بتاريخ 04/03/2014 (بعد مرور 39 عاماً على إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية)، أصدر مجلس شورى الدولة اللبنانيقراراً (وُصف بـ"التاريخي") بإعلان حق ذوي المفقودين بالاستحصال على النسخة الكاملة لملف التحقيقات التي قامت بها لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين عملاً بحق المعرفة. وتبعاً لإطلاق حملة "زورونا في دوام الأهالي"، سلمت رئاسة مجلس الوزراء في 20-9-2014 نسخة عن الملف على شكل علبة كرتون. ومع استلام هذه العلبة التي تضمّنت جردةً بمجمل التحقيقات ونتائجها التي أجرتها الحكومات المتعاقبة منذ انتهاء الحرب، خاب ظن ذوي المفقودين بها بقدر ما أدركوا مدى تقاعسها في التعامل مع قضيتهم. وبدا واضحا اذ ذاك أن السرّ الذي سعت الحكومات المتعاقبة على إخفائه لا يتصل بمعلومات حول حالات الخطف أو المقابر الجماعية، بل قبل كل شيء باثباتات دامغة حول لامبالاتها ازاء هذه القضية. وهذا ما نفصّله أدناه من خلال وصف ما تضمنه الملف من معلومات بشأن عمل لجان التحقيق.  
 
لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين:

تبعاً لما شهدته البلاد من مطالبات في أواخر تسعينيات القرن الماضي، شكّل رئيس الحكومة الأسبق سليم الحصّ بتاريخ 21/01/2000، لجنة تحقيق رسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين خلال الحرب. وكانت اللجنة مؤلفة من مسؤولين أمنيين حصراً (يرأسهم العميد الركن سليم أبو اسماعيل) في غياب أي ممثل عن أهالي المفقودين. وقد أُعطيت مهلة ثلاثة أشهر لتقديم تقرير بشأن مآل المهمة الموكلة إليها، مددت لثلاثة أشهر أخرى[1] بحيث إنتهت مهمتها وتقدمت اللجنة بتقريرها بتاريخ 25/07/2000[2] (أي بعد ستة أشهر من إنشائها).

ويُشار بداية إلى أن علبة الكرتون الصغيرة لا تحتوي أي استمارة من الإستمارات التي ملأها أهالي المفقودين سنة 2000، كما لا تحتوي أي محضر أو حتى دفتر يومي يفيد عن مسار التحقيقات التي قامت بها اللجنة. وبمعنى آخر، لا يوجد في الملف أي مستند يتعلق بالتحقيقات بالذات وبمنهجيتها. بل كل ما في الأمر أن هناك تقريراً للجنة تضمّن النتائج التي توصلت إليها والتي بقيت مجردة عن أي اثبات.

وكانت اللجنة بدأت عملها بعد تشكيلها، داعية ذوي المفقودين الى التقدم الى أي مخفر من مخافر قوى الأمن الداخلي على الأراضي اللبنانية لملء استمارات شخصية وفقاً لنموذج معين وضعته لهذه الغاية. وقد تضمن هذا النموذج، بالإضافة الى الخانات المتعلقة بالمعلومات الخاصة بكل مفقود (اسم وتاريخ الولادة والجنسية والطائفة والوضع العائلي الخ.)، خانات تتعلق بتاريخ وبمكان الفقدان وبالجهة التي يرجح أهل المفقود أن تكون مسؤولة عن خطفه، وفي بعض الحالات انتماء المفقود السياسي ومكان تواجده المرجح بعد الخطف. وبعد جمع الاستمارات هذه، استنتجت اللجنة أنّ هناك /2.046/ مفقوداً مبلغاً عنه في لبنان.

تبعاً لذلك، وبحسب تقرير اللجنة، "قام ممثلو الأجهزة الأمنية في اللجنة بعمل استعلامي حول أسماء المفقودين" في مختلف المناطق في لبنان وتوصلوا الى معاينة مدافن جماعية واستخراج بعض عينات من العظام لجثث داخلها. ومن بين المقابر الجماعية المذكورة: واحدة في مدافن مار متر الأشرفية وأخرى في كل من مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت ومدافن الانكليز في منطقة التحويطة. بالمقابل، لم يبين التقرير إطلاقاً كيفية توصل اللجنة الى هذه المعلومات وما هو مصير المدافن الجماعية أو العظام التي تمّ استخراجها منها. كما أنه لا يوجد في الملف أي مستند يفيد عن هذه الأمور.

وقد اقتصر عمل اللجنة فيما بعد على تصنيف المفقودين في جداول مختلفة وفقاً للجهة الخاطفة المرجحة من الأهالي: أي /216/ مفقوداً يرجح أنهم معتقلون في سجون العدو الإسرائيلي و/168/ مفقوداً يرجح أنهم موقوفون في سوريا (ما قام بنفيه فوراً التقرير مستنداً الى المراجعة التي قامت بها اللجنة جانب السلطات السورية، مع التذكير بأن الملف لا يحتوي أي ورقة تفيد بهذا الأمر)، فضلاً عن /1.662/ مفقوداً مُرجح تواجدهم في الأراضي اللبنانية. وبخصوص هؤلاء (والذين بلغت نسبتهم 81% من المفقودين)، اكتفت اللجنة بتضمين الجدول هوية الجهة الخاطفة كما وردت في استمارات الأهالي من دون أي تدقيق أو إضافة. وخلصت تبعاً لذلك الى اعتبار أنه لا أحد منهم على قيد الحياة. وقد أسندت خلاصتها هذه إلى المراجعة التي قامت بها بالقرب من الأحزاب والتنظيمات "التي عملت على الساحة اللبنانية حتى العام 1990" ونظراً لكون "كافة التنظيمات والميليشيات المسلحة قامت بعمليات تصفية جسدية متبادلة خلال فترة الأحداث". وتجدر الإشارة هنا الى أن الباحث في الملف لا يجد أيّ أثر للمراجعة المزعومة. فكما سبق بيانه، لا نجد في الملف أي محضر أو معلومة حول هذه التحقيقات من أي نوع كان (هوية المحقق أو هوية الأشخاص أو الجهات الذين تمت مراجعتهم أو مكان أو زمان التحقيق الخ.). وعليه، بدا تقرير اللجنة مبنيا برمته على أفكار مسبقة مجردة عن أي اثبات.

وبالنسبة للعظام التي تم استخراجها من بعض المقابر الجماعية المذكورة، اعتبرت اللجنة أنه يتعذر تحديد هوية أصحابها نظراً لطبيعتها ولقدم عهدها مستندة لهذا الأجل الى تقريرين طبيين. وبمراجعة هذين التقريرين المبرزين كملاحق ضمن الملف، نجدهما متناقضين: فالتقرير الأول[3] اعتبر أنه من غير الممكن تحديد هوية أصحاب العظام نظراً لوضعها وتكوينها، أما التقرير الثاني[4] فاعتبر أنه يمكن تحديد هوية أصحابها من خلال تقنية الهندسة الوراثية (أي الـDNA)، مشيراً الى أن هذه التقنية ليست متوفرة في لبنان (أي في 2000 وقد باتت متوفرة منذ ذلك الحين).  

وبنتيجة ذلك، ودون أي تبرير اضافي، أوصت اللجنة بالايعاز الى ذوي المفقودين مراجعة القضاء المختص لإثبات الوفاة بصورة قانونية. فما كان من رئيس الوزراء الأسبق، سليم الحص، الا أن أرسل كتاباً الى هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل طالباً منها إعداد مشروع قانون (أو أي نص قانوني مناسب آخر) "يطبق بصورة استثنائية ولمرة واحدة، وبمعزل عن قوانين الأحوال الشخصية" بإعتبار المفقودين في حكم المتوفين، ويتضمن الشروط المطلوبة للاستحصال على وثيقة وفاة[5].
 
هيئة تلقي شكاوى أهالي المفقودين:

ما أن تم الاعلان عن نتائج عمل اللجنة، حتى سارع أهالي المفقودين الى إعلان رفضهم لها. وقد بلغ الرفض أوجه بعد إفراج السلطات السورية عن أشخاص – كانوا في عداد المفقودين – بضعة أشهر فقط بعد صدور هذا التقرير[6]، الذي أوصى بتوفية هؤلاء وأمثالهم. وتبعاً لذلك وبتاريخ 20/12/2000، قرر مجلس الوزراء الجديد (برئاسة رفيق الحريري) إنشاء هيئة لتلقي شكاوى أهالي المفقودين[7]. وفيما بعد، تم تشكيل الهيئة بقرار عن رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 05/01/2001 وأعطيت مهام تلقي المراجعات بشأن المفقودين الذين يعتبر ذووهم بأنهم ما زالوا على قيد الحياة مع صلاحية الاستعلام بهذا الشأن لدى مختلف الإدارات الرسمية والمؤسسات والهيئات المعنية، وذلك خلال مهلة ستة أشهر تم تجديدها مرتين بحيث انتهت مهمة الهيئة بتاريخ 07/06/2002[8].

