من المسلم به أن من مقومات دولة القانون، التى نسعى الى بنائها، وجود قضاء مستقل ومحايد ونزيه وضمان رقابة دستورية التشريعات. ولهذا، فإن تكليف إحدى لجان الهيئة التأسيسية بمهمة إعداد مقترح في هذا الخصوص والحرص على التنوع فى تكوينها أمر يستحق التنويه به.

وقد تجسّدت أول ثمار ذلك فى تبني خيار تنظيم محكمة دستورية مستقلة عن السلطة القضائية. وهذا النهج يستحقّ التأييد، ليس فقط لأن الأحكام المتعلقة بالدستورية تلزم الكافة بمن فيهم المحاكم التى تجسد السلطة القضائية، وإنما أيضا لأن إبقاء الحال على ما هو عليه بإسناد الأمر الى نفس المحكمة التى تقوم بمهمة التعقيب، لن يفيَ بالغرض وفقا لما يجب أن يكون. فالرقابة الدستورية تكون ذات طابع قضائي وسياسي فى الآن نفسه ولا بد تاليا من تشكيل متنوّع للمحكمة. ولكن التقييم كما يكون ببيان محاسن العمل، يحتم أيضا الوقوف عند ما قد يكون فيه من نقص أو قصور أو مثالب تضعف من قيمته.

الجوانب الإيجابية فى المقترح

إضافة الى ما ألمحت اليه من توفيق اللجنة فى تبنيها لنظام الرقابة القضاِئية، يجدر أيضا التنويه بتضمين المقترح عدد من "معايير المحاكمة العادلة". وهذا أمر حسن وحتمي، لأن ليبيا اعتمدت فى الاعلان الدستوري الشريعة الاسلامية مصدرأ رئيسيا للتشريع، فضلا عن مصادقتها على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، مع ما يقتضيه ذلك من الحاجة الى تكييف نظامنا القانوني والقضائي لتلك المواثيق. ومنها، مبدأ استقلال القضاة وأعضاء النيابة العامة وعدم قابليتهم للعزل (م.1)، ومبدأ الحياد والنزاهة (م.2)، والحق فى التقاضي وفى الدفاع (م.4)، ومبدأ علنية الجلسات(م.4)، ومبدأ التقاضى على درجتين (م.5)، ومبدأ الاصل فى الانسان البراءة والحق فى محاكمة عادلة ( م.6)، ومبدأ القاضى الطبيعي ضمناً من خلال حظر انشاء المحاكم الاستثنائية (م.6). وقد تبنّت اللجنة أيضاً ضمانة هامة لتأمين استقلال القضاة وأعضاء النيابة وهي (المجلس الأعلى للقضاء) وما يتطلبه من مقومات الاستقلال الاداري والمالي (م.8). ولعلّ إعطاء التفتيش القضائي وصف الهيئة (م.14) يمثل كذلك خطوة الى الأمام بحسبانها الى الآن مجرد إدارة بوزارة العدل.

وفى ذات الاتجاه، تجدر الإشارة الى إبقاء اللجنة على نظامي المحاماة (العامة والخاصة) باعتبارهما من عناصر الخصوصية التى تميز نظامنا القضائي (م. 15-16)، ودمج ادارة القضايا والمحاماة العامة فى هيئة واحدة أطلقت عليها اللجنة تسمية (هيئة قضايا الدولة والمحاماة العامة). وهذه التسمية تدلّ على أن اللجنة لم تتخلص تماماً من مشكلة (الارتهان للواقع) ومحاولة التأقلم معه وهو ما لا يستقيم بالضرورة عند وضع مسودة لدستور جديد.

وأخيراً، أجدنى محمولا الى تأييد موقف اللجنة من القضاء العسكري حيث اعتبرته قضاء متخصصاً (م.18).

ثانيا: الجوانب السلبية فى المقترح

أبدأ بنقد بعض الخيارات ثم انتقل الى الصياغة:

أ‌-     خيارات غير موفقة

من خلال قراءة المقترح محل التقويم، يبدو أن اللجنة خانها التوفيق فى بعض الخيارات التي اعتمدتها. وأبرزها الآتية:

-       عدم مراعاة ضرورة الفصل بين القضاء والهيئات القضائية وضمان تمثيل القضاة في سياق تنظيم المجلس الأعلى للقضاء. وقد تجلى ذلك من خلال منح العضوية لرئيس هيئة إدارة القضايا والمحاماة العامة من ناحية. كما تجلى في عدم منح أعضاء النيابة نصيبهم المناسب فى التمثيل. فالنائب العام شخصية أقرب الى الشخصية السياسية رغم انتمائه الى الجهاز من ناحية ثانية. كما لم تتم مراعاة العدالة بين القضاة، حيث تم التركيز على رئاسات محاكم الاستىناف والاكتفاء بأقدم رئيس محكمة ابتدائية. والأهم من ذلك هو غياب العنصر الخارجى (أي اشراك كفاءات من خارج القضاء لإعطاء منظور مغاير باعتبار أن العدالة هي شأن عام يهم المجتمع بأسره.

-       التخلي عن مبدأ وحدة القضاء الذى يُعتبر عنصرا هاما من عناصر خصوصية النظام القضائي الليبي. فتخصيص اللجنة فصلا لمجلس الدولة يعتبر من الخيارات التى يفترض اعادة النظر فيها لأن كثيرين يعتقدون أن الابقاء على وحدة القضاء أفضل لليبيا. فهذا الأمر ينسجم أكثر مع التراث الاسلامي ومع مبدأ المساواة أمام القانون. فضلا عن أنه بالامكان الوصول الى المراد تحقيقه من خلال انشاء مجلس دولة من دون استحداث هذه المؤسسة الغريبة على نظامنا، وذلك من خلال تبنى مبدأ التقاضي على درجتين فى المنازعات الادارية بإضافة دائرة أو محكمة متخصصة فى الدرجة الأولى وتبني مبدأ التخصص القضائي. وتبقى المحكمة العليا محكمة تعقيب فى الطعون بالنقض الادارية. وهكذا نحافظ على الخصوصية مع التطوير الذى لا يرهق الميزانية العامة ونتفادى التقليد غير المفيد. وبذلك تسقط الحجة المستخلصة من أن القضاء الاداري المستقل عن القضاء المدني هي من مزايا ازدواجية القضاء. فالتخصص يتطلب أساساً تخصيص قضاة وتأهيلهم لمهامهم، وهو أمر مطلوب فى مختلف القضايا.أما بشأن إناطة إختصاصات غير قضائية بمجلس الدولة (تفسير القوانين واعداد وصياغة مشروعاتها ومراجعة مشروعات العقود...)، فهذا أمر غير مقبول: فالتفسير هو من صلاحيات كل المحاكم، واعداد مشروعات القوانين هو شأن تنفيذي. أما المراجعة فيجب ان توكل الى ادارة القانون أو القضايا أو لمركز متخصص للبحوث التشريعية والقضائية.

-       منح المجلس الأعلى للقضاء الاختصاص بإنشاء المحاكم. وقد ابتعدت اللجنة بذلك عن المواثيق الدولية المصادق عليها وقنّنت النهج الذى ساد فى العقود الثلاثة الأخيرة من الخروج على المعايير المعمول بها فى التجارب الدستورية المقارنة.

-       الابقاء على الحكم المنتقد نتاج الحقبة الفيدرالية وهو إلزامية المبادئ PRECEDENT، والذى يعني فى نهاية المطاف الحجر على المحاكم الدنيا وحرمانها من فرصة التجديد. ويلحظ أن اللجنة استحدثت إلتماس إعادة النظر فى أحكام المحكمة العليا، وهو على الارجح نتاج الارتهان لما جرى فى السنة الأخيرة.

-       تخصيص فصل للخبرة القضائية فى الدستور (م. 17): فالخبراء هم من أعوان القضاة مثلهم مثل الكتبة والمحضرين وموظفى المحاكم. وكان من الأولى ترك أمرهم جميعا للقانون ولا خطر فى ذلك.

-        التوسع فى الحصانة الجنائية (م. 3 و16 و17): وهو ما يعكس النهج الذى صار مألوفا فى العقدين الأخيرين.

-       الاشارة الى أن اعضاء السلطة لا سلطان عليهم (لغير القانون والضمير) ولفظ الضمير يجعل مهمة الرقابة من خلال محاكم الطعن على التسبيب عملا غير ممكن لان الضمير معيار شخصي يصعب التعقيب عليه وعليه يكفى اخضاعهم للقانون.
      
ب- عيوب في الصياغة

أبرز هذه العيوب والتي نجدها في كذا مادة، الآتية:

-       استخدام عبارات في غير محلها. ومثال ذلك، استخدام  أعضاء السلطة القضائية، التي هي عبارة فضفاضة. لذا فإن البديل هو القضاة وأعضاء النيابة، أي القضاء الواقف والقضاء الجالس، وذلك لتفادي سلبيات إستقبال عبارة (أعضاء الهيئات القضائية) التى نتجت عن توسيع نطاق سريان قانون القضاء الى من يعاونون القضاء فى أداء مهامه وهم ادارة القضايا والمحاماة... فالاستقلال الذى يقتضي تكريسه هو خاص بالقضاة.وينسحب سوء استخدام هذه العبارة على مواد عدة. فكأن اللجنة لم تتخلص من الواقع الذي عرفناه منذ ثلاثة عقود تقريبا والذى نتج عنه ولوج السلطة التنفيذية الى القضاء عبر هذه الهيئات التى زرعت بشكل اصطناعى فى القضاء. ومن الأمثلة على ذلك أيضا وصف المحكمة العليا أو مجلس لدولة على أنهما السلطة القضائية فيما أنهما ليسا كذلك، إنما هما جزء من هذه السلطة. وهذا أيضا ما نتبينه عند مراجعة المادة الثالثة عشرة لدى تحديد اختصاصات مجلس الدولة القضائية، بحيث جاء فيها أنها تشمل: (الطعون الادارية المتعلقة بحقوق الانسان والطعون التأديبية والطعون الانتخابية الصادرة عن دوائر المحاكم الادارية التابعة له). ويلاحظ هنا عدم الدقة لافتراض أن كل الطعون الادارية تتعلق بحقوق الانسان أو اذا فسرت على علاتها قد يفهم منها ان الطعون غير المتعلقة بتلك الحقوق لا تدخل فى اختصاصه.

-       عدم الفصل بين ما يعدّ من أسس بناء دولة القانون وما يعود للحقوق وما يدخل فى اطار تنظيم القضاء. وهو ما قاد الى الجمع بين موضوعات كثيرة فى النص الواحد، رغم عدم وجود رابط مباشر بينها. ومن الأمثلة على ذلك، ايراد مبادئ جوهرية كمنع التدخل في شؤون القضاء أو عدم جواز عزل القضاة ضمن مواد واسعة، فيما الأصل هو أن يتم صياغتها بشكل مستقل. نفس الملاحظة تنطبق على المادة الرابعة التى بعد أن تطرقت للولاية القضائية للمحاكم، أشارت الى موضوعات مختلفة وهي: حق التقاضي وحق الدفاع والعلنية، فضلا عن ضرورة الحضور الشخصي للمحبوسين، وأحوال عقوبة الاعدام، فضلا عن كيفية صدور الاحكام وما يترتب على الامتناع عن تنفيذها وهي جريمة ينظمها القانون. وهكذا يظهر من هذا النص أن اللجنة لم تفصل بين ما يعود للمبادئ وما يعود للحقوق وما يهم بناء السلطة القضائية ذاتها.

-       تضمين المشروع أمورا تفصيلية مكانها القانون. وهذا ما نقرؤه مثلا في المادة الثانية. فبعدما أحالت هذه المادة على القانون في تنظيم شؤون أعضاء السلطة القضائية، عادت لتنصّ على حظر ممارسة العمل السياسي أو الحزبي وأي مهنة أخرى خارج العمل القضائي. وهذا أيضا ما نقرؤه في المادة الخامسة حيث تم الجمع بين الحبس الاحتياطي والتقاضي على درجتين وتحديد سقف للمحاكمة وأمور أخرى تفصيلية مكانها الطبيعى القانون المنظم للقضاء. والأمر نفسه بخصوص المادة السابعة التي خصصت لأحكام تفصيلية مكانها القانون (مدة رئاسة السلطات والهيئات القضائية) مع ما فى ذلك من خلط يعكس الارتهان للواقع، ورفعت سن التقاعد الى السبعين وهو أمر لا يؤمن بتعاقب الأجيال.
    
الخاتمة

يمكننى القول بأن عمل اللجنة محل التقويم يحتاج الى إعادة صياغة تراعى قواعد الصياغة السليمة وتحافظ على الالتزام بالمعايير المطلوبة لضمان سلطة قضائية مستقلة وقادرة على حمل الأمانة (اقامة العدل وكفالة احترام الحقوق والحريات). وهو ما يتطلب التنسيق مع باقي اللجان وبشكل خاص لجنتي المقومات الاساسية والحقوق والحريات. وآمل ان تراعي اللجنة كذلك: ترسيخ مبدأ إستقلال القضاء بوصفه سلطة واستقلال القضاة بحسبانهم من يقوم بأداء العدالة مع ما يستلزمه ذلك من ضمانات والتخلص من إرث الماضي (ربط الهيئات القضائية المعاونة بالقضاء، واسناد مهمة إنشاء المحاكم الى المجلس الأعلى للقضاء) وضرورة ربط الولوج الى القضاء بمبدأ المسابقة الشفافة والمحافظة على وحدة القضاء وتنوع المحاكم وتخصصها. 

 نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس