تحت وطأة أزمة النفايات، برزت معارك على مستويات عدة. وتبدو هذه المعارك للوهلة الأولى متشعبة غير مترابطة ومن شأن إحداها أن تحجب الأخرى أو تقلّل من حظوظ نجاحها كما يحصل في حال كثرة المعارك وتشتّت الطاقات. ولكن، هل هي حقيقة كذلك؟ أم أن خوضها كلها وفي الوقت نفسه أو ضمن استراتيجية تصاعدية بات ضرورة ملحّة في ظلّ الواقع الحاضر؟ هذا هو السؤال الذي تودّ المفكرة طرحه كسؤال مركزي في عددها هذا، داعيةً الى التفكير بكيفية التنسيق بين مختلف القوى الإجتماعية الفاعلة ذات الخلفيات المختلفة لتعزيز التكامل بين هذه المعارك وتعزيز نجاحها. فما هي هذه المعارك؟

المعركة الأولى، هي معركة بيئيّة هدفت الى تحرير مناطق معينة من السّموم المنبعثة من المكبّ المتواجد فيها. وقد تجلّت هذه المعركة بشكل خاص في النّاعمة والقرى المحيطة بها. وتبدو هذه المعركة في طور التحوّل الى نموذج قابل للتقليد والتعميم في مناطق عدة. وهذا ما أظهرته اعتصامات بلدية برجا الهادفة الى قطع الطريق أمام الشاحنات الرامية إلى إفراغ حمولتها في سبلين.

المعركة الثانية، هي معركة ضد نظام الحكم وتحديداً لجبه أسسه غير الديمقراطية بما فيها من فساد ومحاصصة وتحويل الشأن العام الى ساحة لاقتسام الغنائم، من دون أي اعتبار للصحة العامة أو البيئة أو حسن إدارة الموازنة العامة أو حتى صلاحيات السلطات المحلية (البلديات). والعنوان الأساسي لهذه المعركة هو تحرّك "طلعت ريحتكم" وقد تفرعت عنه تحركات شبابية أكثر راديكاليّة تدعو الى إسقاط "نظام الأزعر".

المعركة الثالثة، وهي معركة الديمقراطية المحلية. وهي تهدف لوقف التعدّي على صلاحيات البلديّات  واستعادة حضورها ودورها وأموالها التي تخولها القيام بهذا الدور. وفيما تبقى هذه المعركة خافتةً بفعل الترابط الوثيق بين غالبية مجالس البلديات والطبقة الحاكمة، فإنّ تقاعس السّلطة المركزية عن لم النفايات، أخرج عملياً بلديات عدة عن صمتها. وبإمكان هذه المعركة أن تأخذ طابعاً مواطنياً أقلّ ارتباطا بالحسابات السياسيّة وتاليّا أكثر واقعية وربّما قابلية للإنتشار، بحيث يجدّ أبناء هذه البلديات في بناء رأي عام بلديّ على نحو يعيد الديمقراطية المحلية الى الواجهة.

أما المعركة الرابعة، وهي معركةٌ لإشراك المواطنين كافة في فرز النفايات. فبمعزل عن طبيعة النظام السياسيّ، ثمة اتفاق على أنّ حلّ مشكلة النفايات ومخاطرها يتطلّب حُكماً النجاح في إقناع المواطنين بذلك. فبقدر ما يتطور التجاوب مع الفرز، بقدر ما يخفّ عبء معالجة النفايات وتصبح البلديات قادرة على استعادة دورها. وعليه، لا نبالغ أن شعار المعركة الأكثر فاعلية وتوحيدا هو اليوم: "حيّ على الفرز". 

نشر في العدد 31 من مجلة المفكرة القانونية في لبنان