هنا، سنتناول توجهات الخطاب العام، والذي يخضع هو الآخر لتأثيرات حكم الزعماء. وهو يتميز بوجه خاص في جانبين اثنين: الأول، طغيان المسائل المتصلة بالزعماء (صورهم التي تنشر تكرارا  بسبب أو من دون سبب، أخبارهم، إشكالياتهم..) على مجمل المسائل الاجتماعية، والثاني، أن حل هذه الاشكاليات غالبا ما ينتهي بتغليب المجاملة على أسلوب المساءلة أو استنباط القواعد المؤسسة لوضع مستقر.. وما يستتبعها من تحجيم للنقاش العام.

وبالطبع، والى العصبية المتجذرة، ترتكز قولبة الخطاب العام الى عدد من الأحكام القانونية:

أولا، نجد الأحكام الآيلة الى تنظيم وسائل الاعلام وشروط الترخيص لها. ففضلا عن المحاصصة الفاقعة التي أجراها الزعماء بخصوص وسائل الاعلام المرئي والمسموع، فان النظام اللبناني أوجد قاعدة قد تكون فريدة من نوعها مفادها تحويل الترخيص باصدار مطبوعة سياسية الى امتياز. فأبواب الترخيص تبقى مغلقة حتى ينخفض عدد هذه الدوريات الى حد معين وبكلمة أخرى الى اشعار آخر.

وثانيا، نجد الأحكام الآيلة الى استبقاء الرقابة المسبقة على تصوير الأعمال السينمائية وعرضها وعلى الأعمال المسرحيّة والتي تترك في عهدة الأمن العام وأجهزة أمنية أخرى. ورغم أنه ليس لموجب الإستحصال على إجازة مسبقة للتصوير أيّ سند قانوني من أيّ نوع كان، فانه يتمدد اليوم كالأخطبوط. أولا لجهة عدد المراجع التي يقتضي الحصول على ترخيص منها والتي تكاد تشمل كل صاحب نفوذ معني بالفيلم المراد تصويره، من أجهزة عامة (الأمن العام، الجيش، قوى الأمن الداخلي، حرس السرايا، المحافظ...) أو خاصة (حزب الله، سوليدير التي تفوتر لكل اجازة تصوير في وسط بيروت حتى 550 د.أ). وثانيا، من حيث الشروط التي تحيط بمنح الاجازة وأبرزها تضمين اجازات التصوير شرطاً إضافياً مفاده أن لا يشكل التصوير "أي إساءة إلى لبنان أو أية حساسية سياسية أو عسكرية"، وهو شرط بات ملازماً إجمالاً لإجازات التصوير كافّة أيّاً يكن موضوع الوثائقي أو الفيلم. فماذا يعني تعبير حساسية؟ انه بالواقع تعبير مطاط يسمح باستبعاد ليس فقط ما يشكل قدحاً أو ذمّاً، بل كلّ ما بإمكانه أن يزعج.. وهكذا، أي مشهد يذكر بدور أي من أصحاب النفوذ خلال الحرب أو يوحي بفسادهم أو بسوء إدارتهم يشكّل إعتداء على هذه  الحساسية. وكأنما السقف الذي يتعين أن تخضع له جميع هذه الأعمال هو "النفوذ". واذا استعدنا بعض النماذج التي نال منها مقصّ الرقيب، لأسباب سياسية أو دينية، جاز القول بأنّ أولى مهام الأمن العام تكمن في ضمان احترام نظام المجاملة. وبدل أن ينقض مجلس شورى الدولة هذا المنحى، فإنه انتهى على العكس من ذلك إلى تشريعه في القضية القضائية التي طُرحت أمامه للمرة الأولى بعد الحربن وهي قضية أوتيل بيروت[1].

التوجه نفسه، ولو تحت عناوين وربما بدرجات مختلفة، نجده لدى القيمين على الرقابة اللاحقة. فازاء القاعدة التي تسمح بالذم بالقيمين على الخدمة العامة بما يتصل بوظائفهم بشأن الأمور التي يثبت صحتها، تولد توجه نحو توسيع الاستثناءات لهذه القاعدة. فهل يعقل مثلا أن نقبل أن يتطاول صحافي أو كاتب على صاحب نفوذ، على قائد حتى ولو كانت الواقعة المنسوبة اليه صحيحة؟ وألا يتعارض ذلك مع نظام الهيبة، مع نظام المجاملة؟ وهنا، درجت عبارة سرعان ما اكتسبت أصداء واسعة في عدد من الملاحقات القضائية، عبارة كادت تصبح لسان حال القيمين على الخدمة العامة في كل ظرف: عبارة الهيبة أو ما يرادفها.وأهم الشواهد على ذلك هو مسار دعوى أدونيس عكرة على خلفية كتابه "حين أصبح اسمي 16" والذي يروي مغامرته الحزينة في فترة احتجازه تعسفاً لدى مخابرات الجيش تبعا لأحداث 7 آب 2001. فقد احتاج الأمر ما يقارب عشر سنوات وعددا من الدعاوى القضائية للانتهاء الى الافراج عن كتابه وابطال الملاحقات بحقه.  

وما يلحظ هو أنه اعتبارا من اغتيالات 2005 وما استتبعها لجهة "اظهار الزعماء مظهر الضحايا"، أخذت مجاملة الزعماء بعدا ثانيا. فيقتضي معاقبة الذم بالزعماء ليس ردعا للمس برهبتهم أو للتطاول عليهم، إنما لأنّ من شأن أيّ ذمّ بهم أن يؤدي الى التحريض ضدهم. وهكذا، بات أي نقد يوجه الى اي من هؤلاء (ولو كان نقدا بارتكاب جنايات) بمثابة "حملة مبرمجة ضده" مآلها الاثارة الطائفية. وهذا ما تجسد بشكل خاص في قانون الانتخابات النيابية (2008)، وبوجه خاص من خلال أبوابه التي قدمت على أنها تمثل جوانبه الإصلاحية. وهكذا، وتحت وطأة هذا المناخ، ارتأى المشرّع اللبناني أن يغلّب اعتبارات «المجاملة» على صحة التمثيل، فوضع نصوصاً خاصة توسّع إطار الأمور المحظورة في الفترة الانتخابية بحيث تشمل التشهير والقدح والذم والتجريح بأيّ من المرشحين أو اللوائح (بمعزل عن مدى صحتها) وأيضاً كل ما من شأنه أن يمثّل وسيلة من وسائل الضغط أو التخويف أو التخوين أو التكفير إلخ..، مع تشديد العقوبات في كل من هذه الحالات إلى حد إجازة تعطيل الوسيلة الإعلامية المخالفة. وهذا ما تمت استعادته في المشروع الاصلاحي للانتخابات البلدية. وبذلك، ذهب المشرع في اتجاه معاكس تماما للمعايير المعتمدة في دول عدة، والتي تهدف إلى توسيع هامش النقد المباح خلال الحملات الانتخابية وذلك تعزيزاً لحقّ المواطن في معرفة المرشح الذي يطلب حق تمثيله فلا يخدع به. فكأنما الفترة الانتخابية مخصصة لا لتعرية المرشحين أو محاسبتهم، انما فقط لمجاملتهم. 

وبنتيجة ذلك، من الطبيعي أن تطغو اشكاليات الزعماء على مجمل الاشكاليات الأخرى فتحجبها أو تحجمها بدرجة او بأخرى. فاذا اتفقوا، لا يؤخذ بعين الاعتبار أي مصلحة اجتماعية أخرى. بل ربما يتفقون على إلغاء حقوق الغير، كما هي حال الاتفاق على قانون تملك الأجانب للعقارات بين رئيس الجمهورية السابق اميل لحود (الراغب باستغلال فزاعة التوطين) ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري (الراغب بفتح ابواب الاستثمار العقاري) والذي تم على حساب اللاجئين الفلسطينيين. وكذلك الاتفاق على المنطقة الحرة في طرابلس استرضاء لزعماء السنة بعد واقعة 7 أيار 2008 ولو على حساب الحقوق الاجتماعية[2]. وهذه أمثلة من فيض.. 
 
خلاصة

نتيجة كل ما تقدم، جاز القول أن النظام اللبناني نحا، ولا سيما في فترة ما بعد الحرب، في اتجاه التحول إلى نظام زعماء، إلى نظام استقطابي، بمعنى أنه يدفع المواطنين إلى موالاة الأقطاب الطائفيين أكثر مما يدفعهم الى تطوير حياتهم المدنية في مجمل أبعادها مع سائر المواطنين بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية.