والواقع أنه، وباستثناء بعض الفوارق الطفيفة، لم تختلف هيئة سنة 2001 عن لجنة سنة 2000، لا في الشكل ولا في المنهجية ولا في النتائج التي توصلت إليها. وفي هذا الصدد تُسجل الملاحظات التالية:

-       تألفت الهيئة في غالبيتها من مسؤولين أمنيين (4 من أصل 7 أعضاء)، في حين ترأسها وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية آنذاك الوزير فؤاد السعد وضمّت المدعي العام التمييزي عدنان عضّوم وعضواً من نقابة المحامين في بيروت (مع الإشارة إلى أن نقابة المحامين في الشمال اعتذرت عن المشاركة في الهيئة نظراً لعدم وجود وفاق وطني فعلي بهذا الشأن ولما كان قد نتج من تجاذبات سياسية رافقت انشاء الهيئة، على حد قولها[9]). وهنا أيضاً يُسجل أنّه تمّ تغييب أهالي المفقودين عن المشاركة في الهيئة، فلم يتمّ تعيين أيّ ممثّل عنهم فيها.

-   حُصرت مهمّة الهيئة بالمفقودين الذين لا يزال ذووهم يعتقدون بأنّهم على قيد الحياة. وتمّ تاليّاً تحميل أهاليهم عبء تقديم أدلة على بقائهم على قيد الحياة. ومن الملفت أنه تم اعتماد، هنا أيضاً، استمارات نموذجية شبيهة بتلك التي اعتمدتها لجنة سنة 2000، مضافاً إليها خانة بشأن "الأدلة والمستندات [المتوفرة والتي تفيد] وجود المفقود حياً". فسعى أهالي المفقودين تبعاً لذلك الى تجميع ما توفّر من أدلة بهذا الخصوص. فمنهم من صرّح أنه قابل فقيده في أحد السجون في سوريا ومنهم من نقل عن شاهد عيان تواجد فقيده في ذلك المكان أو ذاك. ويُشار إلى أن عدد الاستمارات أمام الهيئة لم يتجاوز الـ/730/ أي ما نسبته 35.7% من مجموع المفقودين الذين أحصتهم لجنة 2000.

-   من ناحية أخرى، وعلى غرار ما قامت به لجنة 2000، إقتصرت جهود الهيئة هنا أيضاً، على تصنيف المفقودين في جداول خمسة: من فُقد من عناصر الجيش اللبناني بتاريخ 13/10/1990؛ ومن يقتضي الاستفسار عنهم لدى القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية المختصة وميليشيات الأحزاب التي شاركت في الحرب؛ ومن يقتضي مراجعة الصليب الأحمر الدولي لمطالبة السلطات الإسرائيلية بالافراج عنهم؛ومن ترى الهيئة فائدة من الإستفسار عنهم لدى السلطات السورية لأسباب تعود لقناعات أهلهم أو لإفادات الشهود والمساجين أو لإنتماآتهم السياسية، وبالتالي مكان وزمان وظروف اختفائهم؛ ومن ادعى أهلهم وجودهم لدى السلطات السورية ولم تقترح الهيئة الاستفسار عنهم. مع الإشارة أنه وبالنسبة الى هذا التصنيف الأخير، لم تبين الهيئة حججها للتمييز بين هذه الفئات.

-   أما بالنسبة الى منهجية عمل الهيئة، فان هذا الأمر يصعب التدقيق به لا سيما في ظل افتقار الملف لأي محاضر أو دفاتر يومية تفيد عن مسار التحقيقات التي قامت بها. فالمستندات الوحيدة المتوفرة والتي أمكن الاطلاع عليها، هي المراسلات التي تبادلها وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية آنذاك، فؤاد سعد، مع بعض الأجهزة الأمنية، وذلك بعد تاريخ إنتهاء المهمة الرسمية للهيئة (أي في 07-6-2002) وتنظيمها الجداول التصنيفية. فبتاريخ 4-9-2002، أرسل رئيس الهيئة منتهية الصلاحية رسالة نموذجية الى المدراء العامين لكلا من: قوى الأمن الداخلي وأمن الدولة والأمن العام. كما وجه رسالة الى المدعي العام التمييزي واللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان. وقد طالب في جميع تلك المراسلات إفادة الهيئة "عما اذا كان أو يتكون [لديهم] من معلومات [عن مفقودين – مرفقة أسمائهم بالرسالة] وعن مصيرهم". وقد أتت نتيجة هذه المراسلات كلها سلبية، بحيث "لم يتم التوصل الى ما يمكن أن يؤدي الى معرفة [مصير المفقودين]". بالمقابل، أودع الأمن العام جانب الوزارة بعض المعلومات الأمنية التي توفرت لديه (القسم الأكبر منها ترجيحي) بشأن بعض المفقودين (38 تحديداً) المُستفسر عنهم من قبل الهيئة.

فضلاً عن ذلك، يُسجل أن الوزير سعد كان قد أرسل الى اللواء غازي كنعان كتاباً بتاريخ 09/08/2002 للإستعلام عن بعض المفقودين دون أن يصله أي جواب بهذا الشأن، وذلك بحسب ما هو مبين في الملف.
 
ملف المعتقلين في السجون السورية على طاولة الحكومة إبتداء من سنة 2005:

بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان سنة 2005 وبعد قيام أهالي المعتقلين في السجون السورية باعتصام أمام مبنى الأمم المتحدة في وسط بيروت في شهر نيسان من نفس السنة (تحوّل فيما بعد الى الخيمة الدائمة لذوي المفقودين والمخفيين قسراً)[10]، أنشأت الحكومة اللبنانية بتاريخ 05/06/2005 لجنة مشتركة لبنانية – سورية لمعالجة قضية المفقودين والمعتقلين في السجون السورية.

هنا أيضاً يُسجل أنه تم استبعاد أهالي المعتقلين في السجون السورية وذوي المفقودين عموماً من عملية معالجة الملف، بحيث لم يُعين أي ممثل عنهم في تلك اللجنة. فضلاً عن ذلك، وفيما عدا كتاب يتيم، لم يلقَ صدى وجهه مدير عام رئاسة مجلس الوزراء آنذاك (سهيل بوجي) الى أمين عام المجلس الأعلى السوري-اللبناني بتاريخ 09/08/2005 للاستفسار عن مصير المعتقلين اللبنانيين في سوريا، لا يُسجل للجنة 2005 أي عمل ذات شأن.
 
خاتمة

ختاماً، يجدر التساؤل عن مدى مساهمة استلام أهالي المفقودين لعلبة الكرتون في ترسيخ حقهم بالمعرفة. والحقيقة أنّ ما توصل إليه أهالي المفقودين ليس الا معرفة الأسباب الحقيقية لتعنت الحكومة في تسليم ملف التحقيقات الرسمية إليهم. فالأسباب المزعومة لتبرير هذا التعنت (تهديد السلم الأهلي والى ما هنالك من أسباب واهية أخرى)، سقطت كلها تبعاً للرحلة التي أجريناها داخل علبة الكرتون. فقد أظهرت هذه الرحلة الحجم الفادح لتقاعس الدولة عن القيام بواجبها في معالجة ملف المفقودين في لبنان. ولعلّ هذا الأمر هو الذي أدى الى تمسك هذه الأخيرة بالعلبة الصغيرة لسنوات عدة خوفاً من أن يُكشف سرّها مما يرتب عليها مسؤوليات تجاه ذوي المفقودين. أما الآن، وقد تمّ خرق هذا السرّ، فهل يلجأ أهالي المفقودين والمخفيين قسراً الى القضاء مجدداً لمساءلة الدولة عن سياسات حكوماتها اللامسؤولة؟

نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين


[1]بموجب قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 89/2000، تاريخ 25/04/2000.
[2]ورد لدى الشؤون الوزارية تحت الرقم /2412/ تاريخ 26/07/2000.
[3]تقرير الدكتور لطفالله أبو سليمان تاريخ 24/07/2000.
[4]تقرير الدكتور فؤاد فارس تاريخ 24/07/2000.
[5]يراجع كتاب رئيس مجلس الوزراء السابق، سليم الحص، تاريخ 19/08/2000 (المسجل لدى ديوان وزارة العدل تحت الرقم 500/أ.ت.).
[6]يراجع نزار صاغية "ذوو المفقودين ازاء سياسات الصمت والانكار"، دراسة بالتعاون مع المركز الدولي للعدالة الانتقالية، سنة 2012 – منشورة على موقع المفكرة القانونية الالكتروني.
[7]قرار مجلس الوزراء رقم /42/ صادر خلال الجلسة المنعقدة لمجلس الوزراء بتاريخ 20/12/2000.
[8]تم تمديد المهلة المعطاة للهيئة بموجب قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 69/2001 الصادر بتاريخ 09/06/2001، تلاه قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 155/2001 الصادر بتاريخ 07/12/2001.
[9]يراجع كتاب نقابة المحامين في الشمال الموجه الى رئيس الوزراء آنذاك، رفيق الحريري، بتاريخ 26/01/2001.
[10]ن. صاغية، "ذوو المفقودين ازاء سياسات الصمت والانكار"، مذكور أعلاه.