافتها، وتعزّز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة."علاوة على " رصد حالات الفساد في القطاعين العام والخاص، والتقصي فيها، والتحقق منها، وإحالتها على الجهات المعنية". وكان يُنتظر أن تقترن انطلاقة الدورة النيابية الأولى لمجلس نواب الشعب التونسي بنقاش مجتمعي مستفيض حول الهيئة ودورها وتقييم تجارب الهيئات واللجان التي سبقتها، خاصة أنّ مكافحة الفساد كانت شعارا محوريا للثورة التونسية، لكن ظلّ الاهتمام بتصورات الهيئة المستقبلية ومشروع قانون تنظيمها أمراً مؤجلاً.

وقد تعود البرودة غير المنتظرة في التعاطي مع الهيئة الدستورية لما ميّز تجربة لجان مكافحة الفساد التي استحدثت بعد الثورة من ضعف في الأداء. إذ بعد أكثر من أربع سنوات من إحداث هيئة مختصة في مكافحة الفساد في تونس، يتواصل الجدل حول الفائدة من وجودها ومدى قدرتها على التحكم في مستويات الفساد. ويحتّم هذا الأمر فحص تجارب لجنة مكافحة الفساد منذ تأسيسها لتبيّن سبب ضعف أدائها واستخلاص شروط نجاح الهيئة الدستورية الجديدة.

لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد

تزامن ظهور هيئة مختصة في مكافحة الفساد مع الثورة التونسية في جو عام من انعدام الثقة في هياكل الدولة وتشكيك في قدرة مؤسساتها على كشف الفساد نظراً للدور المتواطئ للعديد منها في تكريس الفساد خلال فترة الحكم السابق. وعلى هذا الأساس كان أول القرارات التي أعلن عنها الوزير الأول بعد سقوط نظام بن علي في 17/01/2011 إلى جانب تركيبة الحكومة المؤقتة الأولى، تكوين ثلاث لجان من بينها لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد.وأنشئت هذه اللجنة بوصفها هيئة عمومية مستقلة تبعا للمرسوم عدد 7 بتاريخ18 /02/2011.وتتكون من هيئتين: هيئة عامة تنظر في التوجهات العامة للجنة وتقدم التصورات المستقبلية حولها، وهيئة فنية تتعهد بالتقصي والبحث ودراسة الملفات وتحيل على القضاء حالات الشبهة في الرشوة والفساد.ويتم تعيين أعضاء اللجنتين من طرف رئيس اللجنة الذي يلتزم فقط بالتشاور حول اختيار الأعضاء مع المنظمات المعنية دون أن يكون ملزما بالتقيد بمقترحاتها.

وانطلقت هذه اللجنة الخاصة في التحقيق حول ملفات الفساد خلال فترة حكم بن علي واعتمدت تركيبة متنوعة شملت خبراء من قطاعات مختلفة لإجراء مهام التثبت وتفحص الملفات. كما اعتمدت في جزء هام من أعمالها على تقارير مختلف الهياكل الرقابية الموجودة سابقا كدائرة المحاسبات وهياكل الرقابة العامة.

وحسب الاحصائيات المتوفرة توصلت اللجنة بأكثر من 11000 عريضة درست منها إلى حين إعداد تقريرها النهائي 5000 ملف وأحالت 300 ملف على أنظار القضاء. وحسب رأي اللجنة، تعلقت أكثرمن ثلث العرائض الواردة عليها بطلبات خارجة عن اختصاصها وتهمّ مطالب اجتماعية كالتشغيل أو الحصول على مسكن أو رخص لمزاولة نشاط اقتصادي.

وخلال الشهر الحادي عشر من سنة 2011 وبعد أن أتمت لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد أعمالها، أصدرت تقريرها النهائي والذي ورد فيه أنه لم يتم التحقيق في كل ملفات الفساد المتعلقة بفترة حكم بن علي نظرا لضعف إمكانيات اللجنة البشرية والمادية. كما لوحظ أنه لم تتم إحالة جميع ملفات الفساد على القضاء الذي لم يبت بدوره في كافة النزاعات المتعلقة بهذه الملفات إلى حد هذا التاريخ. وقد ساهم هذا التأخر في تأكيد ما تم تداوله بخصوص عملها الانتقائي والموجه في الكشف عن بعض ملفات الفساد دون الأخرى لاعتبارات شخصية وهو ما خلق انطباعا عاما "باستمرار الفساد وتواصل ثقافة الإفلات من المحاسبة"[1].

كان يُنتظر أن تقيّم تجربة لجنة مكافحة الفساد بشكل متكامل قبل بعث هيئة قارة تعنى بمكافحة الفساد وأن تستفيد الهيئة من نقائص التجربة الأولى. وقد تمثلت هذه النقائص أساسا في كونها كانت لجنة تدور حول رئيسها الذي يمتلك كلّ الصلاحيات داخلها بدءا بتعيين أعضائها مرورا بتحديد ملفات الفساد التي يتم البحث فيها وصولا لتحكمه في القرار عقب البحث.  لكن غاب التقييم وتولت الحكومة اعتماد مقترح لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفسادبتكوين هيئة وطنية لمكافحة الفساد.
 
الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: هيئة الفرص الضائعة

أحدث المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 المؤرخ في 14/11/2011 المتعلق بمكافحـة الفســاد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي حلّت محل اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد المحدثة وأحال إليها ملفاتها ووثائقها.وصدر الأمر المنظم للهيئة الجديدة في29 /03/2012.
وتم تعيين المحامي سمير العنابي رئيسا جديدا عليها في مارس 2012 على إثر وفاة رئيسها السابق. وعرفت اللجنة دعما كبيرا من منظمات ودول على غرار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي خصص الجزء الأكبر من برنامجه لمكافحة الفساد في تونس لدعم هذه الهيئة فنيا وماديا. 
لكن ما يلاحظ فعليا منذ تأسيسها هو تعطّل أعمالها منذ بعثها إذ لم تجتمع إلا مرة واحدة بكامل أعضائها الستة والعشرين وذلك بتاريخ 17 /07/ 2013. كما غاب العمل الاستقصائي عن أعمال هيئة مكافحة الفساد. فلم يتم تشكيل جهاز الوقاية والتقصي المنصوص عليه بالفصل 22 من المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011، وبات دورها ينحصر في المشاركة في تنظيم ندوات وملتقيات دولية أو في الظهور الإعلامي لرئيسها وهو ظهور خصص الجانب الأكبر منه للحديث حول مبررات فشل الهيئة في مكافحة الفساد. ولم تنجز الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد خلال ثلاث سنوات من عملها أي تقرير حول نشاطها ولم تقدم رصدا علميا وموضوعيا حول الفساد ومدى انتشاره مخالفة ما جاء بالفصل 39 و40 من مرسوم إحداثها.

واكتفى رئيسهيئة مكافحة الفساد في ظهوره المكثف اعلاميا طيلة ثلاث سنوات بتقديم مبررات لعدم قدرة الهيئة على أداء مهامها.ومن هذه المبررات بالخصوص حسب رأيه ضعف الإمكانيات المادية المرصودة لها، حيث لم تفرد لها ميزانية خاصة إلا خلال سنة 2015. ومنها أيضا، تعرضها حسب رأيه لعراقيل سياسية حالت دون إنجاز دورها، بالإضافة إلى عدم توفر كفاءات تونسية متخصصة في مكافحة الفساد. وكان من حين لآخر يسرد معطيات احصائية حول عمل هيئته يتبين من فحصها أنها تتعلق بالأساس بعدد الملفات التي سبق للجنة التقصي حول الفساد والرشوة أن أحالتها الى القضاء.

خلّف فشل هيئة مكافحة الفساد في الاضطلاع بدورها انطباعا سلبياً لدى الرأي العام التونسي حول عمل لجان مكافحة الفساد. وبات ينظر الى هذه اللجان كمؤسسات بيروقراطية لا يستفيد منها الا رؤساؤها الذين يتمتعون بالوجاهة الاجتماعية والامتيازات المالية والعينية دون عمل يوازي ذلك.
وبعيدا عن تبريرات الفشل، يمكن اعتبار إخفاق هيئة مكافحة الفساد في الاضطلاع بدورها نتيجة منطقية لعاملين الأول داخلي والثاني إطاري.
 
عامل الفشل الداخلي

لم تنجح هيئة مكافحة الفساد في تشبيك علاقتها بشكل تفاعلي مع المؤسسات والأطراف التي تتدخل في مكافحة الفساد خصوصا منها الهيئات الرقابية. وقد جعل هذا الأمر الهيئة عاجزة عن التواصل مع مؤسسات الدولة التي كان يفترض أن يتم البحث عن الفساد فيها. وكان يمكن لهذه العلاقة الموضوعية لو تم تصور أطر لها، أن تحوّل عملية مكافحة الفساد الى مجهود تشارك فيه جميع الأطراف من هياكل رقابية. ولكن هذا العامل لم يكن وحده ليصنع الفشل. بل علينا الاقرار أن الصمت حول تعطل مؤسسة مكافحة الفساد مدة ثلاثة أعوام كاملة لم يكن من الممكن قبوله أو حصوله لو لم يؤاتي مزاج إطار عامّ" يحبذ الفشل في مكافحة الفساد.

عامل الفشل الاطاري

تبدو الحكومات المتعاقبة غير جدية في التعامل مع ملف الفساد. فعلى سبيل المثال، لا يزال العديد من النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة الفساد على غرار القانون المتعلق بتضارب المصالح وحماية المبلغين حبيسة الأدراج. وحتى قانون النفاذ إلى المعلومة الذي بلغ مراحل متقدمة من النقاش أمام اللجان المختصة لمجلس نواب الشعب وكان من المبرمج عرضه على الجلسة العامة خلال هذا الشهر، فقد تم سحبه من طرف الحكومة في خطوة مفاجئة. وهو ما اعتبر نكوصا خطيرا عن تعهدات تونس في تكريس الشفافية.وبؤمل الا يترك هذا الوضع الذي يبدو سلبيا أثره على المؤسسات الدائمة.
 
هيئةالحوكمةالرشيدة ومكافحة الفساد: فرصة أخيرة لبناء هيئة فاعلة

عرفت هيئة مكافحة الفساد خلال الأربع سنوات الماضية انتكاسات كبرى وأصبحت قدرتها على مكافحة الفساد محل تساؤل. وبعد استحداث هيئة جديدة في الدستور التونسي الجديد تسمى هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والتي لم ترَ النور بعد على أرض الواقع ولم ينطلق نقاش عميق بشأنها، تلوح على هذا الأساس بارقة أمل أخيرة في إعادة بناء مؤسسة قوية مكلفة بمكافحة الفساد والتوقي منه. لكن إنشاء مثل هذه الهيئة لا يعني قطعا وضع حد للفساد. فالتجارب العالمية أثبتت أن عدد هيئات مكافحة الفساد التي نجحت في دورها قليلٌ جدا. لذلك لا يكفي التنصيص في الدستور على إحداث هيئة دستورية مستقلة معنية بمكافحة الفساد، بل يجب توفّر أرضية متكاملة لضمان نجاحها ترتكز على فهم دقيق لواقع الفساد وتقييم لأخطاء الماضي وقدرة على تلافيها مستقبلا. ويمر ذلك بالأساس عبر مجموعة من النقاط تتلخص في الآتي:
 

-       تعيين رئيس الهيئة وأعضائها وتحديد صلاحياتها: تلافي الشخصنة وبناء التوافق

لا يجب أن تكون طريقة تعيين رئيس الهيئة خاضعة لاختيار طرف وحيد تلافيا لتجربة مرسوم سنة 2011 الذي نص في فصله 19 أن رئيس الهيئة يعين بأمر يتخذ باقتراح من الحكومة. وهو ما ساهم بشكل محوري في شخصنة مبالغ فيها لعمل الهيئة وجعل تواجدها مرتبطا بشخص رئيسها. ويتطلب الوضع الجديدحسب الفصل 125 من الدستور التونسي أن ينتخب أعضاء الهيئة من طرف مجلس نواب الشعب بأغلبية معززة. إلا أن هذا الاختيار يجب أن ينأى عن المحاصصة السياسية وأن يكون تعيين رئيس الهيئة وأعضائها مبنيا على أكبر قدر من التوافق يرتبط أساسا بنزاهة أعضاء اللجنة وحرفيتهم. وهو ما يتطلب أن تكون عملية الاختيار محل نقاش عام يشترك فيه كل المتدخلين لتلافي المحاصصات السياسية في الغرف المغلقة.

أما بالنسبة لصلاحيات الرئيس وأعضاء اللجنة فإن ما عرفته الهيئات السابقة من سلطة تقديرية واسعة لرئيس الهيئة وانتقائية في التقصي وإحالة الملفات أثّر على مصداقية ونزاهة الهيئة وهو ما يتطلب أن يكون مجال تدخلها مستقبلا مبنيا على الشفافية في التعامل مع الملفات دون تمييز وانتقائية.


-       خضوع الهيئة للمساءلة: بداية الطريق نحو بناء الثقة

يستوجب أن تكون هذه الهيئة خاضعة للمساءلة بصفة دورية ومن عدة أطراف سواء مجلس نواب الشعب أو السلطة التنفيذية وكذلك الرأي العام عبر تقديم ونشر التقارير الدورية حول نشاطها وعرض نتائج التحقيق في الملفات التي تعهدت بها.وهو ما سيضمن شفافية أعمالها ويحد من السلطة التقديرية لأعضائها في تعاملها مع ملفات الفساد ويمكّنها من العمل في إطار من الحياد والموضوعية ويساهم في تلافي التشكيك في أعمالها وبناء الثقة في نزاهتها. ويتطلب ذلك أولا ضمان أطر اتصال واضحة بالهيئة لتقديم الشكايات من المواطنين. ولا يكون ذلك إلا بقانون يحمي المبلغين ويوفر إمكانية التعهد بالملفات والإجابة عليها في آجال معقولة.


-       استراتيجية واضحة وأهداف واقعية

من ناحية أخرى يجب أن تكون أهداف الهيئة واضحة وقابلة للقياس منذ انطلاقها للتمكن لاحقا من تقييم أعمالها موضوعيا. فوضع هدف القضاء على كافة أشكال الفساد ومكافحتها والوقاية منها يبدو غير معقول مقارنة مع ما تشهده تونس حاليا من ارتفاع في درجات الفساد الذي شمل كل القطاعات بدون استثناء. وهو ما يتطلب التركيز على قطاع أو قطاعين لمجابهة الفساد الذي استشرى فيها، للتمكن لاحقا من تأسيس تجارب ناجحة يمكن الاستفادة منها دون تشتيت للجهد. ويساهم في نفس الوقت في تكريس اعتقاد جديد بدأ يفقده التونسيون حاليا حول امكانية حقيقية للقضاء على الفساد عبر تجربة ملموسة.
 

-       تعاون وتكامل بين الهيئة ومختلف المتدخلين في مكافحة الفساد:

لقد بنيت علاقات اللجنة السابقة مع بقية المتدخلين في مجال مكافحة الفساد من سلطة تنفيذية وهياكل رقابية ومجتمع مدني على غياب الثقة المتبادلة. ويستوجب نجاح الهيئة الدستورية مستقبلا تنسيقا وتكاملا بين مختلف المتدخلين وتواصلا دائما بينها عبر قنوات واضحة ودائمة. ويمكن أن يكون ذلك عبر لجان عمل مشتركة لوضع استراتيجيات مكافحة الفساد والتعهد بالملفات وتبادل المعلومات بخصوصها. وهذا شرط لازم للنجاح لكنه غير كاف لتحقيقه اذ يبقى في النهاية نجاح هيئة مكافحة الفساد وثيق الصلة بصياغة رؤية سياسية ومجتمعية تؤمن شعارا وممارسة بأهمية مكافحة الفساد .

نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس 


[1]    نائلة شعبان، مكافحة الفساد والرشوة ومسار الانتقال الديمقراطي في تونس من خلال تجربة اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة.