مشروع "أن نرسم بيروت من روايات مستأجريها" هو مبادرةٌ لمناقشة إمكانيات السكن في بيروت، وفهمها ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي.

في هذا المشروع لأستوديو "أشغال عامة"، نركّز على تجارب المستأجرين/ات القدامى في تأمين السكن في بيروت، وعلى المحاولات المستمرة لإخلائهم/ن، سواء عن طريق قانون الإيجار الجديد، أو من خلال عمليات وضغوط السوق العقاري. فمنذ صدوره في شهر نيسان 2014، أطلق قانون الإيجار الجديد سلسلةً من النقاشات حول الحق في السكن، وكان بمثابة أداةٍ رمزيةٍ لممارسة المزيد من التهميش والعنف الاجتماعي والنفسي على المستأجرين/ات القدامى. وأشارت تقارير عدّة أن الجهات الرئيسة الفاعلة في صياغة قانون الإيجار الجديد، والمستفيدة الأولى من عمليات الإخلاء، هي حفنةٌ من المستثمرين والمطوّرين العقاريين الذين لطالما لاقوا الدعم من السلطات العامة والمحلية.

وفي ضوء الواقع المذكور، يهدف هذا المشروع إلى إعادة صياغة النقاش حول قوانين الإيجار والسكن، وطرح وجهات نظرٍ جديدةٍ انطلاقاً من مفهوم الحق في المدينة، من أجل مواجهة الضغوط القائمة، وإيجاد مساحةٍ لمناهضة السياسات المدينية الحالية.

يتألف المشروع من ورش عمل تتوجّه مع مجموعةٍ من الشبان والشابات، نخوض من خلالها تجربةً جماعيةً في البحث الميداني وفي النقاشات التي تعقبه. في ما يلي بعض نتائج ورشة العمل الأولى الخاصة بمنطقة طريق الجديدة.

للمزيد من المعلومات: www.publicworksstudio.com
 
خريطة الإخلاء والأبنية المهددة بالهدم في طريق الجديدة

يسكن في طريق الجديدة اليوم حوالي ربع مليون نسمة، معظمهم من المستأجرين القدامى.

لقد خضغ النسيج العمراني القديم لطريق الجديدة الى التحوّلات المدينية التي طرأت على بيروت بكاملها. من خلال اختيار حيّ ضمن المنطقة وإجراء عمل ميداني فيه، نرى أن %25 من مباني الحيّ تم هدمها واستبدالها بأبراج جديدة بعد العام 1992: السنة التي تم فيها صدور قانون بناء أدى إلى زيادة الحد الأقصى المسموح به لارتفاع المباني في بيروت. العام الذي انطلقت معه مرحلة جديدة لإعمار المدينة بعد الحرب مرتكزة على الاستثمار وتجارة العقارات.

تحدّد هذه الخريطة الشقق والأبنية التي تم ويتم إخلاؤها في هذا الحيّ ضمن طريق الجديدة. معظم المهددين بالإخلاء هم من المستأجرين القدامى، ولكن عملية الإخلاء هذه لا تقتصر عليهم. فبعض المستأجرون الجدد كما المالكون القدامى معرّضون أيضاً للإخلاء. من جهة، يعاني المالكون القدامى من مشاكل الورثة، نتيجة لضغوطات السوق وقوانين البناء وارتفاع أسعار الأراضي في بيروت، هم يتخلون عن سكنهم وبيع المبنى الى مستثمر. من جهة اخرى، يعاني المستأجرون الجدد من عقد "الإستثمار" الذي يشرع الإخلاء بعد ثلاثة سنوات من السكن اذا كان المالك يرغب بذلك، وفي الكثير من الأحيان تكون الغاية من الإخلاء هي هدم المبنى.

قام بالعمل الميداني المشاركون في ورشة عمل «أن نرسم طريق جديدة من روايات مستأجريها»، وهم: 

ألينا عويشق، دنيا سلامة، زياد قبلاوي، ريما حلاب، مريم حجّار، موهانا نصّور، علي رشيد، خليل حريري، مريم الأمين، تالا عزام، جاد بعقليني، حنين غطاس.
  
