في 17-7-2015، بدأت أزمة النفايات بعدما انتهت عقود سوكلين وأُغلق مطمر الناعمة. وكانت الحكومة كلّفت مجلس الإنماء والإعمار إجراء مناقصات في ستّ مناطق خدماتيّة في لبنان، ولم تكن إجراءات المناقصات قد تمّت بعد. وفي 24 آب، أُعلنت نتائج المناقصات، ليتمّ إبطالها في اليوم التالي تحت وطأة الحراك الشعبي. ولا تزال أطنان من النفايات مكدّسة حتى اليوم في الشوارع مع نيّة واضحة للسلطة بكسب الوقت وبابتزاز الناس بصحّتهم وبيئتهم لفرض حلول الأمر الواقع، على غرار ما حصل طوال العقدين الماضيين. وفي ظل هذه الأوضاع، تنحّى وزير البيئة محمد المشنوق عن ترأس اللجنة الفنية الخاصة لمعالجة النفايات ليحلّ محلّه وزير الزراعة أكرم شهيب.

 وفي  4أيلول 2015، نشرت هذه اللجنة ما سمي خطة شهيب، في مسعى إلى الإيحاء بجدية الدولة في وضع حلول للأزمة. وقد تضمّنت الخطّة مرحلةً انتقاليّة غير بيئيّة، مدتها ثمانية عشر شهراً. وتؤشر بنود هذه المرحلة بالواقع إلى استمرار ما هو سائد، بحجّة أنه ليس هنالك من حلًّ آخر. وبعد انتهاء هذه المدة، يبدأ وفق الخطة ما سمي بمرحلة الحلّ المستدام الذي يقوم على اللامركزية في معالجة النفايات ومراعاة المعايير البيئية. وعند التدقيق فيها، تبدو خطة شهيّب إلى حدٍّ كبير مزيجاً من تسليم بالأمر الواقع إيذاناً باستمراره من دون إيلاء أي اعتبار للماضي، ووعود بمستقبل وردي أتت مجردة عن أي خطوات تحضيرية.  

وقد أبدى الحراك الشعبيّ ملاحظاته على هذه الخطة وعلى مقررات مجلس الوزراء الصادرة في 9-9-2015 في بيانه الصادر في 12-9-2015. ثم ألحقها بخطة بديلة إظهاراً لإيجابيته في 28-9-2015. وتعمل المفكرة هنا على تحليل الأساليب المستخدمة في إدارة هذا الملف من قبل السُّلطة.  

خطة الأمر الواقع؟

يمهّد إعتماد مفهوم المرحلة الإنتقالية عمليّاً لفرض نفس الأساليب غير البيئية المعتمدة سابقاً. فهو يسوّغ إعادة التعاقد مع نفس الشركة المتورطة بالفساد طوال عقدين (سوكلين وأخواتها) لمدة 18 شهراً. كما يبرّر الاستمرار بسياسة المطامر، أي الاعتماد بوجه خاصّ على طمر النفايات لمعالجتها.

وتصور هذه المرحلة على أنها حتمية نتيجة اعتبارات عدة:

(1) أن المخزون المتراكم من النفايات منذ 17-7-2015 بات بأوضاع من التخمر يصعب معه الفرز اليدوي المباشر، مما يحتّم طمره،
(2) أنه لا يوجد حتى اللحظة إلا مطمر واحد هو مطمر الناعمة فيما جميع المطامر المزمع إنشاؤها تحتاج إلى فترة تأهيل، مما يبرر إعادة فتح مطمر الناعمة لاستيعاب المخزون الذي قدرته اللجنة آنذاك بحوالي 70 ألف طن،  
(3) أن معامل الفرز المتوفرة لا تكفي لمعالجة النفايات المنتجة يومياً، وأن المواد التي يتم إعادة تدويرها لا تتجاوز 10% من النفايات، 
(4) أن البلديات تحتاج إلى أمد زمنيّ كي تكتسب المؤهلات البشرية والمادية لتأمين خدمة كنس النفايات ولمها وربما معالجتها بمفردها أو بالإتفاق مع بلديات أخرى،
(5) أن الشركات المشغلة هي الوحيدة المجهّزة لتلبيّة حاجات بيروت وجبل لبنان بانتظار تطوير جهوزية البلديات المعنية أو إجراء مناقصات لاعتماد شركات بديلة في المناطق الخدماتية المزمع إنشاؤها.

وبكلمة أخرى، وبنتيجة هذه الإعتبارات، بدت الخطة حتميّة بكل ما يتصل بالمرحلة الانتقالية: وتالياً، ثمة ضرورة بفتح مطمر الناعمة لسبعة أيام خلافا للوعود السابقة بإغلاقه نهائياً، وذلك بانتظار تأهيل مطامر أخرى في عكار والبقاع مع احتمال تأهيل مطمر برج حمود. كما ثمّة ضرورة أن يُمدّد العقد مع الشركة المشغّلة، أقله فيما يتصل بكنس النفايات ولمها وجمعها لمدة ثمانية عشر شهراً، بانتظار أن تصبح البلديات جاهزة لبدء العمل بالخطة المستدامة.

ونستعرض في الجدول أدناه أهمّ العناوين التي بدت حتميّة. وقد عمد الحراك الشعبي وخبراء آخرون إلى اقتراح بدائل جديّة عنها، بدائل آثرت اللجنة الفنية استبعادها وإسقاطها عند طرحها من دون أي تعمق في التدقيق. وللوضوح، نبين أدناه العناوين المقترحة إلى جانب البدائل الجدية عنها.

 
 خطة شهيب لا إمكانية لفرز النفايات المتراكمة فتح مطمر الناعمة ضروري سياسة المطامر ضرورية، فمراكز الفرز والتسبيخ غير كافية بلديات غير جاهزة
لتقديم خدمة لم ومعالجة النفايات
لا شركات بديلة عن شركة سوكلين
البدائل (وبعضها ورد في الخطة البديلة للحراك الشعبي) الإختمار الهوائي أو غير الهوائي فضلاً عن إمكانية التخزين بطرق عدة. على أن يتم الفرز أو الطمر لاحقا. لا حاجة لمطمر كبير تبعا للفرز. ويمكن طمر العوادم في الأماكن المشوهة. معامل الفرز في الكارنتينا والعمروسية كافية لمعالجة نفايات بيروت وجبل لبنان.
وبالامكان تعزيز قدرات التسبيخ والفرز خلال أشهر قليلة.
لبلدية بيروت وبلديات عدة في جبل لبنان إمكانيات هائلة، وخصوصاً في حال تحرير أموالها في الصندوق البلدي المستقل. في حال إعلان حالة الطوارئ، يمكن إلزام الشركة بتقديم خدمات معينة لحاجات السلامة العامة.
 
 
مدة الفترة الإنتقالية، هذه المدة الفارغة

أهمّ الاعتراضات التي قدمتها الخطة البديلة للحراك الشعبي تمثّلت في غياب الحاجة إلى فترة انتقالية بطول 18 شهراً. كما أن الحراك انتقد غياب الخطوات التحضيرية خلال هذه الفترة والتي من شأنها أن تقود تدريجياً إلى الحلّ المستدام. فأتت المرحلة الانتقاليّة وكأنها في حال انفصال عن المرحلة المستدامة، وكأنما المطلوب هو الإنتقال الفجائي من سيّاسة المطامر إلى سيّاسة الحلول المتكاملة.

وعلى نقيض ذلك، سعى واضعو الخطة البديلة للحراك إلى دحض الحاجة إلى هذه المدة للوصول إلى حلّ بيئيّ متكامل. وعليه، بيّن هؤلاء أن معالجة النفايات في لبنان هي أبسط مما يعتقد وأن تظهيرها على أنها جدّ معقّدة إنما هو تهويل يهدف إلى تبرير تضخيم كلفة النفايات، وصولاً إلى الاستيلاء على المال العامّ.

ولإثبات ذلك، توسعت الخطة البديلة في تظهير كيفية تكوّن النفايات في لبنان، على النحو الآتي:

-        35% قابلة للتدوير (3% من المعادن، و5% من الزجاجيات، و12% من المواد البلاستيكية، و15% من الورقيات). وهذه المواد تلبي حاجات ملحة للصناعات القائمة في لبنان بحيث توفر عليها أكلاف استيراد المواد الأولية ونصف المصنعة.

-       55% مواد عضوية قابلة للتسبيخ (محسّنة للتربة). ومن المعلوم أن عمليات التسبيخ، ومتى كانت مواده الأولية خالية من المعادن والزجاج والبلاستيك، تصبح أكثر سهولة لأن المواد العضوية تفقد نسبة كبيرة من حجمها (75%) ومن وزنها (55%) وتصبح بالتالي بحاجة لمساحات أقل بكثير وتنتج سباخا أجود نوعية بكثير.

-       10% مواد متفرقة تعتبر من العوادم (أحذية، أقمشة، جلديات...). وهي نفايات من الممكن أن تستخدم لإعادة تأهيل الأماكن المشوهة كالكسارات. وفي هذه الحالة، وبدل أن تسبب معالجة هذه النفايات كلفة على الدولة، فمن الممكن نقل كلفة طمرها إلى أصحاب الكسارات الملزمين بترميم الأماكن المشوهة.
 
والأهم من ذلك هو أن الخطة بينت أن معامل الفرز المنشأة حاليا في لبنان تكفي بشكل كبير لمعالجة النفايات. فهي تضمّ الى جانب معملي الكرنتينا والعمروسية (وطاقتهما 3000 طن يومياً) عدداً من المعامل الأصغر حجماً في مختلف المناطق (وطاقتها تقارب 1500 طن يومياً). وبامكان هذه المعامل أن تبلغ ما يقارب نسبة 90% ما بين تدوير وتسبيخ كما سبق بيانه. وبالطبع، تزيد هذه النسبة بقدر ما يزيد إلتزام المواطنين بالفرز عند المصدر.

وبخصوص التسبيخ، أشارت الخطة البديلة إلى أن معمل الكورال قادرٌ على معالجة 300 طن من النفايات  العضوية وتصبح إمكانياته مضاعفة عند انخفاض وزنها وحجمها. كما أنّ التسبيخ ممكنٌ هوائياً بمجرد فلشه في الهواء الطلق. كما بالإمكان زيادة الطاقة على التسبيخ من بيروت وضواحيها من خلال تعزيز قدرات معمل كورال وإقامة معمل مماثل قرب معمل فرز العمروسية، وتجهيزها جميعا بالفلاتر المناسبة، وهو أمر ممكن خلال أشهر معدودة والإمكانيات المادية متوفرة لدى بلديات بيروت والضواحي.

كما أشارت الخطة البديلة إلى وجوب الإمتناع عن استعمال سيارات ضغط للنفايات التي تستخدمها سوكلين. ومبرر هذا الأمر هو أن الضغط يؤدي الى تحطيم الزجاج وتمزيق المواد البلاستيكية وخلط المواد بعضها ببعض، مما يجعل من المتعسّر فرزها ويحتم تاليا طمرها.

وقد أثبتت الخطة البديلة أن مفهوم المرحلة الإنتقالية ليس إلا ستاراً لكسب الوقت وتبرير الاستمرار في السياسة المعتمدة طوال عقدين والتي أدت إلى هدر المال العام. وما يزيد هذا الأمر فداحةً، هو أن الحلّ البيئي المستدام بقي مجرّدا عن أي آلية تنفيذية.  
 
حلّ مستدام من دون آليات تنفيذية

المفاجأة الكبرى هنا كمنت في الإنفصام الحاصل بين بنود خطة شهيّب ومقررات مجلس الوزراء في 9-9-2015. ففيما تبنّت مقرّرات مجلس الوزراء بنود المرحلة الانتقاليّة كاملة، اكتفت بخصوص الحلّ المستدام  بالإلتزام بمبدأ اللامركزية في معالجة النفايات، من دون أيّ إشارة إلى حلول المعالجة المتكاملة وأساسها الفرز من المصدر أو من خلال المعامل. وبنتيجة ذلك، بدت بنود الحلّ المُستدام بمثابة وعود ورديّة مجرّدة من أيّ مفعول ملزم.

وقد أخذ هذا الانفصام منحًى تضليلياً للرأي العام. ففيما كان شهيّب وأعضاء لجنته يسوّقون خطتهم، على نحو يوحي للرأي العام بوجود إرادة سياسية جدية بتطبيق الحلّ المستدام بما فيه من جماليّات وحلول متكاملة، كان مجلس الوزراء يضع هذه الجماليّات والحلول جانباً مكتفيا بالجانب العملي (المؤقت) للخطة. وعليه، تكونت قناعة واسعة لدى الرأي العام بوجود خطة جيدة للدولة، فيما أن الواقع أن هذه الخطة لا تعبر إلا عن آراء أعضاء لجنة شهيب والتي ليس لها أي مفعول قانوني.

وهذا الأمر يذكر بما حصل في 2010 حين تم التمديد لشركة سوكلين لخمس سنوات بانتظار إنشاء محارق بناء على اقتراح بعض مستشاري وكالة التنمية للأمم المتحدة. وقد أنهت سوكلين عقدها وها هي تهمّ لتجديده في أعقاب أزمة طويلة، من دون تنفيذ أيّ من بنود الخطّة المذكورة. وهذا الأمر يؤشر إلى ما قد تسفر عنه المرحلة الإنتقالية المشار إليها في خطة شهيب في حال تطبيقها.

فسادٌ وعودٌ على بدء

هنا، نتبين وجها آخر للخطة. فقد أقرّت اللجنة بصريح العبارة أن الفساد غلب في مسائل معالجة النفايات في لبنان طوال عشرين سنة. وهذا ما نقرؤه في وضوح كلي في جواب اللجنة الصادر ردّا على بيان الحراك الصادر في 12-9-2015.

وقد عادت واعتبرت أن خطتها تدعو إلى وقف عقد سوكلين لمعالجة النفايات (تشغيل معامل الفرز والتسبيخ والطمر) مما يشكّل لبنة في مسار مكافحة الفساد (التعبير للجنة)، وإن دعت إلى استمرار التعاقد معها بما يتصل بكنس النفايات ولمّها وجمعها لعدم وجود بديل في الوقت الراهن. ثم عاد واتضح في بيان آخر صدر عن شهيب في 26-9-2015 أن سوكلين مستمرة في تشغيل معملي الكارنتينا والعمروسية رغم اتخاذ قرار بوقف العمل بهذا العقد، عملا بمقتضيات استمرارية المرفق العام. وهذا الأمر إنما يؤشر إلى تشريع الفساد وإلى منح شركة سوكلين ما يشبه العفو المقنّع عما ارتكبته سابقاً.

بكلمة أخرى، طمسٌ للماضي ووعود وردية للمستقبل، فيما الحاضر هو مجرد استمرار للواقع السيئ تحت غطاء أنه حتمي.    

نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية