"وكانت بيروت تمتدّ على شاطئ أسود، تحاول أن تنام تغمض عينيها وتدخل في صور الرجال، تنخطف إليهم وتمسح الدم والماء الذي يتساقط من جنبهم، وتنحني كي تلملم الحزن وتصرخ مع آلاف النساء وهنّ يحملن الصور ويدرن في شوارع المدينة، وتمتلئ الطرقات بأصوات الضحايا. كانوا حوالي عشرين امرأة، كانت الصور في أيديهن المرفوعة... وكانت هي، تمشي وحيدة وتغمض عينيها على التماعة الحزن الذي يقفز من العينين ويحوّل الصورة الصغيرة الى مرآة نرى فيها وجوهنا."
الياس خوري (١٩٨٣)[1]
 
رغم مرور أربعين عاماً على بداية الحرب الأهلية اللبنانية، لا يزال شبح مفقوديها يطوف فوق بيروت ويسكن رواية أهلها. ولعلّ ما جرى خلال أحداث تدمر (سوريا) في أيار 2015 يثبت ذلك. فمع رواج معلومات غير مؤكدة عن خروج عدد من السجناء اللبنانيين من سجن تدمر، عادت الأسئلة نفسها والصور نفسها إلى الواجهة: هل بين هؤلاء السجناء من فُقد سابقاً في الحرب؟ هل نُقل المعتقلون الى سجنٍ آخر؟ هل أسماؤهم معروفة؟ هل عُثر عليهم جثثاً أم أحياء؟ أين مؤسسات الدولة اللبنانية من كلّ ما يحدث؟ وإلى متى الانتظار؟ عادت صور المفقودين، كما كتب الياس خوري في العام ١٩٨٣، لتتحوّل إلى "مرآة نرى فيها وجوهنا"، مرآة حاول الواقع تحطيمها أكثر من مرّة، فوجدت ملجأها في الأدب، وتحديداً في الرواية.
 
فمع بداية الحرب الأهلية، إحتلّت بيروت حيزاً أساسياً في الروايات اللبنانية المنشورة، ليس لدورها الجغرافي والسياسي فحسب، بل أيضاً ككيانٍ فاقدٍ، ناقص، مبتور، يصارع هوية ثقافية مأزومة تسرد التناقضات والانكسارات التي عاشها مثقفوها. ومع إنتهاء الحرب، واجهت الرواية اللبنانية، بمعنيَيْها التاريخي والأدبي، مفصلين أساسيين. المفصل الأول كان سنة 1991 عندما أقرّ مجلس النواب المُعيَّن قانون العفو العام الذي رُفعت من خلاله المسؤولية الجزائية عن كلّ الذين ارتكبوا جرائم سياسية[2]  خلال الحرب الأهلية وحتى تاريخ 28/03/1991. فلم تتمّ محاكمة أي متورط، وتعزز الغموض حول مصير آلاف المفقودين اللبنانيين بفعل قانون يرى في الكشف عن أثرهم، إثارةً للنعرات المذهبية. فعلا صوت أهالي المفقودين منددين بمخاطر التغني بسلمٍ أهليٍ سيظلّ ناقصاً إذا ما بقي ملفّ المفقودين مفتوحاً.  
 
ثمّ تلا قانون العفو العام قانون آخر أُسّست من جرائه شركة سوليدير التي أوكلت مهمة إعادة إعمار وسط المدينة. فكما أشارت أدبيات الشركة، فإنّ "قلب" مدينة بيروت كفيلٌ باعادة إحياء "جسد" البلاد. فأعيد اعمار وسط المدينة لجعلها تتناسب والهوية الجديدة المرادة لها، وهي هوية عالمية ما بعد حداثية تجمع رأس مال عالمي في مدينة ما زالت تزهو بدورها القديم/المرتجى كـ"مدينة عريقة للمستقبل". وبواسطة هذين القانونين المختلفين ظاهرياً والمرتبطين فعلياً، تمّ إخفاء معالم المدينة أو تغييرها أو هدمها أو تشويهها، تمهيداً لإرساء خطاب النسيان الرسمي المتمثل بسياسة تهشيم الذاكرة الجماعية وطمرها.
 
وعلى أثر التحولات الهندسية والاجتماعية التي طرأت على المدينة، شعر كثير من المثقفين بفداحة عملية المحو الممنهجة هذه، فصبّ العديد منهم أنظاره إلى ما هو أبعد من قلب المدينة، أي ذاكرتها. فقلبٌ بلا ذاكرة، لا يعود نفعاً على الجسد اللبناني. ذلك أن محو ذاكرة المدينة يمنع أهلها من إكمال حدادهم، والحداد المبتور الذي لا ينتهي بمصالحة فعلية يعيد إنتاج أسباب إندلاع الحرب. لكن، في الوقت عينه، لا يمكن التعويل على ذاكرة انتقائية لا تشمل مصائر كل المفقودين، ولذلك لا تكتمل عملية جمع ما تفكّك إلا من خلال العودة الى ذاكرة المدينة للبحث عن الجسد الضائع منها وقصص تعذيبه واخفائه ونفيه. وقد طرح ذلك الموقف من ذاكرة المدينة مفهوماً جديداً لثالوث الجسد/ القلب/ الذاكرة الذي شكّلت مسألة الفقد والمفقودين نواته.
 
فكيف تجلّى هذا الثالوث في الرواية التي تناولت ذاكرة المكان في مواجهة سياسة إرساء النسيان؟
 
كان للروائي الياس خوري دور أساسي في رسم خطاب يضع اشكالية النسيان الممنهج في وسط الخطاب الثقافي اللبناني في مرحلة ما بعد الحرب. ففي هذه المدينة المهدمة والممحوّة، وجد خوري أنّ المكان الوحيد المتبقي للذاكرة هو النص الأدبي. نظر خوري في كتاباته إلى الروائي كحارسٍ لمدينته، ينفض غبار العمران الطارئ عما امّحى وطُمر، ويصارع الفقد بروايات شخوصها المفقودة[3]. وبالاضافة الى نصوصه الروائية والمسرحية والنقدية، واجه خوري سياسة محو الذاكرة الرسمية عبر تأسيس مشروع ثقافي يقارع فيه سياسة القمع الرمزية المتمثلة بتهديم ممنهج لأوصال المدينة. فعلى صفحات جريدة النهار، وتحديداً "الملحق" الثقافي الذي رأس خوري تحريره بين عامي ١٩٩٢ و٢٠٠٩، دأب مؤرخون وفنانون وسينمائيون وروائيون على إعادة تصوّر تاريخ المدينة عبر البحث في تجليات التروما والذاكرة والحداد في مجتمع ما بعد الحرب. فشكّل البحث الخطابي عمّن فُقدوا من المدينة مدخلاً إلى الحفاظ على الذاكرة، كما أرسى بعداً أخلاقياً مؤسساً لدور المثقف وثقافة ما بعد الحرب.
 
وفيما بات الفقد ثيمةً مؤسسةَ لأدب الحرب وما بعدها، أصبح البحث عن الجسد المفقود خيطاً يربط بين التجارب الأدبية المختلفة التي تناولت الفقد عبر محاور ثلاثة: أولاً، من خلال البحث عن مفقودي المدينة الهامشيين، ثانياً من خلال الغوص في سيكولوجية الفاقد، وثالثاً عبر النظر الى جنسانية المفقود، تحديداً الى ميوله وممارساته الجنسية وارتباطها بالعنف.
 
إلى هامش المدينة وأطرافها تطلّعت رواية الياس خوري. فكانت مسرحيته "مذكرات أيّوب" (١٩٩٣) التي أخرجها روجيه عساف لحظة أدبية/ تمثيلية حية في البحث عن بيروت وأيّوبها الذي ملأ جدرانها كلمات وأسئلة خلال الاجتياح الاسرائيلي، واستعادت المسرحية روايات أخرى عن البحث عمن سكنوا هامش المدينة وفُقدوا فيها أو من أجلها أو بسببها. فسأل خوري في "الوجوه البيضاء" (١٩٨١) من قتل ساعي البريد إبراهيم أحمد جابر وما هو مصير ابنه المفقود؟ ثم أعاد السؤال عن هوية ماسح الأحذية عبد الكريم المغايري في "رحلة غاندي الصغير" (١٩٨٩)، معيداً للمدينة هامشها، وللهامش مفقوديه، ولمفقوديه صوتهم.
 
بالإضافة الى البحث في هامش المدينة عن مفقوديها، غاصت الرواية في سيكولوجية الفاقد. فبات القلق والشكّ اللذان يسكنان أهل المفقودين نواة روايات تطرّقت هذه المرة إلى الفاقد وأحواله بدلاً من المفقود. فصوّر رشيد الضعيف في "فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم" (١٩٨٦) وربيع جابر في "الاعترافات" (٢٠٠٩) عبثية الخطف الانتقامي والخطف الاستباقي، أي عندما يخطف مواطنون مواطنين آخرين احترازياً، تهيؤاً لمقايضتهم إن خُطف لهم قريب ما. وبذلك انزلقت ثيمة الخطف من تراجيديا الحرب اللبنانية إلى حالة كافكوية تثير الضحك بعبثيتها.
 
الا أنّ عُصاب الريبة والبحث والتحري الذي رافق الفاقد لم يبقَ في الاطار السردي فحسب، بل استحوذ على التركيبة الروائية نفسها. ففي "سيدي وحبيبي" (٢٠٠٥) تضع هدى بركات الراوي وديع في خدمة عملية فقدانه هو، إذ يتحوّل الراوي القاتل والسارق والخاطف الى مفقودٍ، لينتقل السرد إلى زوجته، كزوجة فاقدة زوجها، وكراوية بديلة لراوٍ أصيل. وللفقد أيضاً دور روائي مؤسس في "طيور الهوليداي إن" (٢٠٠٩) لربيع جابر حيث يبدأ البَوْح الروائي بقصائص من الجرائد عمّن خرجوا ولم يعودوا. فيتحوّل قلق الفاقد الى عصاب يجتاح التركيبة الروائية المشتتة والمشرذمة.
 
إلى جانب ثيمتَيْ الهامش والفاقد، للعنف والجنسانية  علاقة وطيدة أيضاً في أدب الفقد. فمفقود هدى بركات في "أهل الهوى" (١٩٩٣) أشبه بطريدة لحدّين، حدّ عنف الحرب المجاني وحدّ جنسانية عكست مآلات الحرب، فظهر جسد المفقود مشوّهاً بعنف الحرب، لكن أيضاً بعنف شبق مَرضيّ، ما ولّد عنفاً ثالثاً هو عنف محو السببين الأولين ونسيانهما. هكذا كان لا بدّ لعلاقة بطلَيْ الرواية أن تنتهي بقتل أحدهما للآخر.
 
ولجنسانية  الجسد المفقود قصة أخرى في الحرب، فيروي ربيع علم الدين في "كول أيدز" (١٩٩٨) عن عثور مسلحين ينتمون الى ميليشيا مسيحية على عدد من الجثث مجهولة الهوية، ما أوقعهم في حيرة: ماذا يفعلون بها؟ هل يدفنونها في مقابر مسيحية أم أنّها جثث لمسلمين، وعليهم اذاً مقايضتها بجثث مسيحيين كانوا قد وقعوا في المقلب الآخر من المدينة؟ وعند احتداد النقاش، يتدخل زعيم الميليشيا طارحاً حلاً: على المقاتلين أن يكشفوا عن الجثث وينظروا إلى أعضائها، فإذا كان الرجال مطهرين فذلك يعني أنهم مسلمون وإلا فهم مسيحيون حتماً. "ولكن ماذا لو كان أحدهم مسيحياً فعلاً ولكنه مطهر لسبب أو لآخر؟"، يتساءل أحد المسلحين، فيجيبه الزعيم: "إذا كان مسيحياً مطهراً فهو يستأهل مصيره في مدافن المسلمين". علم الدين، إذ يذكرنا بهذه الحادثة التي تحاكي واقعاً أليفاً، فإنه يشير إلى طقوس تحولات الحرب الأهلية، من خطف بناءً على الهوية الأيديولوجية، إلى خطف بناءً على الهوية الطائفية، فخطفٍ أخير يتجاوز العبث ويختصر كل الروايات برواية العضو الذكري المطهّر.
 
وعلى هذا النحو، غدا الفقد، فقدان الجسد وذاكرته، عنصراً أساسياً في رواية ما بعد الحرب، رواية مفككة الأوصال، متعددة الأصوات، مشككة بالراوي وشرعيته السردية، في خطابٍ روائيٍ مأزوم صوّر المدينة المبتورة والمنفصمة والمخطوفة بدورها، كضحية للصراع الأهلي حولها. وفي الوقت نفسه، واجهت الرواية خطاب السلطة السياسية من خلال إعطاء دلالات جديدة لثالوث الجسد/ القلب/ الذاكرة. فبدلاً من إحياء جسد البلاد عبر التركيز على قلبه من دون ذاكرته، نظرت الرواية إلى جسد المفقود الذي استعيدت من خلاله الذاكرة الجماعية أملاً بإحياء ما تبقى من جسد البلاد.
 
لكنّ الأهم في هذا التحول، هو انّ خطاب الفقد أطّر الحقل الثقافي في بيروت التسعينات وبدايات الألفية، زمن هيمنة خطاب الإعمار والسلم الأهلي في ظل المصالحة المعلقة. وفيما كانت الجرافات والأنفاق ترسم حدود المدينة الجديدة، كانت قضية مفقودي الحرب الأهلية وتجلّياتها الروائية ترسم خطاً أخلاقياً فاصلاً بين سلطة سياسية ذات شرعية ناقصة من جهة، وحركة ثقافية ذات سلطة ناقصة من جهة أخرى.

نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين


[1] الياس خوري، "المرأة والصورة"، زمن الاحتلال، ١٩٨٥. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. صفحة ٨٧.
[2] وضع المشرع عدداً من الإستثناءات ومن بينها جرائم الاغتيال المرتكبة ضد القادة السياسيين والدينيين والدبلوماسيين فضلا عن الجرائم المحالة الى المجلس العدلي (الهامش من المحرر).
[3] Elias Khoury, “The Memory of the City,” Grand Street, no. 54 (October 1, 1995): 137–42.