فالنظام المنصوص عليه دستورياً ليس مبنياً على الإستقطاب، إنما على التوجهات الوسطيّة والعدالة، وأن الصلاحيات المحفوظة للطوائف أو المناصب المحفوظة لأتباعها إنما تهدف في أصلها ليس إلى المحاصصة، بل بالدرجة الأولى إلى طمأنة المواطنين، وضمان حقوقهم بالمواطنة بمعزل عن حجم الطوائف التي ينتمون إليها، ضمن حدود سيادة الدولة. وهكذا فإن إعطاء الأهلين حقّ تنظيم أحوالها الشخصيّة وفقاً لمعتقداتها (مادة 9) جاء بعد إعلان "حريّة الإعتقاد" بشكل لا يقبل أيّ استثناء، وبعدما ربطتها المادة باحترام النظام العام. وتالياً، إذا كان للمجموعات الطائفية بموجبها حقّ تنظيم أحوالها أياً يكن حجمها دون الإخلال بالنظام العام، فإنها لا ترتب بالمقابل أيّ إلزام في الانتماء إليها. فالضمانة المعطاة لها على أساس حريّة المعتقد تنقض أساس وجودها اذا تمّ استخدامها للإنتقاص من هذه الحريّة. وأبرز دلالة على ذلك هو القرار 60 ل.ر الذي تناول غير المنتسبين لطائفة فجعلهم خاضعين لأحكام القانون المدنيّ، وأيضا إقرار لبنان الإعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة وكلاهما يؤول الى تكريس حرية المعتقد دون أي قيد. وتاليا، يظهر أنّ النظام السائد حاليّا يتأتّى عن تأويل سياسيّ للمادة يتناقض بالواقع مع مقاصدها. وفي الإتجاه نفسه، فإن المادة 95 من الدّستور الآيلة إلى تكريس الطائفيّة السياسيّة والطائفيّة الاداريّة قد تم تبريرها ليس بالمحاصصة، أو بضرورات العيش المشترك، إنما بالعدل، بحيث تظهر ضمانات مماثلة ضرورية لضمان المساواة بين المواطنين بمعزل عن حجم الطوائف التي ينتمون إليها. والطموح الدستوري بإلغاء الطائفية السياسية يشكّل بحدّ ذاته دليلاً على ذلك.

وفي ظل نظام مماثل (نظام الإستقطاب)، قد يكون الهدف الأساسي تعزيز التوجهات الوسطية للمواطنين، والمقصود هنا بالطبع، ليس التوجهات الوسطية المبدئية أو الفكرية، إنما التوجهات الآيلة الى التحرر من الأقطاب السياسيين (الزعماء) والتوجهات الآيلة الى تعزيز المواطنة المبنية على المساواة والعدالة. فمن شأن توجهات مماثلة أن تمهد لحركة مواطنية، يشارك فيها جميع المواطنين المتضررين من النظام السائد، وأن ترسّخ حقوقاً اجتماعية واضحة من شأنها بالطبع أن تضعف العصبية وتاليا أن تقود تدريجيا الى زوال الطائفية السياسية أو تحجيمها بعد زوال أسبابها أو تراجعها. 

بالمقابل، يُخشى أن يؤدي إعتماد  شعار "إلغاء الطائفية السياسية" من دون إعارة نظام الزعماء أي انتباه إلى نتائج معاكسة تماما لما نرغب به. فمن شأنه أن يخرج النقاش من إطاره المواطني ليتحول إلى نقاش تنقسم حوله الطوائف وفقاً لأحجامها، نقاش يغلب عليه العقم وربما العصبية. فألا يخشى أن يؤدي شبح إلغاء الطائفية السياسية الى تعزيز مشاعر الخوف والهشاشة لدى المواطنين المنتمين الى الطوائف الصغرى فضلا عن نفوذ زعماء الطوائف الكبرى، وفي موازاة ذلك، العصبية ومعها الاستقطاب الطائفي الذي هو بذاته منسف لنظام الحقوق والمواطنة؟

نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية
[1] غيدة فرنجية، ......، المفكرة القانونية-لبنان، العدد ....، ...... 2013.