من سمات النظام السياسي الذي يرزح تحته لبنان ما يُعرف بقاعدة الاختزال الطائفي التي تتجلى على ثلاثة مستويات:

  • اختزال الهوية وهو تجريد الفرد في لبنان من مواطنيته وإلغاء كل بعد آخر في شخصيته لصالح الانتماء الطائفي.
  • اختزال الجماعة وهو قيام شخص محدد يطلق عليه لقب الزعيم بتمثيل مجموعة معينة من الأفراد بحيث يحتكر النطق باسمهم والدفاع عن "مصالحهم" (التي هي في الحقيقة ليست أكثر من مصالح الزعيم).
  • اختزال المؤسسة وهو تحويل كل مؤسسة دستورية إلى رمز للزعيم الطائفي بحيث يتحول النقد الموجه إلى مؤسسة ما إلى اعتداء على صلاحيات رئيس هذه المؤسسة.

تشكل قاعدة الاختزال بمستوياتها كافة وسيلة الدفاع الفضلى التي يعتمد عليها النظام. فهي بناء متماسك لا يمكن بأي شكل من الأشكال تعطيله إلا عبر الخروج منه كاملا بنية نسف أركانه بشكل تام.

من هنا تظهر لنا الأهمية القصوى لحراك الشعب اللبناني الذي انتفض في 22 و29 آب رفضا للقمع ومطالبا ببناء مجتمع جديد يقوم على أسس سياسية مغايرة. فقد تمكن هذا الحراك بمجرد حدوثه، وبغض النظر عن أهدافه البعيدة وحالة عدم الوضوح التي تطبعه بسبب تعدد الاتجاهات والمواقف، من عرقلة عمل قاعدة الاختزال وتكبيلها بشكل كبير وقد ظهر ذلك من خلال الأمور التالية:

  • العودة إلى الهوية كمعطى ذاتي الأمر الذي يسمح للفرد بتأكيد مواطنيته ويحرره من الانتماءات الموروثة عبر تصنيفه ضمن قوالب مسبقة ما يحرمه من حرياته الأساسية.
  • كسر الأغلال التي يفرضها الزعيم من خلال تكوين وعي سياسي يجمع بين الأفراد انطلاقا من مصالحهم ما يسمح ببروز حراك مطلبي يقوم على قوى اجتماعية حقيقية.
  • إعادة الاعتبار للقانون عبر اخضاع عمل المؤسسات السياسية للقواعد الدستورية الطبيعية ما يسمح بمحاسبة المسؤولين انطلاقا من معايير واضحة موضوعة سلفا.

وبينما يولّد الاختزال الطائفي أخلاقيات وسلوكيات تخنق في الانسان الاحساس بالكرامة وتدفعه إلى حالة من اليأس والجبرية، تمكن الحراك الشعبي من تذكير المواطنين بقدرتهم على المبادرة ومن ثم حقهم بالمطالبة بالتغيير ما يسمح لهم بالتفاؤل ويعطيهم الأمل بمستقبل مختلف.
 لكن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه في هذه المرحلة الحرجة الآن: هل ذلك يكفي؟ والجواب قطعا لا. فقد تمكن النظام الطائفي خلال العقود الماضية من انتاج نسق خطابي سمح له بفرض هيمنته على المجتمع اللبناني. ولكي نوضح هذه الفكرة لا بد لنا من العودة إلى مفهوم الكتلة التاريخية (Bloc historique) الذي نظر له المفكر اليساري الايطالي أنطونيو غرامشي في النصف الأول من القرن الماضي.
أراد غرامشي أن يبين أن هيمنة النظام الحاكم لا تعتمد فقط على الوسائل القمعية كالجيش والشرطة والإدارة لا بل هي تقوم أيضا وبشكل كبير على الهيمنة الثقافية (الدين، المدارس، الأحزاب السياسية، بعض الجمعيات، الإعلام) التي تبرر سلطة الطبقة الحاكمة. فالدولة هي إذا حصيلة للمجتمع المدني حيث الهيمنة الثقافية وللمجتمع السياسي حيث أدوات القمع.

لهذا الطرح نتائج مهمة جديدة. فالسيطرة على وسائل القمع لا تكفي لإسقاط نظام ما بل لا بدّ من فضح الهيمنة الثقافية عبر انتاج خطاب جديد يقدم رؤية فكرية وأخلاقية مختلفة للشأن السياسي. وهنا يتدخّل غرامشي من خلال مفهوم الكتلة التاريخية عبر القول بأن البنية التحتية (الهيكلية الاقتصادية ووسائل الإنتاج) لا تقوم بتحديد البنية الفوقية (الدولة بشقيها المدني والسياسي) بشكل أحادي ومطلق بل هما يشكلان في ظرف تاريخي معين كتلة تاريخية متحدة عضويا.

لقد تمكن النظام الطائفي من انتاج كتلته التاريخية حيث يتشابك الاقتصاد الريعي والطائفية السياسية لإنتاج هيمنة ثقافية صلبة وقوية. من هنا المهة الكبيرة والتحديات الصعبة التي يتوجب على الحراك الشعبي تحمل مسؤوليتها. فالمطلوب من هذا الحراك هو تمكنه من بناء المدماك الأول في الكتلة التاريخية الجديدة المعول عليها للوصول إلى نظام سياسي آخر. صحيح أن هذا الحراك تمكن من عرقلة آلة الاختزال الطائفي لكن تعطيل هذا المحرك المتهالك لا يكفي من أجل وضع القطار على سكة العمل، بل لا بد من محرك جديد يعيد ضخ الحياة في شرايين المجتمع.

