في 13/12/2001، أصدرت محكمة جنايات جبل لبنان[1] قراراً باعتبار الخطف الحاصل خلال الحرب الأهلية جريمة متمادية لمجهولية مصير المخطوف ولا تخضع تالياً لقانون العفو الذي يتصل حصراً بالجرائم الحاصلة قبل تاريخه. وعلى هذا الأساس أدانت المحكمة الخاطف حاكمة عليه بالسجن حتى ثلاث سنوات.
 
فبعدما تثبّت من اقدام المتهم على الخطف، أشارت المحكمة الى مجهولية مصير المخطوفين والى استمرار المتهم في إنكار الخطف قبلما تقضي انطلاقاً من ذلك بأن الخطف جريمة متمادية لا تستفيد من قانون العفو.

فقد اعتبرت تالياً أن مجهولية مصير المخطوفين تشكل قرينة كافية للقول بأن الجريمة متمادية (أي أن احتجازهم قد استمر بعد الحرب الأهلية). واكتفاء المحكمة بهذه القرينة دون التوسع في التحقيق أو بذل أي جهد للتأكد من استمرار الاحتجاز، يشكل دليل شبه قاطع على أن المحكمة ميالة الى الاعتقاد بأنّ المخطوفين قد توفوا وأن الفرضية التي استندت إليها ترمي ليس الى معاقبة الخطف أو استمرار الاحتجاز، إنما الى معاقبة امتناع الخاطف عن الكشف عن مصير المخطوفين – وتالياً ليس معاقبته عن فعل ارتكبه خلال الحرب إنما عن فعل حصل بعد انتهائها. فلو أقر الخاطف بجرمه وأثبت أن المخطوفين قد توفوا أو قتلوا قبل قانون العفو، لكانت أسقطت المحاكمة عنه عملاً بهذا القانون.

وما يؤكد ذلك هو أن المحكمة قد خفضت العقوبة المترتبة عادة على الخطف والاحتجاز على نحو لا يتلاءم مع الجرم فيما لو ثبت أن الاحتجاز مستمرّ وما يزال متواصلاً، إنما يتلاءم فقط مع ضرورة الضغط على الخاطف لإعلام أهالي المخطوفين بما آلوا إليه.

وهي بذلك تكون قد نحت منحى المحكمة العليا في تشيلي[2] والتي أسقطت الدفوع المتصلة بقانون العفو فاتحة الباب أمام محاكمة بينوشيه بحجة أن جرائم الخطف المعزوة إليه هي جرائم متمادية لا يشملها قانون العفو، فرضة بالتالي على بينوشيه إثبات مقتل المفقودين قبل صدور قانون العفو للاستفادة منه. وهذا الاجتهاد قابل للتطبيق في لبنان لا سيما أن قانون العفو قد إستثنى صراحة الجرائم المتمادية والتي تستمر بعد صدوره.

وهكذا تظهر بوضوح معالم الشرخ الذي أحدثه القرار المذكور في السياسة المتبعة بشأن محاكمة الحرب. فعلى صعيد حقوق الضحيّة، كرّس القرار حقّ أهالي المخطوفين بالمعرفة وبالأخص حقهم بمواجهة المسؤول عن أوجاعهم وتالياً أخرج مطالبهم من دائرة التهميش ليضفي عليها مشروعية ذات قوة قانونية. أما على صعيد المساءلة، فقد تبنى القرار وجهة معينة تؤول الى اعتبار العقوبة وسيلة ضغط أو ضمانة لحمل الفاعلين على الاعتراف بحقوق الضحية. وبكلمة أخرى يكون القرار قد خول القاضي أن يمارس الى حد ما دور الوسيط الذي يحاول الاستحصال على إلتزام الخاطف بحق المعرفة للاعفاء عنه.

نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين


[1]المحكمة كانت مؤلفة عند اصدار القرار من الرئيس  جوزيف غمرون والقاضيين خالد حمود وأحمد حمدان
[2] Pinochet face à la justice de son pays, Le Monde 10 août 2000