كست كتابات جرافيتي المباني في العاصمة الليبية ما بعد القذافي. ومما تتداول كتابته هذا المبنى "ملك مقدس" لعائلة فلان أو ملك مقدس لورثة فلان. فعل الكتابة هذا ونطاقه يعد رسائل للآخر تؤشر على مشكلة في العلاقة بين العقار ومن يملكه. وهذه المشكلة  تعد تركة ثقيلة خلفتها حقبة الأفكار الثورية للعقيد معمر القذافي.  فما هي هذه المشكلة تحديدا، وكيف نشأت، وتطورت، وكيف تعاملت معها هذه الحكومات، وهل كان التعامل متناسبا وفاعلا؟
 
منذ مجيئه للسلطة عام 1969، انتهج نظام معمر القذافي نهجا ذكر أنه اشتراكي تضطلع فيه الدولة بتحقيق نظام شامل للعدالة الاجتماعية. وتحقيقا لذلك، تولّى سنّ حزمة من القوانين والإجراءات قلصت إلى حد بعيد من نطاق الملكية الفردية، وخصوصا تلك المتعلقة بالعقارات.

واتخذ التصور الاشتراكي للنظام بعدا اكثر تفردا في تصوراته مع اعلان الجماهيرية والنظرية العالمية  الثالثة التي كان الكتاب الاخضر وثيقتها الاساسية. ويعدّ القانون رقم 4 لسنة 1978 الذي صدر تطبيقا لمقولة البيت لساكنه التي تضمنها الكتاب الأخضر مصدر الاشكال المزمن الذي ورثته ليبيا فيما يتعلق بالملكية العقارية.
ا
ستهلّ القانون رقم 4 أحكامه بالتأكيد على حق كل مواطن في ملكية مسكن، ووصف هذا الحق بالمقدس، وانتهى لتقييد هذا الحق بمسكن واحد أو قطعة أرض واحدة صالحة للبناء عليها. ما زاد على هذا القدر، قرر القانون أيلولته للدولة، على أن تتولى هذه إعادة توزيع الملكيات "الزائدة" على المحتاجين، وهم كانوا في غالب الحالات مستأجريها. كان القانون رقم  4 في تقرير هذه الأحكام يترجم مقولة الكتاب الأخضر أن البيت لساكنه. على أهميته، لم يكن الجانب العقائدي هو الدافع الوحيد لسن القانون رقم 4؛ اضعاف المعارضين وكسب الموالين كان دافعا مهما أيضا.

تنفيذ القانون رقم 4 أدى إلى حرمان عشرات الالاف من أملاكهم. وفي طرابلس وحدها، يقدر البعض عدد الأملاك الخاضعة له بما يعادل ثلاثة أرباع المدينة، وهي بالمناسبة مقام ثلث سكان ليبيا. مما زاد الطين بلة، أن التنفيذ اصطحب في حالات كثيرة بممارسات فساد اعترف بها النظام لاحقا وأسماها "انحرافات في تطبيق المقالات الثورية"، من مثل الاستيلاء على المسكن الوحيد، وتمليك مساكن لأشخاص لم تتحقق فيهم الشروط التي وضعها القانون. فيما بعد، عدّل النظام القانون تشديدا تارة وتخفيفا تارة أخرى، متأثرا في ذلك بظروف خارجية وداخلية. على سبيل المثال، انتهج النظام في العشرية المبتدئة منذ عام 1986 نهجا انفتاحيا جزئيا، أرجعه البعض إلى "... الانهيارات والهزائم والانكسارات التي مُني بها النظام ... على الصعيدين الداخلي والخارجي منذ عام 1986، و... الأصوات المتعالية التي تندد بالانتهاكات التي تتعرّض لها حقوق الإنسان الليبي وبخاصة على لسان المنظمات والهيئات المهتمة بحقوق الإنسان…". كان من علامات هذا الانفتاح المحدود اتاحة المجال للملاك السابقين للجوء إلى القضاء لطلب استرجاع ممتلكاتهم العقارية أو التعويض عنها، متى شاب ايلولتها إلى الدولة انحرافا. وقد قامت محكمة الشعب، وهي التي كانت مختصة بنظر هذه القضايا، باصدار أحكام بالرد والتعويض. ولكن النظام ما لبث أن نكص على عقبيه، وحظر على القضاء قبول هذه القضايا، والزمه برفض ما كان قد قبله بالفعل، ووصل الأمر إلى حظر تنفيذ الأحكام التي كانت قد صدرت ولم تنفذ بعد (القانون رقم 11/1992 وتعديلاته).

تغييرات أهم حدثت في العشرية الأولى من القرن الجديد. حينها، وفي إطار مشروع الإصلاح الذي كان يقوده سيف الإسلام القذافي، شكلت لجنة "لاستكمال" التعويض عن العقارات الخاضعة للقانون رقم 4، وقد عرفت اختصارا بلجنة 2006 تيمنا بسنة تشكيلها. وأعطيت اللجنة اختصاص رد هذه العقارات أو التعويض عنها، وقامت حتى قيام ثورة فبراير 2011 باستلام 25.000 ملف تعويض فصلت في 8.000 منها. لم تكن التعويضات مجزية برأي الكثير من الملاك، وشهادة رئيس اللجنة ذاته، وهو ما أدى ببعض الملاك إلى رفض اللجوء إلى اللجنة أساسا، أو قبول التعويض الذي قررته لاحقا. في إطار ذات المشروع، شكلت لجنة لمراجعة القانون المدني أنتهت إلى التوصية بالغاء القانون رقم 4. وكانت حجتها أنه قد كان ضمن حزمة تشريعات عالجت حالات مؤقتة وظروفا آنية، وأن العمل بها انتهى بتحقيق أغراضها. وينبغي لذلك العودة إلى القواعد الراسخة في المعاملات كما قررها القانون المدني. كانت توصية اللجنة محاولة ذكية لايجاد مخرج مشرف للنظام يستطيع من خلاله التخلص من القانون رقم 4، ومثيلاته من القوانين الثورية، ولكن النظام لم يتبنّ توصية اللجنة. لم يكن النظام، على ما يبدو، مستعدا للوصول بمشروعه للإصلاح إلى هذا الحد. لم تكن مراجعات القانون رقم 4، إذن، كافية، وكان على الملاك السابقين انتظار تغيير حقيقي فتحت آفاقه ثورة فبراير.
 
مثل الكثيرين غيرهم من الليبيين، رأى الملاك السابقون في هذه الثورة تغييرا حقيقيا، وإيذانا بتحقق مطالبهم، والتي شملت الغاء القانون رقم 4، واسترداد ممتلكاتهم، والتعويض عما فاتهم من كسبها وما لحقهم من خسارتها طيلة عقود. ولكن لم يطل بهم الأمر لاكتشاف أن الاستجابة لهذه المطالب سيكون أبعد ما يكون عن السهولة. انتهج الملاك وسائل متعددة للوصول إلى مطالبهم. بعضهم اقتضى حقه بيده، ولكن عددا كبيرا منهم شكلوا كيانات تمثلهم أشهرها رابطة أسموها "رابطة الملاك المتضررين من حكم الطاغية"، وتواصلوا مع جهات متعددة منها لجنة 2006 ومجلس الوزراء والمؤتمر الوطني العام، واستعانوا في ذلك بوسائل متعددة منها طلب فتاوى من دار الإفتاء ابرزت مخالفة القانون رقم 4 للشريعة ووجوب الغائه. وقد أثمرت هذه الجهود تقديم رئيس لجنة 2006 مشروع قانون لالغاء القانون رقم 4 ومعالجة آثاره، وقيام مجلس الوزراء بتشكيل لجنة برئاسة وزير العدل لدراسة هذا المشروع. وفي حين حوى المشروع المعدل الكثير من النصوص المحققة لمطالب الملاك السابقين، فإنه قد أغفل المقترح السابق بالغاء القانون رقم 4، واكتفى بمعالجة آثاره. حاججت اللجنة في اغفال مطلب الغاء القانون بأثر رجعي بأن ذلك سيؤدي إلى عواقب وخيمة، فالقانون قد نُفِّذَ على مدار عقود، وقد اكتسب شاغلو العقارات حقوقا بمقتضاه لا يسوغ اهدارها، وخصوصا أن العديد منهم قد اشترى تلك العقارات ممن خصصتها لهم الدولة. لهذا، انتهت اللجنة إلى الاكتفاء بمعالجة الأوضاع التي ترتبت على القانون دون إلغائه. لم يكن الملاك، بالطبع، سعداء بهذا، وحاول بعضهم الطعن في دستورية القانون أمام المحكمة العليا، ولكن المحكمة رفضت دعواهم. على الإجمال، كان مشروع القانون محققا لمصالح الملاك، وقد كان لتواصلهم المستمر مع اللجنة، والذي وصل إلى حد حضور بعض جلساتها، أثر في ذلك. في المقابل، حرم شاغلو العقارات من هكذا ميزة. إذ لم يضم شتاتهم تجمع يدافع عن مصالحهم، ووصم العديد منهم بوصم الارتباط بالنظام السابق والولاء له، وارتضاء العيش في ملكيات "مغتصبة" بحسب مناوئيهم، وهم ما كان له، ربما، دور في سكوتهم أو اسكاتهم.
 
على كل، لم يكتب لمشروع القانون الحياة رغم استماتة الملاك السابقين في السعي لتحقيق مطالبهم. بعد تعديله من قبل لجان المؤتمر الوطني العام المتعددة، وتحوله إلى مشروع لرد الأملاك العقارية، لم يقم المؤتمر بتبنيه رغم عرضه عليه لأشهر، وعلة ذلك، كما ذكر الناطق الرسمي باسم المؤتمر، هي أن مراكز قانونية قد نشأت لصالح شاغلي العقارات، وأن اهدارها سيؤدي إلى التأثير سلبا على السلم الأهلي. لم يكن الملاك السابقون، بالطبع، سعداء بهذا، وعللوا تصرف المؤتمر هذا بضغط مارسه اصحاب المصالح في عدم إلغاء القانون  رقم 4.
 
تطورت الأمور بشكل دراماتيكي في ليبيا سياسيا وعسكريا. فبدلا عن برلمان واحد اصبح هناك اثنان: المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومجلس النواب المنتخب في طبرق، وتعدى الصراع بين المعسكرين السياسة إلى الحرب. وكما هو متوقع، تراجع الإهتمام بإرث القانون رقم 4، ولم تعد معالجته أولوية. وفي حين يبدو هذا التراجع مفهوما، فإنه لن يكون مبررا بمجرد أن تؤتي مساعي الحوار أُكُلها وتُنشئُ حكومة وحدة وطنية. فقضية الأملاك العقارية أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، وينبغي معالجتها في أسرع وقت ممكن. موضع البدء قد يكون الدستور الذي تجري كتابته حاليا، وذلك بتقرير مبدآ معالجة إرث الملكية العقارية، وأساسيات المعالجة، وتتلو ذلك صياغة قانون يلتزم تلك الأساسيات، وتشترك في مشاورات كتابته الأطراف ذات العلاقة، ومن أهمها فئة شاغلي العقارات. بالطبع، ينبغي الإستفادة في كتابة هذا القانون بتجارب الدول الأخرى، ولكن مع ملاحظة ومراعاة خصوصيات الحالة الليبية. وفي هذا الصدد ينبغي الإستعانة بمراكز الأبحاث الوطنية، وقد بدأت هذه بالفعل، بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية مرموقة، بالبحث في هذه القضية ومثيلاتها. فِعلُ ذلك مظنة لمعالجة المشكلة على نحو عادل وفعال. 
 
نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس 

[1] العبارة التاليةنقل حرفي عن محمد المقريف في مقاله عن القذافي واللجان الثورية، وفيه يبرر الانفتاح الجزئي الذي أبداه النظام، والمقال منشور في موقع ليبيا المستقبل.