مؤخرا، سرت شائعة إعلامية حول الكشف عن خلية تجسس تعمل لصالح روسيا بتونس ويتولى أعضاؤها جمع معطيات حول مواطنين تونسيين بالتواطؤ مع موظفين بالادارة المحلية. وسرعان ما تحولت هذه الشائعة الى موضوع للسخرية العامة من الادارة التونسية في مواقع التواصل الاجتماعي. فتداولت هذه الفضاءات تعليقات تتحدث عن كون الجوسسة "لحقتها عدوى"و"المدير في إجتماع" و"أعطه قهوة"و"افرح بيا". وقد أشّرت حملة السخرية هذه الى سوء تقدير المواطن التونسي لإدارته العمومية. هذه الادارة التي بات ينظر اليها كجسد بيروقراطي لا روح فيه.

تكلّس الجهاز الاداري وعجزه عن التطور أديا لتخلفه عن انجاز الأدوار التي كانت منتظرة منه. ويتناقض هذا التوصيف مع الدور الذي لعبته البروقراطية الادارية التونسية على سلبيتها خلال الحقبة التي تلت الثورة التونسية. فلم  تتعطّل المرافق الحيوية والتزم الاداريّون من موظفين وعمال بتأمين عملهم بشكل شبه تام. فكانت المرافق الإدارية التونسية عنواناً لاستمرار الدولة رغم ضعف الحكومات آنذاك ونموذجاً يجسّد تصور ماكس فيبر للادارة ذات التقاليد البروقراطية أي الادارة التي يضمن تقسيم العمل فيها "تحديدعمل وسلطة كل موظف وفقا لقواعد مسبقة ومكتوبة".

ومباشرة بعد عودة مؤسسات الدولة بما هي سلطة سياسية للتشكل والعمل، عاودت "صورة الادارة" الانتكاس لتبرز بشكل حادّ تصوّراً مرضيّاً لإدارة يغيب عنها الإانضباط وتحكمها بيروقراطية عديمة الحسّ. فتراجع الإلتزام المهني للعاملين بالإدارة وكثرت التحركات الاحتجاجية التي تؤدي للتعطيل الكامل للمرفق العام وأبرزت الديموقراطية الأمراض المزمنة لادارة يغيب عن المشرفين عليها حس المبادرة.

وقد عمق ضعف الدولة بعد الثورة أمراض الإدارة التونسية وكشف عن أمراضها المزمنة. فهذه الإدارة تشكو منذ الاستقلال من عوامل ضعف هامة من أهمّها طول إجراءات ومسالك إسداء العديد من الخدمات الإدارية وتشعبها ومركزية أخذ القرار ­وعدم ملاءمة التنظيم الإداري لمقتضيات النجاعة والجدوى فضلا عن ضعف وظيفة الرقابة الإدارية. ويتّصف النظام الإداري التونسي بتعدد الأجهزة وتشابهها وازدواجيتها، والتوسع الأفقي في الجهاز الإداري وتضخم عدد العاملين فيه، وتراجع مستويات الخدمات التي تقدمها الإدارات العامة للمواطنين. وقد زاد تطور ثقافة الفساد والمحسوبية في تعميق الأزمة بعدما سعى جانبٌ من العاملين بالادارة للتربح الوظيفي.

وقد عرفت الإدارة التونسية مصطلح الاصلاح الاداري. وكان ذلك بمناسبة برنامج الاصلاح الهيكلي الذي فرضته المؤسسات المالية العالمية "البنك الدولي" على تونس لمساعدتها على تجاوز  الأزمات الإقتصادية والتداين الذي جعل الدولة تشرف على الإفلاس. اهتم برنامج الإصلاح الاداري المعلن عنه بثلاثة مستويات، هي على التوالي تحسين علاقة الإدارة بالمواطنين والتنظيم الإداري ووسائل العمل الإداري.

لم تنجح برامج إصلاح الإدارة رغم تعدّد مقارباتها. وكان ينتظر أن تؤدي الثورة الى إصلاح أكثر عمقا في الادارة، بما كانت تعد به من إذكاء لروح الوطنية وقطع مع الفساد. لكن مرة أخرى، خابت التوقعات. فلم يكن الإصلاح الإداري ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة وتم حذف الوزارة المكلفة بالإصلاح الإداري في حركة رمزية تؤشّر على توقف برامج الإصلاح الإداري. وتجاهلت الأطراف السياسية التي تداولت على الحكم  إصلاح الإدارة. ولكنها لم تلتفت تماماً عنها اذ سعت في المقابل للسيطرة على مفاصلها من خلال إغراقها بالتعيينات الحزبية. هذا طبعا  فضلا عن إقرار برامج خصوصية للإنتداب بعد الثورة تعوّض مبدأ التناظر على أساس الكفاءة بمعايير إجتماعية، وهو ما يعدّ ضرباً لأحد أهمّ المبادئ الإدارية التي تسوس الوظيفية العمومية وهو مبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة. كما تمّ إغراق الإدارة بالتعيينات المباشرة للمنتفعين بالعفو العام أو أبنائهم وعودة كل المعزولين منها قبل الثورة مهما كانت أسباب عزلهم في بعض الأسلاك خاصّة منها الأمن. فضلاً عن ذلك، أعيد تكوين المسار المهني للمنتدبين العائدين لينالوا الخطط الإدارية على أساس التسويات. فشهدت الإدارة بعد الثورة تضخّما في حجمها وأعداد موظفيها مقابل تراجع حادّ في مردوديتها.

رغم كل هذه البرامج الإصلاحية والإمكانات البشرية والمادية التي تمّ تسخيرها لتحقيق الاصلاح الاداري قبل الثورة ورغم كثرة الحديث عن فساد الادارة وحاجتها للتطهير بعد الثورة   فإنّه يمكن الجزم بكون حديث إصلاح الادارة لم يحقق النتائج المرجوّة منه. ويفسر هذا الفشل بقصور عناصر إستراتيجية الإصلاح الإداري وعدم تكاملها وخلوّها من رؤية شمولية فضلا عن أنّ أغلب هذه البرامج كانت مسقطة وفوقيّة غاب عنها المنهج الديموقراطي بتشريك المعنيين بالإصلاح من موظفين ومواطنين فضلا عن تركيز البرامج على الأبعاد التقنية والنصوص التشريعية دون أن تعمل على الجوانب السلوكية والثقافية للموظف العمومي. فنجاعة الإدارة مسألة عقلية وثقافة قبل أن تكون مسألة تشريعات وتقنيات. وعليه، باتت هذه البرامج في أغلبها صوريّة وتحوّلت إلى مجرّد طقوس دعائيّة موظفة سياسيّا.

كما يفسر ارهاق الادارة وتطور حالتها المرضية بعد الثورة إلتفات النخب عن تصور برامج الاصلاح لفائدة شعارات الإحتجاج الثوري المفرغة من التصورات البديلة واعتبار الساسة الادارة التونسية غنيمة يجب استغلالها لفرض دوام السلطة السياسية.
 
 نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس