بتاريخ 6-5-2011، اصدر القاضي المنفرد الجزائي في بيروت غسان الخوري قرارا بابطال التعقبات التي بدأت في 2003 بحق سميرة طراد (بامكانكم تحميل الحكم كاملة ادناه) وهي مدافعة عن حقوق اللاجئين، كانت تعمل عند بدء الملاحقة في متابعة قضايا اللاجئين في اطار شركة مدنية "فرانتيرز" وتعمل منذ 2006 في اطار جمعية رواد فرانتيرز. وكانت النيابة العامة الإستئنافية قد ادعت ضد طراد على أساس المادة 386 من قانون العقوبات (ذم)، لتشويه "صورة لبنان في الخارج" من خلال الذم بالادارات العامة. والواقع ان هذه القضية جد معبرة.
فهي تشكل مثالا اضافيا على تعامل السلطة، وبالأخص المديرية العامة للأمن العام، في حقبة الوصاية السورية مع المدافعين عن حقوق الإنسان، وبوجه خاص مع اي انتقاد يوجه اليها امام المراجع والهيئات الدولية. فقد بدأت الملاحقة على خلفية وثيقتين اعدتهما الشركة: دراسة عن اللاجئين العراقيين في لبنان وأوضاعهم القانونية والإقتصادية والإجتماعية، وكتاب موجه الى مكتب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين يتضمن معلومات عن اللاجئين غير الفلسطينيين وعن نية الحكومة بترحيل 600 لاجئا عراقيا الى شمال العراق قسرا. كما تناولت التحقيقات خطابا ألقته طراد في حفل نظمته منظمة العفو الدولية في اليونسكو وركزت فيه على ضرورة احترام لبنان للقوانين الدولية.
والأدلة على حساسية السلطة ازاء هذه الانتقادات تتجلى من خلال امور عدة. فعدا ان المديرية العامة للأمن العام قامت بالتحقيق في خلفية الانتقادات الموجهة اليها، بنفسها، فإن اسئلتها تناولت ليس ما تضمنته الدراسة او الخطابات من اساءات او معلومات غير صحيحة، انما بالدرجة الأولى صحة نسبتها للشركة المدنية: وكأنما الجرم/ العيب يكمن ليس في مضمون الكلمات او في مدى صحتها انما في التجرؤ على انتقاد السلطة امام المراجع الدولية، بمعزل عن مدى سدادته، على اعتبار ان اي ذم بإدارات الدولة وبأدائها يشكل تشويها لصورة لبنان في الخارج. وما يؤكد ذلك هو ان النيابة العامة لم تجد حرجا بالإدعاء بجرم الذم ضد سميرة طراد على ضوء اقرارها بصدور الخطب والدراسة عن شركة فرانتيرز من دون اي اشارة الى مضمونها، بل ايضا من دون الإطلاع عليها طالما ان هذه الأسناد بقيت خارج الملف طوال فترة الملاحقة وحتى اختتام المحاكمة. وقد جاءت بالواقع اسناد الإدعاء مطابقة لوجهة التحقيقات الأولية: فتهمة الذم لا توضح الأفعال موضوعها، انما تندرج ضمن الأفعال الآيلة الى "تشويه صورة لبنان في الخارج". كما ان هذه الحساسية قد بدت واضحة من خلال تصرفات الأمن العام الآيلة، ليس فقط الى اجراء التحقيقات الأولية بنفسها، انما ايضا الى "معاقبة" السيدة طراد بنفسها على نحو يقارب استيفاء الحق بالذات: وهكذا ابقيت طراد موقوفة لليلة كاملة في نظارة الأمن العام تحت الجسر قبل احالتها الى النيابة العامة كما عمد المدير العام للأمن العام آنذاك جميل السيد في وقت لاحق الى انزال عقوبة ادارية بحق طراد ووكيلها آنذاك بمنعهما دخول مكاتب الأمن العام او القيام بأي معاملة لديها[1]. ولمن لا يعرف، هذه العقوبة التي ابتدعها الأمن العام (وهي غير قانونية بالخالص)، تجدر الإشارة الى انها تسمى مذكرة اخضاع، بمعنى انها تنال من اي متمرد وتهدف الى اعادة تدجينه واخضاعه.
وقد جاء الحكم ليعرّي هذه الحساسية: فإن تتضمن الدراسة ما يفيد ان ادارات الدولة ترحل اللاجئين قسرا او انها تخالف التزاماتها الدولية لا يشكل ذما. فالذم هو نسبة امر الى شخص ينال من شرفه وكرامته، وهو امر لا يتحقق اذا كان الفعل المنسوب الى الادارة (الترحيل القسري) منظما في القانون واذا كان القضاء نفسه يحكم بهذه العقوبة (وفق الحكم). ولا يغير من ذلك توصيف هذه الممارسة على انها مخالفة للشرعة الدولية: فعدا ان هكذا توصيف هو تعبير عن وجهة نظر في اطار "حرية الرأي المكفولة بالدستور والقانون"، فإن الدولة اللبنانية قد "انضمت (فعليا) الى الشرع الدولية التي تتناول هذه المواضيع". ونلحظ هنا ان المحكمة بدت وكأنها تجاوزت عد التوصيف ضمن حدود حرية التعبير، لتؤيد المدعى عليها في نقدها للإدارة. وهذا ما يتأكد من الحيثية التالية والتي جاء فيها ان السعي الى مطابقة التشريع الداخلي والأعمال التنفيذية في الدولة اللبنانية مع الشرع الدولية لا يشكل تشويها لسمعة لبنان من خلال تشويه سمعة اداراته وهيئاته، انما هو بهدف نبيل، من شأنه الحث على الإندماج والتطابق بين التشريع والأعمال التنفيذية في لبنان مع التشريعات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي انضم لبنان الى شرعتها. ومن هذه الزاوية، استحالت المحاكمة من محاكمة للمدعى عليها لذمها بالإدارة العامة الى تقريظ بوجه هذه الأخيرة التي عليها ان تحسن اداءها وصورتها، بدل التهجم ضد ناقديها الذين لا يفعلون شيئا سوى تظهير صورتها كما هي في المرآة.
ومن هذا المنظار، تستدعي هذه القضية الى الأذهان قضايا ابدت فيها السلطة حساسية مماثلة ازاء رسائل (فاكسات، خطب، كتب..) موجهة الى مؤسسات او هيئات دولية، بهدف انتقاد الادارات او فضح ممارساتها المخالفة لقواعد القانون وتوجهاته. ونذكر منها على سبيل المثال الدعوى التي تقدمت بها النيابة العامة ضد الياس ابو رزق وياسر نعمه، على خلفية الكتب والشكاوى التي وجهاها الى مكتب العمل الدولي ومنظمة العمل الدولية في 1997 للتشكي من تدخل الإدارة والأجهزة الحكومية والأمنية في مسار الانتخابات النقابية. وقد استند الادعاء في تلك القضية على المادة 297 من قانون العقوبات التي تعاقب كل لبناني يذيع في الخارج وهو على بينة من الأمر انباء كاذبة او مبالغا بها من شأنها ان تنال من هيبة الدولة او من مكانتها المالية. وقد رد القاضي المنفرد الجزائي في بيروت غادة ابو كروم الدعوى بعدما بين ان "المقصود بالإذاعة تعميم الخبر بجعله شائعا ومتاحا امام جميع الناس دون تمايز بينهم"، وأنه تاليا غير متحقق في القضية المذكورة طالما ان الكتب والشكاوى وجهت الى هيئات محددة من دون اي تعميم (الحكم الصادر في 10-11-1999، العدل 2000، 1، 145). كما نذكر قضية ملاحقة المحامي محمد المغربي الذي ادعي عليه بالتحقير (مادة 183 عقوبات) على خلفية الشهادة التي ادلى بها امام لجنة المشرق المتفرعة عن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي في بروكسيل في 2003 والتي تناول فيها ما عده انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون. وهنا ايضا، بدا القضاء حاميا للحريات: فبعدما استعرض الحكم المواضيع التي ناقشها المغربي في بروكسيل، رأى "انها تنطوي بالواقع على نقد لبعض الأمور الحقوقية في المجال العملي والتي لها علاقة بحقوق الانسان، وان هذه الأمور جميعها هي مدار نقاش دائم بين الحقوقيين، وتشكل موضوعات لندوات حقوقية تعقد بصورة دورية، وفي اغلب الأحيان بتنظيم من قبل اجهزة الدولة الرسمية، فعلى سبيل المثال، ان مسألة تنظيم السجون هي موضوع بحث دائم من قبل الحقوقيين والناشطين في مجال حقوق الانسان، والأمر سيان بالنسبة لمكافحة التعذيب اثناء التحقيقات، وكذلك الأمر بالنسبة للحرية الاعلامية، وللمبادئ الأساسية التي يجب ان ترعى عمل القضاء، وقد تطرق المدعى عليه الى هذه المسائل بموضوعية عارضا لهذه المبادئ والتي هي بالواقع من ابرز معايير المحكمة المنصفة، وفق ما جاء في الاعلان العالمي لحقوق الانسان وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وان هذا العرض، في السياق الذي ورد فيه، يخلو من اي تحقير، بل يتصف بالصفة العلمية والعملية، لا سيما انها تم امام لجنة متفرعة عن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، حيث الهدف من مناقشة هذه الأمور هو تبادل وجهات النظر فيما خصها".. ليخلص الى القول بأنها تدخل ضمن اطار حرية الرأي المكفولة دستوريا "والتي لا يحدها الا القانون والذي يقتضي ان يحدد اطارها بصورة ضيقة واستثنائية لما تشكله من ضوابط للمبدأ العام المومى به" (القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، زياد مكنا، 27-11-2008).    
اما السؤال الثاني الذي يستدعيه هذا الحكم، فهو اهميته في الظروف الحاضرة. فهل باتت حساسية الإدارة ازاء انتقادات منظمات حقوق الإنسان من مخلفات الماضي؟ ليس هذا ما توحي به الملاحقة التي باشرتها مخابرات الجيش بحق الناشط المهندس المدني اسماعيل الشيخ حسن بدعوى المس بهيبة الجيش على خلفية دفاعه عن حق الفلسطينيين في السكن (والتي انتهت بتبرئته لغياب الدليل من قبل المحكمة العسكرية بتاريخ 17-2-2011). وليس هذا ما توحي به تصرفات المديرية العامة للأمن العام في اثر المطالبة بتنفيذ الأحكام المتصلة بالإحتجاز التعسفي وبوجه خاص الحكم الصادر في دعوى يسرى العامري (عن هذا الأمر، يراجع جمعية رواد فرانتيرز، "اللجوء الى الإحتجاز التعسفي، سياسة فوق الدستور"، وقائع وتحليل، 2010).
  
نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.


[1] Observatoire pour la protection des défenseurs des droits de l’Homme / FIDH et OMCT, Les défenseurs des droits de l’Homme à l’épreuve du tout-sécuritaire, Rapport annuel 2003, Préface de Shirin Ebadi,Prix Nobel de la paix, éditions de l’aube.