هنا، سأحاول إبراز أهم الركائز التي رسخت حكم الزعماء، ساعياً في كل مرة إلى إثبات أن هذه الركائز باتت مستقلة الى درجة كبيرة عن الطائفية السياسية بمعناها الضيق. وهذا ما سأقوم به تحت عنوانين اثنين: استئثار الزعماء بالمقررات العامة، والمحاسبة.

استئثار الزعماء بالمقررات العامة:   

هنا، سأحاول أن أبيّن الركائز التي سمحت للزعماء بأن يستأثروا بالمقرّرات العامّة وأبرزها الركائز الآيلة إلى إستئثارهم بالصفة التمثيلية، فضلاً عن الهرمية ووضع الحواجز بين المحاكم والمواطنين.

الإستئثار بالصفة التمثيلية:

أول ما يطالعنا في هذا المضمار هو قانون الإنتخابات النيابية.

فيخطئ من يظنّ أن الطائفية السياسيّة هي التي تسبّب الإستقطاب خلال الإنتخابات النيابيّة. فبخلاف ما قد يعتقده البعض، كلمة السرّ الأبرز في قوانين الانتخابات ليست الطائفية، إنّما التجاذب الحاصل بين الزعماء في رسم "دوائر النفوذ"، على نحو يسعى فيه كل منهم الى تعزيز حصته على حساب الآخر.

والدليل الأبرز على ذلك، هو الإتفاق المكرر عبر العهود على إعتمادالنظام الأكثري البسيط مع مقاعد متعددة. فمع كل دورة إنتخابية، قانون جديد ينكبّ عليه عشرات الخبراء، يقترحون عشرات الأنظمة الإنتخابية، لكن يبقى النظام في منتهى المطاف هو نفسه: النظام الأكثريّ مع مقاعد متعددة. وهذا يعني أن اللائحة الفائزة أو التيار الفائز ينال جميع مقاعد الدائرة على نحو يكرس الاقطاع فيها ويعزز مخاطر الهيمنة ومعها مخاطر التهميش. ومن هذه الزاوية، يشكل هذا النظام حالة فريدة من نوعها في الأنظمة الانتخابيّة المعاصرة، حالة تتميز بإرادة إحكام سطوة الأقوى في موازاة تهميش مجمل التيارات الأقلوية من دون تمييز.

والواقع أن النظام المذكور هو مؤشر على نظام الزعامات حيث يتفرّد الأقوى بقيادة الجميع، وهو ينتمي إلى الأنظمة الاقطاعية التي محورها شخص الاقطاعي، ويشكّل من حيث المبدأ توجّها معاكسا للتّوجه التوافقيّ الذي يفترض على العكس من ذلك وضع آليّات من شأنها ضمان تمثيل جميع التيّارات وفقا لنسبة تأييدها وبكلمة أخرى النظام النسبيّ.

والدليل الثاني هو كيفية رسم الدوائر الانتخابية. فبخلاف النظام الأكثري الذي يبقى ثابتاً، يعكف مشترع ما بعد الطائف في كل دورة إنتخابية إلى إعادة رسم هذه الدوائر، على ضوء توازنات القوى بين الزعماء. والسؤال الأكبر ليس ضمان صحة التمثيل، إنما تحديد هوية أصحاب النفوذ في هذه الدوائر، بما يشبه محاصصة تميل لمصلحة هذا الزعيم أو ذاك وفقاً للظروف المحيطة. وهكذا، وبدل أن يخرج الزعيم من صناديق الإقتراع في دائرة محددة، تخرج الدائرة من قبعة الزعيم فترسم حدودها، توسّعاً (فتصبح محدلة) أو تضييقاً، وفقا لأهمية نفوذه. وبهذا المعنى، تكون الدائرة أشبه بمقاطعة لا شيء يحدّها الا قدرة الزعيم على بسط نفوذه. أما سائر الحجج والمعايير، فهي مجرد محاولات لتزيين هذا الأمر: وهكذا، لمن يملك نفوذا في دائرة مختلطة، أن ينشد الوحدة الوطنية والتخالط بين الطوائف، ولمن يملك نفوذا في دوائر ضيقة، أن يدعو الى اعتماد دوائر من لون واحد وفق مقولة البطريرك الماروني السابق مار انطونيوس صفير "لنا 64 مقعدا نيابيا نريد ان ننتخبهم نحن".

الأمر نفسه بخصوص الانتخابات البلدية، التي تجري وفق النظام الأكثري. فأن تحصل خارج القيد الطائفي لا يغيّر من واقع تبعيّة غالبيّة البلديّات للزعامات الطائفية. وقد سعى النظام حتى اللحظة الى استبعاد أي محاولة لفك الارتباط بين البلديات والمركز الخاضع لنفوذ الزعماء. فهو إما يقبض على البلدية في انتخاباتها وإما في المركز بفعل المركزية الادارية الفائقة. فبمعزل عن الحسابات الطائفية، تبقى الدولة منحازة للسلطة المركزيّة الفائقة، تبعاً لانحيازها لأصحاب النفوذ الذين يضعون اليد عليها. وهذا ما نقرؤه ليس فقط في عدد القرارات المحليّة (البلديّة) التي تشملها الرقابة المسبقة، إنّما أيضاً في إعطاء السّلطة المركزيّة هامشاً واسعاً للتأثير على موارد البلديات أو المفاضلة فيما بينها على نحو يشجع الزبونية والمحسوبية. وخير دليل على ذلك، هو كيفية التعامل مع أموال "الصندوق البلدي المستقل" وهي مجموع الضرائب التي يتم تحصيلها من السلطة المركزية لحساب جميع البلديات، تمهيداً لتوزيعها عليها. فخلافاً لتسميته، ليس لهذا الصندوق أي استقلالية ازاء السلطة المركزية التي تتولى إدارته ممثلة بوزيري المالية والداخلية. وقد استغلّت الدولة تحكّمها بهذا الصندوق للحلول محلّ البلديّات في تحديد وجهة صرف الأموال المودعة فيه. ولعلّ أشهر الإتفاقيّات في هذا المجال، الإتفاقية الموقّعة مع شركة سوكلين والتي تقاضت بنتيجتها القسم الأكبر من عائدات الصّندوق. وقد بات معلوماً أن التعاقد مع هذه الشركة قد شابه فسادٌ أدّى عمليّا الى هدر أموال الصّندوق واقتسامها بين عدد من الزعماء وفق منطق المحاصصة.

وفي الاتجاه نفسه، عمد النظام الى تحجيم سائر الأطر التمثيلية التي لا يستأثرون فيها، والتي من شأنها أن تمهد لمشاركة اجتماعية واسعة في مناقشة الشأن العام. وأول ما نفكر به في هذا الاطار، مسار المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاق الطائف، والذي يفترض أن تتمثل فيه القطاعات الاقتصادية والمهنية الرئيسية. وقد نص قانون إنشائه على أنه يعمل على تأمين مشاركة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية بالرأي والمشورة في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وقد ظهر بوضوح منذ البدء تردّد كبير في اطلاق هذا المجلس: فقد توجب إنتظار خمس سنوات لوضع القانون (1995). كما أن تحديد مهامه ذهب في الاتجاه نفسه: فهو ينظر مبدئيا في القضايا التي يحيلها إليه رئيس مجلس الوزراء بإسم الحكومة وضمن المهلة التي يحددها هذا الأخير. واذا نص القانون على إمكانية أن ينظر المجلس في قضايا إقتصادية أو إجتماعية من تلقاء نفسه، فإنه استثنى في موقف يعكس الخطوط الحمراء للنظام السائد آنذاك المسائل النقدية والمالية بما فيها قوانين الموازنة العمومية وملحقاتها. ولكن أهم من كل ذلك هو أن هذا المجلس يبقى مشلولا بشكل كامل منذ 2002.

وفي الاطار نفسه، يسجل تهميشٌ لحق المشاركة: فباستثناء بعض النصوص الخاصة بحقوق ذوي الحاجات الخاصة أو الأطفال، لا نجد أطرا قانونية ضامنة لاشراك هيئات اجتماعية في مناقشة المقررات العامة كأن يتم اشراك الفئات الاجتماعية في اللجان النيابية أو ما شابه.
وفي الاتجاه نفسه، تم تعديل قانون الجامعة اللبنانية لاخراج ممثلي اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية من مجلس الجامعة (1991) بعدما فرضها التحرك الطلابي في (1972). وبالطبع، قد بدا هذا الأمر مسوغا بفعل تفريع الجامعة وتجزئة الطلاب الى حلقات تدور في أفلاك الزعماء. 

الهرمية الفائقة داخل الادارات العامة:

الأمر الثاني، والذي يعبّر هو الآخر عن إنحياز الدولة الى أصحاب النفوذ، فقوامه الهرميّة المستحكمة داخل الإدارات العامّة والقضاء والتي تضمن هيمنة الزعماء عليها وهي الأخرى لا تتصل مطلقاً بالطائفية.

ففي الادارات العامة، تخضع الدوائر إجمالا لمن يرأسها الذي يخضع بدوره لمن يرأسه، من دون أن يكون هنالك أي تنظيم جماعي للموظفين العموميين. وما يزيد الهرمية حدة هو تقييد حريتهم في التجمع والتعبير تحت شعار "موجب التحفظ". فبعد حظر الإشتغال بالسياسة أو الإنضمام الى الأحزاب السياسية أو المنظمات (1953) وحظر تنظيم العرائض الجماعيّة المتعلقة بالوظيفة أو الاشتراك في تنظيمها وحظر الاضراب والانضمام الى نقابات مهنية (1964)، حظر القانون في 1992 على الموظف أن يلقي أو ينشر بدون اذن خطي من رئيس دائرته، خطبا أو مقالات أو تصريحات أو مؤلفات في أي شأن كان. وما يزيد حدة هذه الهرمية، هو اللجوء الى التعاقد، دون أيّ ضمانات لجهة الاستقرار الوظيفيّ، مما يؤدي حكماً الى تجريد العاملين في المجال العامّ من أيّ ضمانة لجهة استقرارهم المهنيّ. والأمر نفسه بشأن الترفيع والذي يبقى وقفاً على الرئيس الاداريّ.

وتتحكّم الهرمية أيضاً في القضاء. وهذا ما يتم بشكل خاص عن طريق مجلس القضاء الأعلى الذي يتولى عموما المسار المهني للقاضي، وعلى رأسها وضع مشروع المناقلات والتشكيلات القضائية والتي غالبا ما تستخدم لمكافأة قاض أو معاقبته أو رفع يده عن ملف، من دون أن يكون له أيّ ضمانات بعدم النقل. كما تُستخدم لتعيين أشخاص يُوالون الزّعماء في مناصب قضائيّة تهمّهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الحكومة هي التي تعيّن مباشرة أو غير مباشرة 8 من أعضاء المجلس المذكور البالغ عددهم 10، مما يجعل المجلس ممثّلاً لها ولمصالحها أكثر مما هو ممثّل للقضاء. وتبعاً لذلك، بإمكان السلطة السياسية أن تتدخل في القضاء وأن تفرض إرادتها في عدد من مراكزه من خلال مجلس القضاء الأعلى الذي يصبح بمثابة ذراع لها داخل القضاء. ومن شأن هذا الأمر أن يعزّز ثقافة التدخّل في القضاء على حساب ثقافة استقلاليته، وأن ينقل حماية المواطنين من المخاطر من المرجعية القضائية الى مرجعية الزعماء المتحكمة بالقضاء.

وما يصحّ بشأن القضاة عموماً، يصحّ بشكل خاصّ بخصوص النيابات العامة التي تخضع لمبدأ التسلسل الهرمي، التي تخضع عملياً جميع العاملين في النيابات العامة للنائب العام التمييزي.   

وما يزيد الأمر سوءاً هو أنه ليس للقاضي أيّ حق بالمشاركة، ولو على سبيل إبداء الرأي، في إدارة أيّ من المرافق القضائية. كما أنه يبقى خاضعاً وفق وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى لموجب التحفظ والمحظورات المذكورة أعلاه. وهكذا، وبخلاف الحال في معظم الدول الأوروبية أو أيضا بعض الدول العربية، ليس للقضاة اللبنانيين أي تنظيم وطني.

تهميش مجالات الديمقراطية المباشرة: محاولات نحو بناء متاريس بين العدلية والمجتمع:

فضلا عن الآليات المذكورة أعلاه، فإن النظام يعمل جاهدا على الحدّ من امكانيّات إتخاذ قرارات ذات أبعاد عامة، من خارج المؤسسات التي يستأثر بها أو على هامشها. فبخلاف التوجّهات العالميّة الآيلة الى الإعتراف بالدور الريادي للقاضي في تطوير القوانين والتوفيق فيما بينها، يبدو النظام شديد الحساسية في تحديد وظيفة القاضي بخدمة القانون، مع موقف متشدد إزاء أي محاولة منه في التوسع في تأويل النصوص أو تجاوزها. وهكذا، وفي موازاة الخطاب الآيل إلى إخراس أي نقد للقضاء تحت غطاء هيبة القضاء، لا تجد السّلطة حرجاً في تأنيب أيّ قاض قد ينصف طفلاً أو امرأة خلافا لتوجهها. والمثل الأبرز في هذا الشأن تمثل في الردود على الحكم الصادر عن محكمة بداية المتن في 2009 بشأن حق المرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لأولادها المولودين من أب غير لبناني. وهكذا لم يتردد نائب في عقد مؤتمر صحافي للتنديد بهذا الحكم، والتحذير من مغبته، وكأنه كساندرا تبشر بقرب حرق طروادة (مقالي منشور في الأخبار، القاضي اذا اجتهد، 23-9-2009). وما يزيد  الأمر حدة، محاولات السلطة في الفصل بين العدلية والمجتمع. ففي موازاة موجب التحفظ (وما فيه من قمع لحرية القضاة)، تجهد نقابة المحامين في بيروت على إصدار تعاميم بمنع المحامين من ابداء اي تصريح بشأن الدعاوى العالقة امام القضاء، سواء أوكلوا أم لم يوكلوا بها.     

وبذلك، كأنما النظام يسعى الى إختزال التفكير الحقوقي بالقانون الذي تضعه المجالس التي يستأثر بها، كأنما يسعى الى تجريد قصور العدل من أي دور ريادي فاعل في المجتمع، والى تحويل القضاة الى شهود زور يطبقون دون أيّ حسّ نقديّ النصوص القانونية مهما شابها من إجحاف، وفي مطلق الأحوال الى اغلاق أحد أهم المنابر، منبر القضاء. فيبقى كم كبير من مظالم المجتمع، مظالم الناس منسية مستورة.. خلف جدران هذه العدلية، التي تصبح شبيهة بالجدران التي تخفي أحياء الفقر.

المحاصصة والمجاملة كبديل عن المحاسبة والضبط:

هنا، يبدو مبدأ فصل السلطات هو الغريم الأول للنظام السائد. فالسلطات في لبنان تنقسم كما سبق بيانه بين الزعماء وليس بين المؤسسات، ضمن نظام لا يأتلف مع المحاسبة. وتاليا، ما هي آلية التعايش الأكثر ملاءمة لإدارة الشأن العام؟ يبدو الجواب البدهي: التوافق، المحاصصة، المجاملة...
ومن الطبيعي اذ ذاك أن يتم تنصيب بعض الشخصيات التوفيقية المرنة يكون دورها تجميل النظام وتدوير الخلافات والمحافظة على توازنات معينة بين مصالح  الطبقة السياسية ومآربها. فيصبح خطابها مثالا عن الخطابة التي لا تتورع عن قول الشيء ونقيضه في سبيل المحافظة على رضى الفرقاء كافة وفي سبيل منع أي تهجم ضد اي من اصحاب النفوذ.

كما من الطبيعي تعطيل أجهزة المحاسبة أو تحجيمها أو ايضا أن يتم تحويلها الى أجهزة تضمن حسن تطبيق المجاملة بين الفرقاء كافة. ومن هنا رواج مقولة "الأمن بالتراضي" أو أيضا، - ولمَ لا؟ - العدل بالتراضي.   

وفضلا عن المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذي لم ينعقد قط لمحاسبة أي منهم، فإن أبرز الشواهد في هذا المجال هو المجلس الدستوري، أي المجلس الذي يفترض به أنه المجلس الوحيد القادر على ضبط أعمال الطبقة السياسية، وتحديدا أعمال البرلمان، على نحو يضمن تلاؤمها مع الدستور.

والاشكالية هنا لا تكمن فقط في كيفية تعيين أعضائه مناصفة من قبل البرلمان والحكومة، بل أيضا في نزعة كل عهد أو برلمان جديد الى ادخال تعديلات على نظام المجلس على نحو يؤدي الى تطويعه، أو حتى الى التملص من الأعضاء الذين تم تعيينهم من قبل. وهكذا، خفض في بداية عهد لحود الأكثرية المطلوبة لاتخاذ قرار بابطال الانتخابات النيابية من أكثرية سبعة اعضاء الى الأكثرية النسبية بما يولي الأعضاء المعينين من لحود (النصف) قدرة الحسم. كما أن حكومات ما بعد الانسحاب السوري لم تتردد في وضع قانون أول لتجميد عمل المجلس الدستوري ومن ثم قانون ثان لتطهير جميع أعضائه. لا بل أن جلف الزعماء ذهب الى اظهار أعضاء المجلس (الذين يفترض أنهم يصونون مبادئ النظام في مواجهة مآرب الطبقة السياسية أو حتى الغرائز الشعبية) كمن يبحث عن وظيفة وذلك حين فرضوا عليهم تقديم ترشيحاتهم بل أيضا فيما بعد الخضوع لجلسات استماع (تم الغاؤها لاحقا). وهكذا، وتبعا للدوحة، تداول الاعلام أسماء أعضاء المجلس وكأنه يرسم معالم المحاصصة بين الزعماء (6 للموالاة و3 للمعارضة وواحد لرئيس الجمهورية) دون أن يعترض أي من الأعضاء المعينين على تصنيفه في هذه الخانة أو تلك. 

نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية