عذرا من المفقودين إن أسأت، فلا قدرة لهم على الردّ
 
نصب في المنفى:

لندن ٢٠١٢، دخلت مجموعة من الشباب والنساء العاصمة البريطانيّة المنهمكة في إتمام التحضيرات النهائية لاستقبال الألعاب الأولمبيّة. توجّهت المجموعة مباشرة إلى النصب الضخم الجديد arcelormittal orbit في وسط حديقة الملكة اليزابت الأولمبيّة، والذي أنجزته أكبر شركة تصنيع للحديد للمناسبة التاريخية، النصب التاريخيّ الأعلى في لندن يرتفع ١١٤مترا ونصف وهو يتوّج الجسد البشريّ الرياضيّ للإنسانيّة الذي بدأ الإحتفاء به منذ ألعاب ١٨٩٦ الأولمبيّة.
 
تحت النصب، أَعلنت المجموعة أن الجسد الحديدي للنصب، المُحتَفي بالجسد البشري الرياضيّ للإنسانيّة، هو مجبول ومصقول بأجساد البوسنيين وعظامهم. ولذلك، هم يعلنونه "نصبا في المنفى"" (memorial in exile)  للجريمة الصربيّة، بدلاَ من أن يكون نصباَ للألعاب الأولمبيّة. وبواقع الأمر، كان النصب صُنع من حديد مستخرج من أرض معسكر الإعتقال في أومارسكا (omarska) في البوسنة، الذي طُمر في باطنه مئات من البوسنييّن الذين اعتُقلوا، عُذبوا وقُتلوا في أروقة المنجم هنالك والذّي كان قد تحوّل إلى مركز عسكري للقوات الصربيّة خلال سنة ١٩٩٢ .
بعد أن تولت الشركة البريطانيّة الجديدة العمل في هذا المنجم، رفضت السماح للأهالي بزيارته لسنوات بالرغم من معرفتها بما جرى في أروقته، وما دُفن في أرضه. ولم تتوانَ عن إعادة العمل على نبش الأرض واستخراج ما احتوته لتصنع منه الحديد حتّى ولو كانت تلك المواد معدنيّة أو بشريّة. فكان احتمال وجود عظام منثورة داخل ذلك الجسم الضخم في وسط لندن حاضرا.
 
نشأة الرمز واستقراره
 
النصب يعمل على التذكير بحدثٍ ما وتثبيته. إلّا أنّ رمزيته تتخطى البُعد الإنساني المحسوس للحدث المذكور، فيدخل الحدث بذاته عالم الرموز البعيد عن الحيّز الملموس للتجربة. هو سهل الإستعمال والتحويل والتسييس، يثبّت طرفاً ويلغي طرفاً آخر. في لبنان نجد أن ملفّ الحرب لم يُعامل سوى بصيغة الرموز. إحدى أكبر هذه الرموز هي الرواية الرسميّة للحرب، والتي يمكن لنا استخلاصها من قوانين ومواد قانون العفو العام. فالقانون رقم ٨٤ الصادر في آب ١٩٩١ شَفّر ورَمَّز الجرائم المرتكبة في الحرب وألغاها، محى حياتات كلّ من عاش، مات، أُصيب أو اختفى خلال الحرب. وثبت من الطرف الآخر رواية الحرب بحسب بعض الجرائم السياسية المحالة إلى المجلس العدليّ فقط، فاقتصرت رواية الحرب على مجريات حياتات بعض العائلات السياسيّة الكبيرة، و اختفى كل شيء آخر.
 
إختفاء المفقود الثاني
 
أحد الرموز الدقيقة التي أوّد تسليط الضوء عليها يرتبط  بتمثيل المفقودين في المجتمع وذلك باستعمال صورهم كأداة لهذا التمثيل. هذه الصور حين يرفعها أهالي المفقودين ليس لها أيّ معنى رمزيّ، فالأهالي ومفقوديهم هم الحالة بذاتها. أمّا حين تُستعرض صورهم في معارض ومناشير وكتب بهدف رفع القضيّة إلى مستوى العمل الإجتماعي أو تحفيز الذاكرة، ترتقي الصّور وأصحابها إلى مستوى الأيقونات الرمزيّة. فتصبح تللك الصور المرصوفة بشكل grid تطحن بعضها البعض رمزاً للقضيّة، فتتلاشى إنسانيّة وفرديّة وخصوصيّة الشخص، وتتسطّح قصته لتلائم التصميم المقترح للقضيّة، فيختفي الشخص المفقود للمرّة الثانية. فكيف لمجتمعنا أنّ يمثّل مفقوديه أو يرفع نصبا للقضيّة دون أن يثبت فقدانهم أو يغلق ملفهم كنتيجة مباشرة لرفع نصب تذكاري لقضيتهم؟
 
من الصعب تفادي الوقوع بالرمزيّة من خلال النصب. وإن وجب إنشاء نصب ما لقضيّة ما، أوجب علينا أن نحدد أيّاٍ من جوانب الموضوع نسعى إلى ترميزه. فمن جهة أولى، قضيّة المفقودين ما زالت قائمة وحيّة والعمل عليها من قبل الأهالي والناشطين جارٍ بشكل يوميّ. لكن القضيّة تكتنز من جهة أخرى الكثير من المعطيات القبيحة المتعاقبة والتي قد تُفاجِئ بما تنطوي عليه من إبداع لإغلاق الموضوع أو تغيير حقائقه. 
ومن هذه المعطيات، تقرير لجنة التقصّي عن مخطوفي ومفقودي الحرب الصادر في سنة 2000. فقد هدف هذا التقرير الى نقل مسؤولية إعلان وفاة غير مثبتة للمفقودين عن كاهل الدولة الى عائلاتهم. فإن أعلنته الدولة، تُعتبر قاتلة بحكم ضلوع معظم أفرادها بعمليّات الخطف، أما أن يقوم الأهل بذلك فذلك يحررها من مخاطر الملف الأكثر إحراجاً وتعقيداً. وأذكر أيضاً تعاقب إكتشافات لمقابر جماعيّة والطرق التي تمّ اللجوء لها لإعادة دفنها. وهنا أعجز عن تعدادها، كما أعجز عن شرح الإبداع الذي ظهر على المستويات السياسية والأمنيّة و لكن أيضا على المستويات القضائيّة والطبيّة لإثبات عدم وجودها.
 
النصب التذكاري لقضيّة المفقودين، الأولى بنا اذاً أن نستبدله بنصب تذكاري مؤقت، يفضح ويتّهم ما جرى وما زال يجري حتّى اليوم، ويثبّت جرميَّة المرحلة الممتدّة منذ سنة ١٩٩١ حتّى اليوم في التعامل الرسميّ مع هذه القضيّة، حتّى ولو رفضت الدولة تبنّيه، على غرار نصب لندن. ومن أقسى الأفعال كانت عمليات نبش الجثث وجرفها التي حدثت خلال مرحلة الإعمار، ونقلها سرّاً إلى المكبّات والبحر، فكانت عمليّة قتل ثانية لشخص مقتول أساساً. هذه الصورة تجسّد قساوة المرحلة حيث لا تتوانى شركة غير ضليعة في جريمة القتل الأولى بأن تصبح شريكاً وحليفاً في الجريمة.  
 
ومن مواصفات النّصب أن يلعب دور شاهدٍ، أن يكون موجوداً ولا حاجة لابتداعه، مُشيّدُه ومُهندسه هو مقترف الجرم نفسه وليس من يسعى إلى حلّ القضيّة. فهذا يُعطي النصب مصداقيته، يجعله حيّاً من المستحيل تفاديه أو نسيانه، يبقى جاثماً وحاضراً لا قدرة قدير عليه، قبيحاً بجماله وادّعائه كما في لندن، مادّته من مادّة الجريمة، لا كلفة أو تعب لإنشائه. يكفي أن تسميه فيكون. وعند انتهاء القضيّة، يتمّ تدميره فتتنتهي مهمّته كشاهد على الجريمة، ويستبدل بنصب دائم للقضيّة إن لزم الأمر. 
 
تلّة في وسط البحر
نبت الحشيش فوق تلك التلّة في وسط البحر، التلّة الغريبة عن مشهد  طبيعة المنطقة البحريّة. التلّة لم تكن موجودة من قبل. هي تكوّنت من كلّ ما تمّ التخلّص منه، كلّ ما لم يسغ هضمه من نفايات وجرائم. أصبحت التلّة شبيهة بالتلّ الصغير الذي يرتفع عن تسطيح الأرض فوق الميت بعد دفنه. من بعيد، ترى تلك التلّة وكأنها قبر لشخصٍ ضخم، كبير جداَ، شخص بحجم مدينة بيروت. شخص بحجم كل تلك الأفعال الجرميّة. هو مكبّ النورمندي.
            
نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين