عندما بدأت العمل في٢٠٠٩ على الفيلم الذي سيحمل عنوان "لي قبور في هذه الأرض"[1]، لم أكن أعي أنه سوف يكون فيلماً "يحضن" ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية. الفيلم الذي انطلق من فكرة وجود حرب عقارية ومخاوف ديموغرافية بين الطوائف في لبنان وصراع هذه الطوائف على ما يُسمّى "هوية الأرض" تطوّر خلال خمس سنوات ليصبح وثيقة حول أحد فصول حرب اتّسمت بصفة الطائفية.
في بدء البحث، عدتُ الى التاريخ البعيد لدراسة الحركة الديموغرافية على هذه الأرض من أجل إثبات أنها حركة دائمة عبر التاريخ. حينها، أردت من خلال الفيلم التعبير عن رفضي لمنطق تحديد "هوية الأرض". في الوقت ذاته وخلال المرحلة الأولى من كتابة التصوّر السينمائي للفيلم، عادت الى ذاكرتي مسألة "الخطف على الهوية" (كما كانت تُسمى خلال الحرب الأهلية). فاخترت مقاربة موضوع الصراع على هوية الأرض من خلال سرد حكايات الأشخاص الذين تعرّضوا له آنذاك. من هنا، من حكايات المخطوفين الذين لم يعودوا، بدأت رحلتي في ذاكرة الحرب ووجدت نفسي أصاب تدريجياً بهوس هذه الذاكرة. أصبحت أعيش حالة بحثٍ دائمة عن الماضي وعن الذين يحملونه بداخلهم ويعيشون فيه ومعه. أصبحت أبحث عن دلائله وآثاره في الحاضر، أبحث عن خطوط التماس، عن أماكن الحواجز والخطف. إلا أن الفيلم أصبح يبتعد شكلياً عن موضوعه الأساسي، الحرب العقارية والمخاوف الديموغرافية والفرز الطائفي الذي نعيشه اليوم. كنت مدركةً أن عاطفتي تأخذني الى فيلم كان يوشك أن يكون فيلماً عن المخطوفين وأن عليّ أن أجد مدخلاً آخر للتطرق الى موضوع الفرز الطائفي. فجأة، بدا لي بديهياً ما كنت أبحث عنه: التهجير على أسس طائفي. هكذا "طمأنت" نفسي الى أنني لن أضطر للتخلي عن هوسي بذاكرة الحرب، بل انغمست فيها أكثر وامتزج الهوس بشغف جديد وهو ارتباط التاريخ بالجغرافيا، إذ وجدتُ نفسي، من خلال بحثي عن شهادات الناس الذين تعرضوا للتهجير، أرسم "طوبوغرافيا الحرب". في هذه المرحلة من العمل على الفيلم، كنت قد اصبحت أعيش كلياً في الماضي، في الذاكرة، في التاريخ. كنت كل يوم أعود الى البيت حاملةً معي صوراً وكتباً عن الحرب. صرت كلما التقيت بشخص، إن كنت أعرفه أم لا، أسأله من أي منطقة هو وهل عاش الحرب، هل تهجر، هل قاتل؟ كنت أنام وإلى جانب سريري لوائح بأسماء ضحايا حرب الجبل، أو كتاب آلان مينارغ "أسرار حرب لبنان" وروايات ربيع جابر "اعترافات" و"طيور الهوليداي إن". تعلقت بهذه الكتب لأنها كانت تشكل المراجع المكتوبة القليلة عن الحرب الأهلية اللبنانية التي نحن ممنوعون من كتابة تاريخها، بارادة رسمية أقرت قانون الصمت وقمع الذاكرة يوم أقرت قانون العفو العام. كنت أشعر طوال الوقت أن هناك من يخفي عني ما حصل خلال الحرب، وكوني أعاني من أن ذاكرتي الشخصية المرتبطة بالحرب شبه ممحية، أصبحت أشعر بفقدان شيء أساسي، بنقص يمنعني من أن أعيش بشكل طبيعي. فكان الحلّ أن ألجأ الى شهادات الناس، الى حكاياتهم، سرديتهم عن الحرب، لكي يساعدوني على إعادة بناء ذاكرتي ولكي أفهم أسباب الإنقسام والخوف الذي نعيشه اليوم. لكنني لم أكن أبحث من خلالهم عن ذاكرتي الشخصية فقط، بل كنت بحاجة الى ذاكرةٍ جماعية لكي أجد نفسي ومكاني فيها، امتدادي التاريخي الذي لا أستطيع أن أعيش حاضري من دونه، خاصة أن حاضري في هذا البلد هو عبارة عن ألم دائم. عندما تبلور الشكل السينمائي للفيلم ومضمونه وبدأت التصوير، كنت أعي أنني أدخل حقل ألغام، ألغام زرعها أمراء الحرب للحؤول دون دخولنا نطاق الذاكرة. لكنني جازفت ودخلت، لأني، بكل بساطة، لا أستطيع العيش من دون ذاكرة. اليوم، أعلم أنني ما كنت أستطيع إلا أن أنجز هذا الفيلم.
 
نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين


[1] بقرار من وزير الداخلية، تم منع عرض هذا الفيلم. تتهيأ المخرجة لمراجعة القضاء لابطال هذا القرار.