في 28-7-2015، اعتقلت القوى الأمنية في بيروت الشاب طارق الملاح أثناء مشاركته في تحركات اعتراضاً على أزمة النفايات التي تهدد أمن البلد على المستويات الصحية والإجتماعية والإقتصادية. وكان الملاح أحد الشبّان الذين اعترضوا سيارة حكومية عبرت بالصدفة. وعندما تبين لملاح أن وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس هو صاحب السيارة، اقترب من نافذتها وقال له: "أنا إلي حق عندك". وعليه، وبعد انتهاء التظاهرة، اعترضت سيارة الملاح واقتادته إلى فرع المعلومات حيث خضع لتحقيقات شابتها مخالفات كثيرة. عدة أمور تدفع إلى الإعتقاد بأن إصرار الوزير على ملاحقة الملاح كان مرتبطاً بالدعوى التي كان هذا الأخير تقدم بها ضد دار الأيتام الإسلامية على خلفية الانتهاكات، ومنها الاغتصاب المنتظم، التي تعرض له على مدى 5 سنوات، والدولة اللبنانية (وزارة الشؤون الاجتماعية) على خلفية الإهمال الفادح في تأمين سلامة الأطفال في هذه المؤسسة. وقد جاءت الدعوى القضائية بعد مسار طويل من العمل المشترك بين جمعيتي المفكرة القانونية وبدائل لمواجهة أزمة الأطفال المفصولين قسراً عن رعاية أهلهم البيولوجيين. وقد أسهم توقيف الملاح في لفت مزيد من الإهتمام العامّ إلى هذه القضية.
 
واقع الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية في لبنان:

قضية اجتماعية مهملة

28ألف طفلاً مودعون في مؤسسات الرعاية و10 آلاف طفلاً وفق تقديرات بدائل جرى بيعهم عبر التبني غير الشرعي في ظل غياب أي إطار قانوني مدني يحمي الحقوق ويحاسب المعتدي عند حصول أي إنتهاك.  

وبعد الملاحظات الواردة من الأمم المتحدة على وضع الأطفال في لبنان في 1996، قامت محاولات عدّة لتنظيم هذا القطاع لكنها لم تفلح. والسبب الرئيسي كان تمنع الطبقة السياسيةالطائفية عن مواجهة هذه المشكلة التي تشكل إحدى أخطر المشاكل الإجتماعية على الإطلاق. ومن هذا المنظار، تشكل هذه القضية إرثاً ثقيلاً لكل من تولى أو سوف يتولّى وزارة الشؤون الاجتماعية، إرثاً من الخطأ أن نستصغر حجمه أو حجم العوائق المرتبطة به.  

ومن أبرز هذه العوائق، الآتية:
-         نظام سياسي، طائفي، نفعي، ينتقص إلى الحد الأدنى من الرؤيا المستديمة، ويعتبر العمل "الخيري" جسر عبور انتخابياً،
-         تركيز العمل الاجتماعي على الرعاية المؤسساتية على حساب التدخل المجتمعي،
-         إنتشار الفقر في لبنان مما يضعف قدرة العائلات على رعاية الأطفال،
-         إستسهال التخلّي عن الأطفال عوضاً عن العمل التمكيني مع الأسرة،
-         انعدام الدراسات التقييمية لنوعية حياة خريجي دور الرعاية في لبنان.
 
صمت الضحايا وبوح ملاح

خلال السنوات الماضية، شكّل غياب الشاهد الحسّي المباشر على الإنتهاكات التي يتعرض لها الأطفال ضمن دور الرعاية العائق الأكبر في وضع هذه القضية كأولوية على الأجندة العامة.  فمعظم الضحايا صامتون لأسباب كثيرة، ومنها الخوف من سلطة لا قدرة لهم على مواجهتها. فالطفل الضحية هو على الأغلب:
-  بلا أهل ولا سند بفعل الفصل القسري غير المبرر عن الأهل البيولوجيين[1]، والعائلة الممتدة، والحي، والشارع، والمنطقة... لينقطع الطفل نهائياً عن جذوره،
-  بلا تحصيل علمي يمكّنه من تأمين مهنة وكفاية مادية بالحد الأدنى للعيش الكريم. وذلك لأن المؤسسات الرعائية، ورغم أنها تتقاضى دعماً حكومياً لتغطية التحصيل العلمي، إلا أنها قلّما تستثمر في هذا المجال،
-  بلا مهارات إنسانية حيث تُقتل الخصوصية، وتُطمس الفردية، ويذوب الفرد في الجماعة دون مساحة خاصة بفعل الاكتظاظ وغياب الرعاية النوعية والمتابعة النفسية والإجتماعية،
-  بلا حصانة فردية وذلك نتيجة "تشييء الطفل" وتحويله إلى سلعة للتبرع.
وكل ما ورد أعلاه مخالفات فاضحة لمعايير الرعاية البديلة كما حددتها الوثيقة الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2009 والتي يجب أن تكون أرضية لقياس أهلية مؤسسات الرعاية.

وقد شكّل بوح ملاح بما تعرض له في دار الأيتام الإسلامية وإعلانه عن رغبته بحماية الأطفال المودعين هنالك وما تلاه من شهادات متلاحقة عن انتهاكات حصلت في مؤسسات عدة مناسبة ذهبية لتحريك هذا الملف.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، أقرت المديرة الوطنية لقرى الأطفال SOS، خلال حلقة تلفزيونية، بتعرّض خمسة أطفال لتحرش جنسي من قبل سائق باص المؤسسة. ورغم ذلك، لم يتم تحويل السائق إلى القضاء بل جرى إقناعه بتقديم استقالته مع حصوله على حقوقه الوظيفية كافة وشهادة حسن سلوك. ولقد سبق ذلك تعرض طفلتين مصابتين بإعاقة عقلية للإعتداء الجنسي من قبل سائق الباص.
 

حدث كل ذلك في ظل صمت حكومي وحقوقي مطبق على نفس الضحايا

 وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كسر حاجز الصمت ليس خياراً سهلاً على الضحايا وذلك لعدة اسباب:
-   جنوح الناس إلى الهروب من مواجهة أمور كهذه،
-   ميل إلى تقديم مصلحة المؤسسة وبالتالي الطائفة (فلكل طائفة مؤسستها الرعائية وربما أصبح لكل متمول أوطامح بمنصب نيابي مؤسسته) على حساب المواطنين،
-   تحميل الضحية ذنب ما تعرّض له من انتهاكات، 
-   تعرض الضحايا إلى خطر ردود فعل سلبية من مجتمع ما زال ميالا الى التضامن مع القوى المهيمنة تقليدياً.
 
 
التوثيق والمقاضاة....خياران استراتيجيان

استراتيجياً، كان لا بدّ من توثيق الإنتهاكات والعمل على تعزيز قدرة المتضرّرين على المطالبة بحقهم.الخطة كانت تقتضي الآتي:

1-  التوجّه أوّلاً إلى إدارة مؤسسة الرعاية[2] حيث حصل الإنتهاك بهدف توفير الدعم التقني بما يحمي الأطفال من انتهاكات مماثلة. فلا حماية من دون توفير شروط رعائية تبدأ أولاً مع الحدّ من أعداد الأطفال المودعين وصولاً إلى اعتماد سياسة حماية تتعهد فيه المؤسسة المعنية بأن تتوكل بمقاضاة المعتدي حتى ولو كان أحد موظفي الدار، مروراً بتوفير الرعاية النوعية الفردية للأطفال والتي تمكنه من حماية نفسه عند الحاجة.
2-  العمل مع وزارة الشؤون الاجتماعية[3] على وضع قانون مدني يرعى عملية الفصل عن العائلة البيولوجية، ويحدد نوعية الرعاية البديلة وشروطها، ويرسم آلية واضحة للمحاسبة والمساءلة، على أن تتضمن إمكانية فسخ العقود مع المؤسسات التي لا تؤمن النوعية المطلوبة للرعاية.
3-  إعداد تقارير دولية رديفة حول واقع الأطفال المفصولين عن رعاية أهلهم البيولوجيين.[4]
 
صمت مريب وتصرف غير مسؤول

عمل طويل في الظل قامت به جمعيتا المفكرة القانونية وبدائل طوال سنتين، أسفر عن إعداد مقترح لمشروع أولي لقانون مدني يرعى عملية الفصل. ووجّهت رسائل عدة للمؤسسات المعنية ووزارة الشؤون الاجتماعية.

وللأسف، هذه الجهود والمبادرات اصطدمت بجدار الإنكار والرفض المريبين من قبل المراجع الرسمية. الإنكار نفسه نلقاه بعد إنتشار فيديو بصراخ الأطفال المنبعث من دار الأيتام الإسلامية.  

وكخلاصة، بالإمكان القول بأن تنكر وزير الشؤون الإجتماعية لقضية مؤسسات الرعاية والأطفال المودعين فيها، وسعيه على العكس من ذلك إلى استغلال التعرض لسيارته لإخراس الشاب الذي كان له فضل كسر الصمت في هذا المجال، هذه التصرفات سوف يوثقها التاريخ كانتهاك فادح بحق الوطن برمته.

وهي بالواقع قضية تخلى عن تحملها وزراء الشؤون الاجتماعية كافة وسوف يرثها الوزير القادم أو ربما الوزراء القادمون. ولن نملّ ولن نكلّ في المضي في قضيتنا التي تعني أكثر من 2 % من أطفال لبنان ولأن كل واحد منهم طفل ضحية لإهمال غير أخلاقي، بات طابعه الجرمي بيّنا.


نشر في العدد 31 من مجلة المفكرة القانونية  


[1]تشير الى الدراسة غير المنشورة لمركز الدراسات والأبحاث عام 2007 والتي بينت أن أغلبية الأطفال المودعين في دور الرعاية هم هناك بسبب الفقر وليس بفعل الحاجة إلى رعاية بديلة وأن كلفة تأمين خدمات معينة للطفل في عائلته هي أقل من المبالغ التي تسددها وزارة الشؤون الإجتماعية لمؤسسات الرعاية عن كل طفل لتأمين هذه الخدمات.
[2] وجهت جمعيتا المفكرة القانونية وبدائل رسالة إلى مدير عام المؤسسات الرعائية خلال شهر تموز 2014
[3] وجهت جمعيتا المفكرة القانونية وبدائل إلى وزارة الشؤون الاجتماعية خلال شهر كانون الثاني 2015،
وفي 13 تموز 2105 وجهت المفكرة القانونية وجمعية بدائل رسالة مفتوحة لرئيس الوزراء اللبناني تمام سلام لتحمل مسؤوليته في قضية الأطفال في دور الرعاية المؤسساتية
[4] أعدت جمعية بدائل تقريرا حول ضحايا الفصل القسري عن العائلة البيولوجية في إطار الجلسة العاشرة للمراجعة الدولية لحقوق الإنسان كما ساهمت في إعداد تقرير مواز لتقرير الحكومة اللبنانية قدّم الى لجنة حقوق الانسان العربية (لجنة الميثاق).