وقد أوضح غرامشي أن النظام يعاني من أزمة في الهيمنة عندما لا يتمكن من حل المشاكل التي تواجهها الجماعة رغم استمرار احتفاظه بالسلطة. وهذا هو تحديدا واقع لبنان بحيث جاءت أزمة النفايات لتفجر التناقضات بين مكونات النظام السياسية/الاقتصادية. فقاعدة الاختزال الطائفي لا تعمل فقط لحماية النظام من كل عدو خارجي يتهدده بل هي، وبسبب طبيعتها المنحرفة، سلاح يستخدمه الزعيم الطائفي لمحاربة خصومه من داخل النظام نفسه ما يؤدي كل فترة من الزمن إلى حدوث شلل عام وتعطيل لكل المؤسسات الدستورية. وقد ترافق هذا الشلل هذه المرة، ولحسن الحظ، مع تفجر أزمة النفايات ومن ثم استخدام القمع لفض الحراك المطلبي الأمر الذي هدد بشكل خطير ما تبقى من شرعية للنظام الطائفي.

الكتلة التاريخية التي يستند إليها النظام اللبناني تشعر بتهديد كبير من جراء تفاقم الانتفاضة المطلبية لكنها لا تزال قائمة وهي ستسعى بكل قواها لإعادة تفعيل قاعدة الاختزال بغية تصفية الحراك وإعادة المواطنين إلى معتقلاتهم الطائفية، لذلك لا بد للحراك من التشديد على النقاط التالية:

  • انتاج خطاب يرتكز على نوع جديد من الشرعية بحيث يتم إقصاء كل الحجج الطائفية التي ساقها النظام بغية تأمين استمراريته.
  • تحديد الخصم السياسي بشكل واضح من خلال التأكيد أن الفساد الذي سبب فضيحة النفايات هو نتيجة مباشرة لنظام المحاصصة الذي يقوم بشكل أساسي على المستوى الثاني من قاعدة الإختزال التي سبق وأن شرحناها أعلاه. وأهمية هذا الأمر انه يسمح برد الاعتراض الذي يقول بأن تهمة الفساد لا يجب تعميمها. فصحة هذا القول لا تنفي أن نظام المحاصصة بين زعماء الطوائف هو بماهيته فاسد لأنه يقوم على علاقة الولاء الشخصي للزعيم عوضا عن الكفاءة والجدارة التي تتيح لشخص ما من الوصول إلى وظيفة محددة أو فوز شركة ما بمناقصة معينة. وبالتالي لا بد من لفت الانتباه إلى أن المصالح المالية يمكن حمايتها بشكل أفضل لا بل تطويرها في ظل نظام لا يقوم على تحالف الاقتصاد الريعي مع الزعماء.
  • التشديد على أن التغيير المنشود لا يأتي من فوق أي عبر انتخاب رئيس جديد للجمهورية أو حصول توافق بين الزعماء حول طاولة مشبوهة للحوار بل من تحت عبر الاحتكام إلى الشعب.
  • فضح كل أدوات الهيمنة الثقافية لا سيما دور المؤسسة الدينية.  فالكتلة التاريخية للنظام الطائفي تضم أيضا المؤسسات الدينية. فقد رأينا كيف التفت هذه الأخيرة للدفاع عن النظام عبر الكلام الإنشائي عن ضرورة ايجاد حلول للواقع الاقتصادي المأزوم لكن من ضمن الأطر الشرعية التابعة للنظام.
  • إدراك أن منظمات المجتمع المدني لا يمكن لها أن تمثل كل الشرائح الاجتماعية التي تشارك بالحراك. إن كل حراك ثوري يجب أن يهدف إلى ضم أوسع قدر ممكن من فئات المجتمع بغية تكوين حلف جديد هو الكتلة التاريخية القادرة على انتاج شرعية سياسية جديدة.
  • عدم الخضوع لابتزاز سردية اللاعنف: قطعا لا يجب اعتماد العنف لتحقيق مطالب الحراك لكن هذا الأخير يجب أن يخرج من حالة الدفاع المستمرة عن النفس من خلال تأكيد سلميته وذلك بالاعلان أن العنف الحقيقي هو ذاك الذي يمارسه النظام عبر امتهانه لحقوق اللبنانيين منذ زمن طويل وسحقه لكرامتهم من خلال تخويفهم الدائم من الفتنة والحرب الأهلية وانهيار الاقتصاد.  

لم تتمكن "الثورات" التي عرفها العالم العربي من بناء مجتمع جديد. فهي نجحت بإسقاط المستبد لكنها لم تتمكن حتى الآن من تكوين كتلة تاريخية جديدة تنتج خطابا حداثيا ونهضويا بالكامل. الوضع في لبنان مختلف بعض الشيء لأن إسقاط النظام الطائفي هو الانتقال حكما إلى مجتمع جديد، لذلك لا مناص من كسر هيمنة نظام الزعماء عبر انتاج شرعية جديدة. لا يمكن لنا في ظرفنا التاريخي الراهن من تغيير السلطة من أجل تغيير المجتمع بل لا بد من تغيير المجتمع بالأول بغية تغيير السلطة والدولة. فلتكن انتفاضة 22/29 آب خطوتنا الأولى نحو مجتمع جديد.
  
  نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية