"النص المطعون فيه يكون قد أهدر من خلال الغاء سلطة القاضي في تفريد العقوبة، جوهر الوظيفة القضائية، وجاء منطويا كذلك على تدخل في شؤونها، مقيدا الحرية الشخصية في غير ضرورة، ونائيا عن ضوابط المحاكمة المنصفة، ومخلا بخضوع الدولة للقانون". وردت هذه العبارات في الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا المصرية في 8-11-2014 والآيل الى إعلان عدم دستورية الفقرة السابعة من المادة 26 من قانون الأسلحة والذخائر. وكانت الفقرة تم تعديلها بموجب مرسوم صادر في 2012 في اتجاه منع القاضي من تخفيض العقوبة بالنسبة للجرائم الواردة في المادة 26، والتي تصل عقوبة بعضها الى السجن المؤبد والاعدام، واضعة بذلك استثناء لأحكام المادة 17 من قانون العقوبات[1].

واستندت المحكمة الدستورية الى قواعد المحاكمة المنصفة والى مبدأ استقلال القضاء للحكم بعدم دستورية الفقرة المشار اليها أعلاه. وهذا ما سنحاول تفصيله أدناه.
 
1-    تفريد العقوبة جزء من ضمانات المحاكمة المنصفة
 
فيما يخص قواعد المحاكمة المنصفة، استندت المحكمة الى المادة 96 من الدستور المصري[2] التي تنص على هذا الحق، بالإضافة الى المواد 10 و11 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والضمانات التي تترتب عليهما. وقد اعتبرت المحكمة أن مفهوم العدالة يتعلق بتشكيل المحكمة، قواعد تنظيمها، طبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها و كيفية تطبيقها من الناحية العملية. وبذلك، يتصل هذا المفهوم بصورة وثيقة بالحرية الشخصية المنصوص عليها في الدستور.

وفي إطار ذلك، أشارت المحكمة الى أن ضوابط المحاكمة المنصفة تهدف الى صون كرامة الانسان وحقوقه الأساسية، وتضمن تقيد الدولة بالأغراض النهائية للقوانين العقابية عند مباشرة سلطتها في فرض العقوبة. وهي الأغراض التي ينافيها "أن تكون إدانة المتهم هدفا مقصودا في حدّ ذاته"، ووجوب التزامها بمجموعة من القيم التي تكفل حداً أدنى من الحماية للمتهم، لا يجوز النزول عنها أو الانتقاص منها. وقد أكدت المحكمة بذلك على حق المتهمين جميعا في المحاكمة المنصفة التي تتضمنها قرينة براءة المتهم الى حين ثبوت عكس ذلك، وهو الأمر الذي غاب عن المجتمع المصري في الفترة الأخيرة، بعد اصدار أحكام من الشارع على متهمين بعينهم لاتهامهم بارتكاب جرائم تخل بالأمن العام. كما ذكرت المحكمة السلطة التشريعية بقاعدة مهمة وهي ان القوانين لا تصاغ لاثبات ادانة المتهم والسعي لهذه الإدانة، فالعقوبة تفرض لصون النظام الاجتماعي.
 
ويترتب على ذلك، وفقا للمحكمة، انه لا يجوز تعميم العقوبة على جميع المتهمين على اعتبارهم نمطا ثابتا كلهم. ف "الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها"، أي أن تكون شخصية وليست جماعية. فتعميم العقوبة يؤدي، وفقا للمحكمة، الى "افقاد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها والظروف الشخصية لمرتكبيها"، وهو ما اعتبرته المحكمة مقيدا للحرية الشخصية من دون مبرّر.
وقد ربطت المحكمة مشروعية العقوبة من زاوية دستورية بحق القاضي في ممارسة سلطته في التدرج بها في الحدود المقررة قانونا، فاذا فقد القاض هذه السلطة، فقدت العقوبة ميزتها الشخصية، وبذلك خالفت المادة 95 من الدستور المصري[3].
 
2-    الغاء سلطة القاضي في تفريد العقوبة: اعتداء على استقلال القاضي
 
اعتبرت المحكمة الدستورية أن دولة القانون المنصوص عليها في المادة 94 من الدستور المصري هي "التي يتوافر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته، ولتنظيم السلطة وممارستها في اطار من المشروعية"، وأن استقلال القضاء هو الضمانة لتلك الدولة.
 
وعليه، فان استقلالية القضاء هي التي تضمن حد السلطات من التجاوز في استخدام السلطة، وبقاء دولة القانون، فان انتقص من هذه الاستقلالية، تمت الإطاحة بدولة القانون.
 
وفيما يخص الفقرة 7 من المادة 27، اعتبرت المحكمة انها تنتقص من سلطة القاضي في استخدام الأدوات التشريعية المنصوص عليها في المادة 17 من قانون العقوبات. أي تمنع القاضي من استبدال العقوبة بعقوبة أخف أو اشد، أو الرأفة بالمتهم عند توافر عذر قانوني، او توقيف تنفيذ العقوبة. واذا تم منع استخدام القاضي لأي من هذه الأدوات، فذلك يؤدي الى غلق "الاختصاص الحصري بتفريد العقوبة المعقود للقاضي". وهو الأمر الذي اعتبرته المحكمة تعدّياً على استقلالية القاضي ويمثل نوعاً من التدخل في شؤون العدالة، لانه يسلب القاضي حريته في تقدير العقوبة، ويفقده جوهر وظيفته القضائية.
 
وبذلك تكون المحكمة قد وسعت مفهوم استقلال القاضي، فلا يقتصر استقلاله على حظر تدخل السلطة التنفيذية في عمله، أو حظر تلقيه أوامر من رؤساؤه تخص موضوع الدعوى والحكم الصادر فيها، بل يمتد ليشمل منع اعتداء السلطة التشريعية عليه. وهي بذلك وضعت نواة صلبة لا يجوز للسلطة التشريعية أن تنتقص منها، وهي سلطة القاضي في تقدير وتفريد العقوبة.
 
وقد يمتد هذا الأمر ليشمل موادّ أخرى متداولة في مصر حاليا، مثل القانون الذي يمنع القضاء من نظر قضايا تتعلق بعقود الاستثمار[4] والمطعون في دستوريته، أو ما يتم تداوله حاليا من مشروع قانون لمنع حل البرلمان المصري[5]. فهل تطبق المحكمة الدستورية العليا نفس المنطق على المواد القانونية التي تمنع القضاء من نظر قضايا بعينها؟ 
 

 نشر في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس 


[1] تنص المادة 17 من قانون العقوبات على:"يجوز في مواد الجنايات اذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجله الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة على الوجه الآتي: -عقوبة الإعدام بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. -عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة بعقوبة الاشغال الشاقة المؤقتة أو السجن. –عقوبة الاشغال الشاقة المؤقتة بعقوبة السجن أو الحبس الذي لا يجوز ان ينقص عن ستة شهور. –عقوبة السجن بعقوبة الحبس التي لا يجوز ان تنقص عن ثلاثة شهور".
[2] تنص المادة 96 من الدستور المصري على:"المتهم بريء في حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له ضمانات الدفاع عن نفسه."
[3] تنص المادة 95 من الدستور المصري على:" العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة الا بحكم قضائي، ولا عقاب الا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون".
[4] راجع منة عمر، "منع المواطنين من الطعن على عقود الاستثمار: للمستثمر الأولوية في حسابات الحكومة المصرية ولا حياة لمن يعترض"، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 17-4-2014.
[5] نشر الخبر عن مشروع القانون على الموقع الالكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 23-6-2015.