مقابلة مع أحد السكان القدامى
علي رشيد

ها أنا اليوم أدخل الى منطقة الطريق الجديدة مجدداً. هذه المرة أدخل وفي مخيلتي صورة رسمَتها امرأة مسّنة التقيت بها في عمل كان يتطلب بحثاً ميدانياً. توجهت الى المبنى الذي يتجاوز عمره ستين سنة والذي يعده القاطنون في الحيّ من المباني الأساسية في هذه المنطقة. فتحت بوابة المدخل الحديدية وسمعت أنين الباب الذي يعاني من الإهمال على مرّ الزمان. خطوتُ داخل البهو لأمشي على الماء وأسمع خريرها، فالخزانات معطلة والماء تهدر على الأرض, والمدخل مكتظ بمستوعبات الحديد وشرطان الكهرباء التي تتداخل مع بعضها، بالإضافة الى هذا الإحساس بالبرودة التى تتسبب بها الرطوبة العالية التى تكاد أن تختنق من شدتها.

وصلتُ أمام الباب وقرعتُ عليه، وبرحابة صدر استقبلتني. هي امرأة في عمر الستينات تجاوز تاريخها في هذا الحيّ الخمسين عاماً. فهي وُلدت هنا في هذه المنطقة في منزل يبعد أمتاراً قليلة عن مسكن زواجها ويواجه مسكن جدتها التي تكلمت عن ذكرياتها معها وهي تتبسم في كل مرة تذكر فيها كم كانت محظوظة لأنها ترعرعت في هذا الحيّ.

طلبت مني الدخول لنكمل الحديث واعتذرت عن فقر منزلها قائلة: "هو كذلك، فنحن أبناء هذه الجدران وهذا الحيّ رغم فقرنا وأحوالنا التي نعيشها اليوم. أتعلم، لو أعطيتني مسكناً على البحر لقلت لك لا، فأنا لا أنكر جميل المنطقة عليّ".

نظرت حولي على الجدران التي علقت عليها بعض اللوحات البسيطة وتمعنت في الأثاث الذي يعبّر عن الذوق البسيط الذي نرى تاريخاً في تصاميمه. يتألف هذا البيت من ثلاث غرف، تسكن فيه هي مع زوجها الستيني وابنتها بالإيجار القديم. كانت تتردد الى الحيّ منذ طفولتها بسبب وجود بيت جدتها هنا. وعند زواجها، انتقلت مع زوجها الى ليبيا، ومن ثم عادوا الى لبنان وسكنوا في طريق الجديدة منذ 35 عاماً.

تشير الى أنها عاشت أجمل أيام طفولتها بين منزل والدها وجدتها. ولو اضطرت الى ترك بيتها، "سأبحث جاهداً لأجد مسكناً في الطريق الجديدة رغم أني أعلم أنه لا قدرة لديّ على الإيجار الجديد. مالك المبنى من أقربائنا وأولاده كانوا مع ابنتي في ذات المدرسة. وجميع الأقرباء يسكنون من حولنا: أختي وأخت زوجي وأخ زوجي." وتروي أن زوجها كان رئيس لجنة البناية وأنه حاول إصلاح ما قدر عليه. ولكن القدرة كانت محدودة. أما البيت، فهي تغيّر فيه حسب الحاجة، ولكنها تحاول أن لا تدفع عليه كثيراً لأنه مهما حصل سيبقى المنزل ملكاً لآخر.

وصاحب الملك يمارس لعبة "ضربني وبكى وسبقني واشتكى". فهو يمتنع عن أخذ الإيجار لكي يوقعهم بفخ المحاكم متأملاً أن يتمكن من الحصول على أكبر فائدة ممكنة. حتى أنهم لم ينكروا حق المالك الأساسي ولكنهم عاجزون عن تحمل عبء السكن.

بشق آخر من المحادثة وضعت فرضية الإخلاء بين السطور. وإذ بها تجيبني بتأثر شديد: "لا مجال أن نسكن في بيروت. فمثلما فعل غيرنا، قد نذهب الى المناطق التي تتدنى فيها بدلات الايجار، فالكثير من أهلنا وأصحابنا تركونا وذهبوا الى مناطق مثال بشامون وعرمون." وهنا تدرك أنّ المدينة لم تعد ملكاً لمن لطالما سكنها؛ فهي أحت ملكاً خاصاً لذوي الدخل المرتفع. وعند نهاية المقابلة طلبت منها جملة أستطيع الإرتكاز عليها في موضوعي، فقالت لي: "أليس لدي الحق أن يكون عندي منزل؟ ألستُ من المواطنين؟" هو حق السكن وحقوق تُهدر وتُخفى بين الأوراق.

للاطلاع على الخرائط اضغط/ي على الروابط ادناه

نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية