أبعد من التساؤل عن مشروعية إلغاء الطائفية السياسية أو ضرورتها، التساؤل الذي يشغلني اليوم هو عما هو أبعد من النظام الطائفي. ونقطة الإنطلاق في هذا التساؤل هي العلاقة بين النظام الطائفي والزعماء الذين انبثقوا عنه والذين باتوا رموزه ومحور الاستقطاب وربما العصبية فيه. فماذا يُؤمل أو يخشى من إلغاء هذا النظام؟ واذا كان الخطر المراد درؤه هو حدة الاستقطاب، فهل يؤدي إلغاء النظام الطائفي إلى إضعاف الزعماء الذين تفرعوا عنه تماما كما تيبس الأغصان عند قطع الشجرة؟ أم على العكس تماما، الى تعزيز المخاوف والعصبية وهي عوامل من شأنها تقويتهم، فتزداد رمزيتهم كأقطاب؟

وللإجابة على هذه الأسئلة، سأحاول إثبات أمرين إثنين:

الأول، أن وجه النظام السياسي الغالب اليوم لم يعد النظام الطائفي، انما نظام الزعامات الذي انبثق عنه (وهو ما أسميه نظام الهيبة او الكاريسما).  فتطور النظام الطائفي اللبناني ذهب في اتجاه معاكس لما طمح اليه الدستور عند وضعه ومن بعده الطائف، على الأقل لفظيا: فبدل أن يولّد قابلية لتجاوز النظام الطائفي، استغلّ الزعماء الذين يرمزون اليه نفوذهم لتحويله من نظام حام للأقليات الى نظام كاريسماتي حام لهذا النفوذ. وقد تم ذلك ليس عن طريق الاستفادة من حصص الطوائف وحسب، إنما بالدرجة الأولى عن طريق ترسيخ منظومة قانونية مستقلة من حيث المبدأ، عن النظام الطائفي وقابلة للاستمرار رغم زواله.

الثاني، أن من شأن هذا التشخيص أن يعدل الأولويات ومعها عناصر النقاش بدرجة او بأخرى: فمنطلق الإصلاح المطلوب ليس بالضرورة إلغاء النصوص الضامنة للأقليّات الطائفية إنّما بالدرجة الأولى إلغاء النصوص الآيلة الى تعزيز نفوذ هؤلاء الزعماء.

واذ تأخذ المطالبة بإلغاء الطائفيّة السياسيّة في الغالب منحى طائفيّاً (بين طوائف تتمسّك بضمانات دستورية، أهمها توزيع المقاعد النيابية بين أتباع الطوائف وترهب أي مسّ بهذه الضمانات، وطوائف باتت تضيق بها)، فمن شأن المطالبة بإضعاف نفوذ الزعامات وتاليا بتعزيز حقوق المواطنة، أن يولّد حالة وعي مواطنية عابرة للطوائف.  

ولهذه الغاية، سأسعى الى تبيان المؤشرات على هيمنة الزعماء على المساحة العامة، وتحويلها الى مقاطعات خاصة. وهذا ما سأقوم به من خلال أمور ثلاثة: الأول مخصص لتكريس نظام المقامات، والثاني للآليات المستخدمة لقولبة المؤسسات على قياس الزعماء، والثالث للآليات المستخدمة لقولبة الخطاب العام على قياس هؤلاء.

نظام المقامات: مقام القائد وهشاشة المواطن

قبل المضي في ذلك، لا بد من الاشارة أولا الى بعض الشواهد المعبرة، والتي كرست الزعامة كقيمة عليا في النظام اللبناني. ومن البارز أن هذه الشواهد قد حصلت في المنعطفات الهامة في تاريخ لبنان، مما يؤكّد على طابعها التأسيسي.

وهذا مثلاً ما نقرؤه بشكل خاصّ في قانون العفو الصادر في إثر حرب 1975-1990. فهذا القانون أعفى جميع الجرائم السياسية، ما عدا جرائم معينة أبرزها بما يعنينا الجرائم المرتكبة ضد قادة سياسيّين أو دينيّين والجرائم المحالة الى المجلس العدلي التي هي في غالبيتها الساحقة جرائم مرتكبة ضد قادة سياسيين أو دينيين. وهذا الأمر يعني أنه رأى أن جميع الجرائم السياسية، بما فيها الجرائم ضد الانسانية، تقبل المغفرة ولا يستثنى منها إلا الجرائم المرتكبة ضد القادة. وهذا الأمر اذا دل على شيء، فعلى أن القيمة العليا للنظام مستقبلا ليست الكرامة الانسانية أو الوحدة الوطنية، انما القائد. وهذا ما عبر عنه بشكل واضح رئيس المجلس النيابي آنذاك رداً على الاعتراض بأن هذا الاستثناء يمس بمبدأ المساواة أمام القانون بقوله أن التمييز جائز طالما أن القادة هم "رموز وطنية".

والواقع أن هذه القاعدة بالغة الدلالة، طالما أنها تعني أن الجرم ضد شخص هو في المبدأ معفي الا اذا ثبت أن لهذا الشخص دور قيادي، دور مسؤول في الحرب. فإذ ذاك يصبح الجرم غير قابل لمغفرة. وما يزيد هذه القاعدة بلاغة هو خلو القانون من أيّ شرط لجهة ترميم حقوق الضحايا مثلا، كأنما يعلن أن للقائد مشروعية بحد ذاته بمعزل عما يفعل أو لا يفعل فيما أن المواطن هو مجرّد تابع. وهكذا، فانّ قانون العفو لم يكرّس عفوا ذاتيّا غير مشروط (blanket) وحسب، انما قبل كل شيء تمجيداً للذات، وتكريساً لذاكرة الأبطال. 

 وبالطبع، لا يستقيم نظام المقامات بإعلاء شأن الزعماء فقط، بل هو ينعكس في الوقت نفسه على مفهوم الحقوق. وهكذا، وبقدر ما يزداد حجم الحقوق المرتبطة بالزعماء، بقدر ما يقوى نظامهم، فيما من شأن الاعتراف بأي حق بمعزل عن ارادة الزعماء، أن يسهم في فك الارتباط عن هؤلاء (في التحرر منهم) وتاليا في تعزيز احتمالات التغيير. وهكذا، لا عجب أن تتزامن مساعي النظام الى تكريس مقام الزعماء مع اطلاق ورشة هدفها رسم الوجه الآخر للميدالية: اي بناء "هشاشة المواطن"، فيسهل استتباعه. فمن مستلزمات النظام، أن المواطن لا يطالب انما يتوسل ويتضرع، وكلمة "الحق" هي فعليا العدو اللدود للحاكم، بل ربما محاولة للتطاول عليه وتهميش دوره. وبالطبع، لا يردّ على ذلك بأنّ الدولة زادت أو ضاعفت حجم الخدمات الاجتماعية. فالمنظومة المذكورة لا تعني حرمان المواطن مما يحتاج إليه، إنما فقط المراهنة على حاجته لوضع اليد عليه، لتأطيره.

وهكذا، وفي ظل قانون العفو، وفي موازاة إعلاء شأنهم، ثابر القادة على إنكار أيّ حقّ من شأنه المسّ بصورهم وعلى رأسها حقوق المفقودين والمخطوفين، بحجّة أنّ الاعتراف بحقّهم يسبّب حربا جديدة. لا بل أسوأ من ذلك، سعوا الى استغلال مآسي الحرب التي سببوها وتحويلها إلى مصدر إضافي للغنائم والقوة، كما حصل من خلال تقريش ملف المهجرين وتجريده من أي بُعدٍ قيمي واختزال المصالحات بمصالحات بين الزعماء وبأحسن الأحوال بين أتباع الزعماء.

وفي الإتجاه نفسه، أي صناعة الهشاشة، لا بأس من التوجهات النيوليبرالية لحكومات ما بعد الحرب والآيلة إلى تحجيم الحقوق الاجتماعية وعلى رأسها الحق بالضمان الاجتماعي. ومن أحدث وأبلغ الشواهد على ذلك هو قانون انشاء المنطقة الاقتصادية الحرة في طرابلس الصادر في 2006 والذي ذهب الى حدّ إعلان الحرية التعاقدية في مجال العمل: وهكذا، وداعاً للقانون الذي يحاول تعويض اللامساواة الفعليّة بين أصحاب العمل والموظّفين، وداعاً للعدالة الاجتماعية، وأهلاً وسهلاً بشريعة القوة. لا بل أنّ القانون المذكور حرر صاحب العمل من موجب تسجيل الأجراء لدى صندوق الضمان الاجتماعي شرط ان يضمن –هو- لهم حق الاستفادة من نسبة موازية للخدمات اجتماعية، على نحو يجعل مصالح هؤلاء في عهدة صاحب العمل ويولد منافسة بين الأجراء لكسب مودة هذا الأخير، على نحو يستعيد المناخ السياسي ككل في موقف نيوليبرالي جد متقدم. وفي السياق نفسه، نقرأ تراجع خدمات الضمان الاجتماعي في موازاة دور فاعل لوزارة الصحة في قبول طلبات الزعماء في تأمين الطبابة لفلان أو علان ألخ.. وكذلك تراجعت الخدمات التربوية، في ظل إهمال المدرسة الرسمية وتحويلها الى أداة للمحسوبية وللتوظيف أكثر مما هي أداة للتعليم. ولكن أيضا، التعاقد الرضائي بدل التوظيف على أساس المباراة أو المناقصة، والذي يقر دوما بغلبة المحسوبية والزبونية على الكفاءة.

بل أن النظام بدا وكأن له مصلحة في إبقاء العدد الأكبر من المواطنين في أوضاع قانونية هشة غير مستقرة، على نحو يسهل استتباعهم وربما في أوضاع الخارجين عن القانون وربما في دفعهم في هذا الاتجاه. فالحماية التي يحتاجون اليها في أوضاع مماثلة، ليست حماية القانون ضد الزعماء بل حماية الزعماء ولو ضد القانون. ومن هذه الزاوية، يصبح بناء الهشاشة مرادفا لخلق شرخ بين مصالح الناس وميولهم والقانون. وهكذا، يبقى المثليون في وضع الخارجين على القانون، في بلد تفتح فيه أماكن عامة خاصة بهم. وهكذا،  يتطور القطاع السياحي وتنتشر مؤسساته في قلب المخالفة. بل تبنى مدن صغيرة وقرى ومخيمات بكاملها على مخالفات. وكل ذلك بالطبع من دون أي حق مكتسب، وعلى نحو يخول صاحب السلطة حالما يريد نقض الواقع، مع ما يتيحه ذلك من ابتزاز واستبداد.

لا بل أن سياسة بناء الهشاشة لا تتورع عن استخدام رشوة "المواطنة". وهكذا، أوجد لبنان فئة جديدة من الناس، هي فئة "المجنسين المطعون في جنسياتهم"، يستخدمهم ذوو النفوذ في جميع الدورات الانتخابية لترجيح كفة أو أخرى. والنظام يبدو قابلا للمحافظة على هذه الفئة التي تمثّل بالنسبة اليه ربما الفئة المثلى، الأكثر ملاءمة لمصالحه. وهكذا، استغرق الأمر سنوات قبلما يكلّف مجلس شورى الدولة وزارة الداخلية بوجوب إعادة درس أوضاع المجنّسين الذين طعن بمرسوم تجنيسهم، وربما يستغرق الوقت سنوات مضاعفة لبت أيّ من هذه الملفات.  

بالمقابل، يحاول النظام صدّ أي محاولة في فك الارتباط عنه، ولو على نحو يتنافى تماما مع أبسط قواعد الانسانية والحقوق الطبيعية. ولعل الشاهد الأكبر على ذلك هو موقف النظام من محاولات بعض الجمعيات ووكالات الأمم المتحدة في إيجاد بدائل تسمح للأطفال المتحدرين من عائلات فقيرة والمودعين حاليا في مؤسسات الرعاية، بالبقاء في عوائلهم، في بيئاتهم الطبيعية، من دون أن يفقدهم ذلك حق الحصول على مساعدات اجتماعية.

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا 

نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية