في 28-7-2015، صدر عن وزير العمل سجعان قزي قرار غير مسبوق يقضي بإنشاء صندوق في الوزارة يموّل من قبل المواطنين الذين يريدون إنجاز معاملاتهم بسرعة. وقد برر قزي قراره "بطلب بعض المواطنين إنجاز معاملاتهم بسرعة" وبوجوب التصدي للسماسرة الذين يحققون "ربحا على حساب الموظفين". والأسوأ من ذلك هو أنه اعتبر تلك "المساهمات" بمثابة عائدات مالية وضرائب من حق موظفي وزارة العمل الاستفادة منها أسوة بموظفي باقي الوزارات، واضعاً آلية لتوزيع هذه العائدات بين موظفي الوزارة وفقا لمراتبهم. ومن اللافت أيضاً هو عدم استناد القرار الى أي نص أو قانون او مرسوم ما عدا مرسوم تشكيل الحكومة.

وهذا القرار يتضمن عدداً من المخالفات، أبرزها الآتية:

أولاً، أن جني الأموال من خلال الإسراع بإنجاز المعاملات يخالف الفقرة 4 من المادة 14 من قانون نظام الموظفين التي تنص على انه يجب على الموظف أن "ينجز معاملات أصحاب المصالح بسرعة ودقة واخلاص وضمن حدود اختصاصه".  بمعنى أن إنجاز المعاملة بسرعة هي واجب على الموظف وليست "منية" أو خدمة إمتيازية لأحد. وأكثر ما يخشى من صدور قرار كهذا هو أن يشكل مبرراً وغطاء لتأخير معاملات المواطنين الذين لا يريدون أو يعجزون عن الدفع أو ربما لدفنها في الجوارير بحجة أن الأولوية هي للذين يدفعون. وفي حال حصول ذلك، يتحول القرار من قرار يعطي امتيازا للمواطن الذي يدفع، الى قرار يحجب الخدمة عن المواطن الذي لا يدفع. وما يعزز هذه المخاوف هو أن القرار خلا من تحديد مهل لإنجاز المعاملات وفق الآلية السريعة أو الآلية البطيئة، ما يفتح باباً واسعاً لعرقلة معاملات المواطنين الذين لا يدفعون.    

ثانياً، أن منح الموظفين منافع للقيام بما يتعين عليهم القيام به بفعل وظيفتهم يعدّ جريمة يصفها قانون العقوبات اللبناني بالرشوة وهي تتمثل بحسب المادة 351 بالتماس كل موظف عمومي أو قبوله لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أي منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته. ويذكر أيضا أن المادة 15 قانون نظام الموظفين قد حظرت على الموظف "ان يلتمس او يقبل توصية ما او ان يلتمس او يقبل مباشرة او بالواسطة بسبب الوظيفة التي يشغلها هدايا او اكراميات او منحا من اي نوع كانت." وبالطبع، يعد القرار في هذه الحالة أداة لفرض الرشوة على المواطنين بشكل ممنهج، ويكون الوزير في هذه الحالة شريكا في عملية الرشوة. أما إشارة الوزير الى وجود ممارسات مشابهة في إدارات أخرى للدولة، فهو بمثابة إخبار يقتضي الإسراع في التحقيق بشأنه تمهيداً لإحالة المسؤولين عنه الى النيابة العامة المالية. 

ثالثاً، أن اعتبار الوزير هذه الرسوم أو ما أسماه "المساهمات المالية" بمثابة عائدات مالية وغرامات يخالف صراحةً أحكام المادة 81 الفقرة ب من الدستور اللبناني التي نصت على ما يلي: "تفرض الضرائب العمومية ولا يجوز احداث ضريبة ما وجبايتها بالجمهورية اللبنانية الا بموجب قانون شامل تطبق أحكامه على جميع الاراضي اللبنانية دون استثناء". ويقع تصرف الوزير في هذا المجال تحت المادة 361 من قانون العقوبات التي تعاقب بالحبس لسنة على الأقل وبغرامة أدناها قيمة الردود كل موظف أكره شخصاً من الأشخاص أو حمله على أداء أو الوعد بأداء ما يعرف أنه غير واجب عليه أو يزيد عما يجب عليه من الضرائب أو الرسوم وما سوى ذلك من العوائد.

رابعاً، يشكل إعطاء الأفضلية للمواطنين الذين لديهم الامكانيات المادية لدفع علاوات إضافية مخالفة فادحة لمبدأ المساواة بين المواطنين الذي يشكل أساس الدستور اللبناني، وأي دستور ديمقراطي (فقرة ج من مقدمة الدستور). 

خامساً، على أساس كل ما تقدم، يندرج قرار قزي في اتجاه من شأنه أن يشجع الفساد. وهو اتجاه يعاكس أحكام إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضم اليها لبنان عام في 16/10/2008 والتي تلزم الدول الاطراف على اتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الفساد لا سيما رشوة الموظفين العموميين (المادة 15)، لا التدابير الآيلة الى تشجيعها.