من أهم إنجازات الحراك الشعبي أنه انقلب على الخطاب السائد منذ أكثر من ثلاث سنوات ومفاده أن المشاكل التي يعاني منها لبنان سببها لجوء أعداد كبيرة من السوريين اليه. وقد جاء الحراك الشعبي ليصوّب إصبع الاتهام على المسؤول الحقيقي: نظام مبني على الفساد وسلطة تستخدم المال العام لمصالحها الخاصة. والسؤال الذي نود طرحه هنا: هل أمّن الحراك للمهمشين مساحة آمنة للمشاركة فيه أم أنه أعاد إنتاج آليات التهميش التي يعتمد عليها النظام؟

لا شك أن بعض الفئات الاجتماعية المهمشة كان لها ظهور بارز كمجموعات وأفراد في جميع التحركات والمساحات العامة التي استرجعها الحراك. كما نظمت تحركات خاصة بها لإبراز مطالبها. وهو ما قام به الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي المفقودين، إضافة الى النساء والمسنين والعلمانيين وسكان المناطق الفقيرة. أما الفئات الأخرى، فغالباً ما شاركت في الحراك على المستوى الفردي من دون رفع مطالب جماعية أو حتى من دون إظهار انتمائها لهذه الفئة، ومنها المثليين والمتحولين جنسيا ومدمني ومتعاطي المخدرات والأجانب المقيمين في لبنان لا سيما أولاد اللبنانيات واللاجئين الفلسطينيين واللاجئين السوريين وعاملات المنازل. ويسجل أنه تم رفع شعارات مطالبة بإلغاء نظام الكفالة وشعارات متضامنة مع اللاجئين السوريين دون تسجيل حضور علني لهؤلاء.

وفيما شاركت العديد من هذه الفئات في التحركات، فإن بعضها سرعان ما وجد نفسه منبوذاً من الحراك أو من المساحات العامة. ومن هذه الفئات شباب الأحياء الفقيرة في بيروت كالخندق العميق الذين اتهموا "بالاندساس" والقيام بأعمال الشغب. واعترض بعض المتظاهرين على مشاركتهم بالتحركات وعلى أسلوبهم بالاحتجاج، وهو أسلوب قد يكون مرتبطاً بشكل كبير بتجارب تفاعلهم مع النظام والقوى الأمنية. كذلك تعرّض بعض الأشخاص المتحولين جنسياً للرشق بالقناني البلاستيكية خلال إحدى التظاهرات. ووثقت مجموعة صوت النسوة شهادات عدّة عن تعرض نساء للتحرش في مظاهرة 20 أيلول. وتظهر هذه الاعتراضات استعادة بعض المتظاهرين للأفكار النمطية السائدة تجاه هؤلاء الأشخاص. وهو ما حمل بعض الناشطين على اعلان تضامنهم مع الذين تم تهميشهم على اعتبار أن مسيرة التغيير غير ممكنة من دون رفض آليات التمييز والإقصاء الإجتماعية والإقتصادية والقانونية.

أما السلطة، فقد اعتمدت خطاب الإندساس أيضا، كما شددت على إبراز وجود أجانب ومتعاطي المخدرات في المظاهرات. وهو ما يستدل من تصريح وزير الداخلية عن عدد الأجانب (سوري وسوداني) ومتعاطي المخدرات (أربعة) الذين تم توقيفهم خلال مظاهرة 22 آب. فبدا خطاب السلطة وكأن التظاهر دون حيازة الجنسية اللبنانية أو مع وجود آثار لتعاطي المخدرات في الجسم (بغض النظر عن زمن حصول فعل التعاطي) جريمة قائمة بذاتها. هذا مع العلم أن اكتشاف التعاطي جاء نتيجة لإخضاع قوى الأمن عددا من المتظاهرين الموقوفين لفحوصات البول بغياب أي دليل ودون أي سند قانوني وكأن التظاهر يشكل بحد ذاته اشتباهاً بتعاطي المخدرات. ويسجل أنه لوحظ رفع شعار يطالب بتشريع حشيشة الكيف في إحدى المظاهرات.

يبقى أن نسجل الملاحظة الأهم وهو أن معظم هذه الفئات لم تجد مكانا لها على طاولة التنسيق بين المجموعات ولم تلق اهتماماً خاصاً منها. وقد تميزت في هذا الإطار مجموعة "الشعب يريد" التي فتحت أوسع مساحة لإشراكهم في الحراك.