ثمة مؤشرات على حصول عمليات خطف أطفال خلال حرب 1975-1990 بهدف بيعهم ضمن عمليات انتهت وتمّ تبييضها من خلال التبنّي. وطبعاً، الحالات المشابهة في أثناء الحروب شائعة ومعروفة. ومع عودة مئات الشبان والشابات الى لبنان بحثاً عن أصولهم، نكون في حال صحة هذه الفرضية أمام إلتقاء حقّين بالمعرفة: الحقّ بمعرفة الأصل المكرس في المادة 7من اتفاقية حقوق الطفل وحق ذوي المفقودين في معرفة مصائر هؤلاء وهو الحق الذي تكرّس في قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 4-3-2014. والأهم من ذلك، نكون أمام فئة جديدة من مفقودي الحرب الذين يرجح بقاؤهم على قيد الحياة. بانتظار ظهور مزيد من الحقائق في هذا الشأن، تنشر المفكرة قراءة لدانيال درينان، وهو أحد الشبّان المتبنّين، حول وظائف التبني، وخصوصاً في أزمنة التحارب والتطهير العرقي. وما عرفه لبنان خلال حربه، ربما تشهده اليوم سورية بشكل أوسع (المحرر).    

يشهد لبنان، مثل العديد من الدول المصدّرة للأطفال المتبنّين، ارتفاعاً في مطالبات الذين وصلوا إلى سن الرشد من بين هؤلاء والساعين للوصول إلى إجابات تتعلق بجذورهم. وتصل تحقيقات هؤلاء في الغالب إلى طريق مسدود، لا سيما بسبب وجود ملفات مزورة أو رفض السلطات الحكومية و/أو الدينية في اعطاء معلومات الخ. وأن هذا الأمر يشكل نقطة تحوّل للعديد من المتبنين الذين لا يفهمون ردة الفعل غير المرحبة بهم في مسار كان من المفترض أن يسلك طريقاً قانونياً بحت.

ومن خلال دراسة الطبيعة التاريخية للتبني ووظائفه فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والسياسية تجاه الفقراء والفئات الإجتماعية المهمشة، نجد المتبنين عمليا في مرتبة مشابهة لتلك التي تنتمي اليها عموماً الفئات المهمشة إجتماعياً لا سيما لناحية حالة الحرمان التي تؤدي إلى التشرد والتجريد من الممتلكات والميراث الثقافي. ومن المهم الإشارة بداية، إلى أن أكثرية الدول المصدّرة للأطفال المتبنين تنتمي الى ما يسمى بـ"العالم الثالث" وهي تالياً تشكل نقيضاً للدول المتبنية بحسب المفهوم الإجتماعي-الإقتصادي. فهي تشكل فضاءات كانت مُستعمرة سابقة أو مستهدفة اقتصادياً وسياسياً لمحاولات نهب مواردها، الأمر الذي تشير إليه نعومي كلاين (Naomi Klein) بـ"عقيدة الصدمة"(Shock Doctrine). وتالياً، لا يشكل التبني مغامرة لإنقاذ أطفال من بيئة غير حاضنة، انما يشكل بالواقع افتتاحية عسكرية لحرب اقتصادية و/أو سياسية مقبلة. فمعظم المتبنين ينتمون – في بلد التبني - الى فئات إجتماعية مهمشة، وأن فصلهم عن باقي المجتمع يحصل على أساس عرقي أو أثني أو طبقي أو طائفي. وعليه، وعلى عكس الخرافات المتداولة حالياً بشأن التبنّي لناحية بناء العائلة والعمل الخيري الخ، من شأن هذه الدراسة أن تلطّخ كل ممارسات التبني (كارب، 2002؛ مار وبريغز، 2009). فعلى سبيل المثال، نجد الإعلانات المتعلقة بالأطفال المعرضين للتبني والتي تتضمن وصف العرق والجنس والوضع الصحي، وهو أمر يعيد إلى الأذهان أيام العبودية. فعبارة "وضع قيد التبني" تكاد تكون مرادفاً ملطفاً لعبارة "وضعه في السخرة"؛ أو بيعه كرق.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ التحول التاريخي في عملية التبنّي وجعلها وسيلة لإنشاء العائلة يتوافق زمنياً مع صعود الولايات المتحدة الأميركية كقوة امبريالية في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فقد أصبح التبني وسيلة لتحقيق مجموعة من المهام الفرعية التي تدعم بناء إمبراطورية مماثلة. وقد يتضمن ذلك إبادة اليسار السياسي (والأعداء الآخرين للدولة)، وذلك غالباً من خلال "اختفاء" أبنائهم، كما حصل في إسبانيا والتشيلي والأرجنتين أو عبر خلق طبقة كومبرادورية أو نخبوية محلية تستفيد من استعمار بلادها وتتماهى مع المستعمر أو عبر ممارسات البعثات الدينية التي تحث السكان المحليين على تغيير ديانتهم (بارون، 2014؛ جويس، 2013).

وتالياً، تمّ تكييف وظائف التبني الكلاسيكية وإعادة هندستها لخدمة حاجات السلطات المهيمنة. فيستهدف أطفال العائلات التي اعتبرت "عدوة للدولة" (أو للحزب أو الزعيم الحاكم في منطقة معينة) خلال حرب الجبل في لبنان وحرب 1975-1990 على غرار ما حصل في إسبانيا أيام فرنكو الفاشية، وفي أميركا الوسطى والجنوبية. ومن شأن هذه الممارسات أن تفسر ضآلة المعلومات عن عمليات التبني التي أجريت حينها، وأن تفسر أيضاً رفض المسؤولين المحليين السماح للمتبنين بالتقصي عن أصولهم.  

بعض الأمثلة وثيقة الصلة بالتفرعات التاريخية للتبني في لبنان. وهي تتضمن وجود لاجئين وشعوب مهاجرة على أراضية؛ كما تتضمن ممارسات محو سياسي وخطف واختفاء وسجن وتحركات مدعومة خارجياً ضد محاولات لتأسيس بنى فوقية أكثر إنصافاً ولبناء شبكات تبنّي قسري وتهريب تستهدف الأمهات العازبات والفقراء والمواطنين وإيديولوجيات السلالات "النقية" والأصول إلخ. وترتكز أسس هذه السياسات الرجعية في المعتقدات التي أدت إلى ظهور التبني في المجتمعات الأنغلو – ساكسونية في القرنين التاسع عشر والعشرين، خصوصاً في علم تحديد النسل والتفوق العرقي والأفكار الكالفينية المتعلقة بالفقراء والمحتاجين، إلخ. كما أنّها تجد صداها في الفضائح التي اكتشفت أخيراً حول التبني، مثل قضية "الأطفال المسروقين" لدى نظام فرانكو الفاشي في إسبانيا، وأطفال اليهود اليمنيين المسروقين والعائدين إلى إسرائيل والمقابر الجماعية لأمهات وأطفالهم في أيرلندا، الخ. هذا الأمر لا يشكل انحرافاً عن المعايير المعتادة، ففي الحقيقة يقتضي فهمها تاريخياً على هذا النحو تحديداً. فلم يتم "إنقاذ" "أيتام" لبنان من الحروب التي وقعت على أراضيه، لكن تم استهدافهم بالذات لاقتلاعهم من جذورهم.

إذاً من الضروري إعادة تعريف التبني كما نفهمه اليوم: فهو في حد ذاته عنف يهدف إلى انتهاك المساواة. وهو يقدم بغلاف وردي، ويروّج له، ويغلف ليبدو وكأنّه خاص بالعائلات والأطفال، لكنّه في الحقيقة جريمة ذات خلفيات اقتصادية وسياسية. فالتبني هو علاج للأعراض وليس للمرض بحد ذاته؛ هو إلغاء لعائلات وإبادة لمجتمعات نظراً للتحيز المتجذر في ثقافات التبني والمتبنى المتعلقة بالعرق والطبقة والقيمة الإنسانية.
ومع عودة المتبنين إلى لبنان بأعداد كبيرة، واستكشافهم قنوات مختلفة عن بنى السلطة السرية والمتحجرة التي ترفض حقهم في معرفة أصولهم. ولما كانت هذه القنوات (مثل فحوصات الحمض النووي) تبدأ في إظهار الحقيقة البائسة التي تقف وراء ممارسات التبني المحلية، يمكن فقط أن نأمل حصول نقاش صالح وصادق حول هذا الموضوع. فلدى أكثر من عشرة آلاف لبناني قصص ليخبروها، وفي المحصلة فإنّ التاريخ الذي سيكشفون عنه قد لا يكون ساراً. ولكن على الرغم من ذلك، فلقد آن الأوان لسماع هذه القصص.

نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين