في السادس عشر من كانون الأول / ديسمبر من العام 2014، جرى احتفال لمناسبة تسليم تقرير رسمي عن التحقيق في مصير الأشخاص المخطوفين والمفقودين. جرى الاحتفال في "بيت المحامي" في بيروت، بحضور أعضاء من نقابة المحامين، ومن اللجنة الدولية للصليب الأحمر. لقد أعد التقرير لجنة لتقصي مصير المخطوفين والمفقودين (أنشئت في سنة 2000) وقد سلمه مجلس الوزراء بعد عدّة أحكام قضائية من قبل مجلس شورى الدولة. وتظهر هذه الوقائع جانباً هاماً لانخراط مهنيي المجال القضائي بقضية الأشخاص المفقودين بطرق مختلفة، وفي أمكنة مختلفة.

خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، إجتمعت عائلات الأشخاص المفقودين لإيجاد أحبائهم، الذين غالباً ما كانوا قد خطفوا على يد الميليشيات أو الدول المحتلة، أو تم إعدامهم ودفنوا في مقابر جماعية. من بين هؤلاء من اتصل بمحامين من أجل التعاطي بصورة صحيحة مع المشاكل القانونية الآنية – أي البحث عن الخاطفين، إبلاغ الشرطة أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو الحصول على أذونات عائلية للأطفال، إلخ. أصبحت هذه المشاكل أكثر تعقيداً على مر السنوات، وتوّجت بمشاكل عن الإرث، وإدارة الأملاك، والطلاق، والزواج من جديد، والأهم معرفة "الحقيقة" عن أحبائهم. ساند الكثير من الناشطين التزام وداد حلواني منذ العام 1982 كما العديد من العائلات مع "لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين" وغازي عاد من مؤسسة "سوليد". لقد شدد كرم كرم في أطروحة الدكتوراه الخاصة به (2004) على مساندة الكثير من المهنيين للعمل الجماعي الذي ارتبط بهذه "الحركة المدنية" منذ نهاية التسعينيات.

يمكن اعتبار العديدين منهم كخبراء في القانون: محامون، وفقهاء قانونيون، وناشطون تدربوا على حقوق الإنسان، وحتى قضاة وأعضاء في نقابة محامي بيروت. لا يمكن إنكار دورهم في قضية الأشخاص المفقودين. يمكن للمختصين القانونيين أن يساهموا في "قوننة" الشكاوى، أي صياغتها في لغة القانون، وحتى "قوننة" الجرائم، أي ضمان وصولها إلى المحكمة (كوماي ودومولون، 2009). ما هي إذاً تأثيرات هؤلاء في الدفاع عن هذه القضية؟ هل يقتضي وجودهم، مثلاً، استخداماً مكثفاً للقانون والعدالة؟ هل يوحي ذلك برؤية مغايرة لحكم القانون في لبنان؟

يهدف هذا المقال إلى وصف تطور الأدوار السياسية والقانونية للخبراء القانونيين، الملتزمين بقضية الأشخاص المفقودين خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. يرتكز هذا المقال على استطلاع للرأي أجري كجزء من دراسة دكتوراه في العلوم الاجتماعية، ويتضمن مقابلات عدة، وملاحظات حول المناصرة والمحاكمات الجماعية، ودراسة للأرشيف الصحافي والخاص بالناشطين.
 
إلتزام أولي للخبراء القانونيين من دون القانون؟

كان الناشط السياسي والمحامي الراحل سنان براج، المولود في العام 1945، من أول المساندين لقضية الأشخاص المخطوفين. أخبرتنا أرملته (1) في مقابلة عن دوره في القضية في خلال الحرب. ورغم أنّه يبدو ألا أقرباء مفقودون له شخصياً، طالب منذ البداية بإنشاء اللجنة، واستضاف أفراد العائلات في منزله للاجتماعات. قبل ثلاثين عاماً على تقديم اقتراح  قانون للمفقودين، دفع سنان براج عبر نواب يعرفهم نحو مبادرات تشريعية، مستخدماً موقعه كمدافع عن الحقوق السياسية والإنسانية وكمحام في خدمة القضية.

بعد خمسة عشرة عاماً، وتقريباً قرابة نهاية الحرب الأهلية (1990)، انطلقت حملة جديدة للعائلات بعنوان "حقنا نعرف"، في الشوارع وفي الإعلام وفي الفضاء العام، مع "قضايا مدنية" أخرى، ونعني هنا بأنّها سلمية وتتخطى أي حزب سياسي أو مذهب أو ميليشيا. نال هذا الحراك المدني مساندة من الخبراء القانونيين الملتزمين بقضية الأشخاص المفقودين، مستخدمين مكانتهم الاجتماعية أكثر من خبرتهم القانونية لمساندة القضية. على سبيل المثال، فإنّ "ميم" وهو محام سابق، ساند القضية في التسعينات وكان لفترة طويلة ناشطاً في قضايا اجتماعية مختلفة، خصوصاً قضية الذاكرة المتضاربة للحرب. يعترف "ميم" بخيبة أمله من أول تجاربه القانونية الشخصية. حتى لو لم يكن ينفي أهمية دور القانون والعدالة، لم يسع حتى الساعة لاستخدامه بعد الحرب:

ميم: لم أقدم مسودة قانون. المشكلة كانت بداية تتمحور حول "الاعتراف بالمشكلة"، بأنّ هناك مشكلة... من الضروري أن تعترف الدولة بهذه المشكلة، وتقرر حلها (...) اعرف أنّه كانت هناك محاكمات. لكن لم أكن المحامي فيها. وكما قلت لك، أنا لا أقوم بالمرافعات.
إيف: أي أنك لم تنصح العائلات أبداً باللجوء إلى المحكمة؟

ميم: كلا، ناقشنا القضية بشكل عام، هذه المحاكمات كانت منطقية حين كانت العائلات تعرف الجاني. يمكنك أن تتهم أحدا، ويمكنهم التعرف على شخص أو حزب معيّن يشكّون أنّه ارتكب الجريمة. إذا لم يكونوا يعرفون شيئاً عن ظروف الاختفاء، لا يمكنهم تأمل متابعة لقضيتهم.

تعكس هذه الاقتباسات (3) الحاجة "للاعتراف بالمشكلة" وبقدرة المحامين على التعبير عن القضايا الاجتماعية باستخدام اللغة القانونية. لكن حتى لو هذا المحامي، مثل غيره، كان واعياً للمسار القانوني، فهو يساند القضية على الأقل عبر استخدام مكانته الاجتماعية على مستوى شخصي وجماعي. بقي عدد من محامي نقابة بيروت مهتمين بالقضية منذ حوالي خمسة عشر عاماً، أي قبل تسليم تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في كانون الأول/ ديسمبر في مبناهم. من بين هؤلاء د. عبد السلام شعيب الذي يترأس لجنة النقابة الخاصة بحقوق الإنسان منذ العام 1996، وكان عضواً في اللهيئة الخاصة بهذه القضية في العام 2001 (أي هيئة تلقي شكاوى أهالي المفقودين). لقد حاول مراراً، عبر معارفه السياسيين وفي المهنة، الدفاع علناً عن القضية وإيجاد حلول (4)، وهو شارك كذلك في الاحتفال في 16/12/ 2014.

ثانياً: من انتقاد حكم القانون للالتزام بالقانون والعدالة

أمام النقص في استعمال القانون، يجدر التساؤل في ما إذا كان بالإمكان تفسيره بعدم ثقة الشخص المستضعف إزاء النظام القانوني والقضائي؟ بالفعل، فإنّ الناشطين الملتزمين في قضية الأشخاص المفقودين هم في العادة نقديون تجاه حكم القانون (رغم بعض الاستجابات المختلفة بعض الشيء). يفترض الجميع أنّه خلال الحرب كان من الصعوبة بمكان اللجوء إلى النظام القضائي في أفضل الأحوال. لكن بعد الحرب، في التسعينات، وبداية الألفية وخصوصاً بعد العام ٢٠٠٥، تختلف الإجابات وفق الحالات، ولكن ليس وفق درجة ممارستهم القانون وتدريبهم عليه.

إنّ أول محاكمة وصلت إلى إصدار حكم في قضية اختطاف وأشخاص مفقودين لم تكن معروفة جداً. لقد نظر في القضية في العام ٢٠٠١ من قبل محكمة يرأسها القاضي غمرون الذي عرف عنه انتباهه لعدد من القضايا الاجتماعية الأخرى. حكم غيابياً على المتهم حاطوم، وهو عنصر سابق في ميليشيا القوات اللبنانية التي عملت على الساحة خلال الحرب الأهلية، بتهمة خطف وإخفاء رجل فلسطيني سمي "فاء". اعتبر القاضي بأنّ "الجريمة مستمرة" بسبب استمرارها بعد صدور قانون العفو. أعطت التقارير عن قضايا المفقودين تفاصيل عن هذا الاجتهاد (٦). وفي هذا الخصوص، يقول أحد أبرز محامي ذوي المفقودين في مقابلة (٧) كيف اشتهرت هذه القضية مما منح أملاً لحل قضائي بشكل عام:

-       نزار صاغية: ذهبنا لمقابلة القاضي. ذهبنا لنتحدث معه؛ (...) وقمنا بمؤتمر صحافي عن حكمه.

-       إيف: لكن قبل ذلك لم يكن الحكم معروفاً؟

-       نزار صاغية: نعم لكن لم أكن أنا من اكتشفه... تعرف، أحياناً يسعى القاضي الى نشر الحكم... كان أمراً ذكياً قام به. هكذا لفت انتباهنا واعتقد أنّ وداد كانت من قرأه في جريدة السفير. في تلك اللحظة قررنا الاتصال به. كان الأمر مؤثراً جداً (...) كان هناك جانب إنساني في القرار.

اليوم معظم اللاعبين المدافعين عن قضية الأشخاص المفقودين يعتبرون أنّ مسألة حكم القانون أساسية. لقد أصدر المركز الدولي للعدالة الانتقالية عدداً من التقارير وأحد مسؤوليه السابقين، حبيب نصار كان أيضاً محامياً ملتزماً بالقضية سابقاً. يصف التقرير الذي أصدره المركز في كانون الثاني ٢٠١٤ الفشل لدى القضاء الذي "لا يستطيع أو لا يرغب" في معالجة هذه القضية (٨):

"تساهم العديد من العوامل في عدم قدرة القضاء وعدم رغبته في تأمين العدالة لضحايا الاختفاء القسري وعائلاتهم. نظراً إلى عدم وجود أي تفسير في قانون العقوبات اللبناني لمبدأ "الجرائم المستمرة والمتكررة" فإنّ القضاة لطالما ترددوا في شمل الاختفاء القسري بوصفه استثناء لقانون العفو العام ضمن هذه الفئة. أكثر من ذلك، غالباً ما يواجه القضاة تدخلات من قبل السياسيين أو يكونون أنفسهم جزءاً من أقطاب التأثير السياسي. نتيجة لذلك، ورغم أنّ عدداً من القضاة الأفراد حكموا لصالح المدعين، فإنّ النظام القضائي اللبناني لم يكن قادراً أو راغباً بمعالجة قضايا الاختفاء القسري وفق نصوص وأحكام الجرائم المستمرة. بدلاً من ذلك لقد ذكّر المدعي العام التمييزي بأهمية الحفاظ على السلم الأهلي مقابل اعتبارات العدالة".

تقترح معظم المنظمات غير الحكومية عناصر عدة لتعزيز دور القضاء خصوصاً بعد رحيل القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان (٢٠٠٠) والقوات السورية في العام ٢٠٠٥. إنّ مأسسة المحكمة الخاصة بلبنان، على عكس معظم المحاكم الدولية التي تختص بالجرائم الجماعية بعد نزاعات أهلية متعددة، يجعلنا نتساءل عن دور المحاكم في جلب الحقيقة والعدالة لضحايا الحرب الأهلية وليس فقط من يدورون في فلك رفيق الحريري.

ثالثاً: مناصرة المهن القانونية: من أجل المفقودين ومن أجل القانون

عبر تجديد أملهم في النظام القضائي، واختبار قدرته على معالجة النزاعات، يدافع هؤلاء الناشطون بشكل مستقل عن نوع من حكم القانون في لبنان (ميرمان، 2012)، حتى مع تقديم القضاء كحل بديل عن الحل التشريعي أو الحكومي للقضية.

كان الأمر كذلك خصوصاً خلال مؤتمر الجامعة الأميركية في بيروت الذي عقد في الثامن من نيسان /إبريل 2015 في مركز عصام فارس، حين شكك الطلاب والمحاضرون (وداد حلواني، كارمن أبو جودة من المركز الدولي للعدالة الانتقالية وفابريزيو كاربوني من اللجنة الدولية للصليب الأحمر) بإطار "ما بعد النزاع": "بعد ربع قرن على نهاية الحرب الأهلية: هل قلبنا صفحة جديدة؟". ناقشوا في مسألة أي من المؤسسات يمكن أن تساهم في التغيير السياسي، من "حقنا أن نعرف" إلى المطالبات الجديدة من قبل المهن القضائية والقانونية، من قضية "الأشخاص المفقودين" إلى قضية "القانون". إنّ الخيار بالمناصرة من قبل المهن القانونية يصبح إذاً إحدى المسائل الجارية. وفي ورقة بحثية سابقة بعنوان "نداء للقضاة والمحامين للالتحاق بدوام ذوي المفقودين: لنتحد حولهم دعما للعدالة واستقلال القضاء" دعت "المفكرة القانونية" مهنيي القانون ككل، للدفاع عن قضية الأشخاص المفقودين. وبعيداً عن معاناة أقرباء المفقودين، تُركّز الحجج على دفع القضاة والمحامين اللبنانيين للوصول إلى الاجتهاد القضائي عينه الذي وصل إليه نظراؤهم في الغرب، على تثمين الاستقلالية المهنية، وعلى مناصرة قضية الأشخاص المفقودين بوصفها قد تؤدي إلى تغييرات في ممارسة مهنة القانون. بالطبع، على القانون أن يغيّر مسار القضية. لكن بالنسبة لهؤلاء الخبراء القانونيين فإنّ القضية أيضاً قد تؤدي إلى تغيير في المهن القانونية وفي القانون اللبناني نفسه. وتجدر الإشارة هنا الى أنّ "أغلبية المحامين اللبنانيين ليسوا فاعلين في المجتمع المدني، ولا يجب أن نغالي في تقدير التزامهم" (9). وبالإمكان إعتبار الخبراء القانونيين بوصفهم القلة من المحامين اللبنانيين الملتزمين بقضية (غمرون، 2013) أي المحامين الملتزمين في ترجمة المشاكل الاجتماعية بتعابير قانونية من المرجّح عرضها أمام القضاء (سارات وشاينغولد، 1998).

ختاماً، يمكن القول إنّ للقضية أوجهاً عدّة قانونية، وطنية، اجتماعية وأخرى مرتبطة بالذاكرة (معلوف، 2012) فضلاً عن وجهها القانوني. ولانخراط الخبراء القانونيين في مناصرة قضية الأشخاص المفقودين أشكال عدة. وغالباً ما يجمع بعضهم مقاربات مختلفة (مشروع قانون، تقاضٍ، إعلام، ونقابة المحامين). ورغم أنّ هؤلاء يناصرون غالباً القضية بصفتهم الشخصية، لكنهم يساهمون في "قوننة" القضية من خلال ما يفعلونه.
 
نشر في الملحق الخاص بقضية المفقودين
 
(1)  مقابلة مع السيدة فاديا بزري براج أجريت في الرابع من كانون الأول / ديسمبر 2013 في بيروت.
(2)  تم إعداد هذه المسودة من قبل مجموعات من أهالي الأشخاص المفقودين ومحاميهم، بمساندة من المركز الدولي للعدالة الانتقاليةـ وتم تقديمها في نقابة الصحافة في الروشة في العشرين من كانون الثاني / يناير 2012، وتم لاحقاً مناقشتها مع برلمانيين وأعضاء في المجتمع المدني أيضاً، في خلال طاولة مستديرة نظمها المركز الدولي للعدالة الانتقالية في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من شهر شباط /فبراير 2012.
(3)  مقابلة مع "ميم" أجريت في الرابع عشر من تشرين الثاني / نوفمبر  2013 في بيروت، مسجلة.
(4)  مقابلة مع السيد عبد السلام شعيب أجريت في التاسع عشر من كانون الأول / ديسمبر 2013 في مكتبه في بيروت.
(5)  تقرير" Liban, Disparitions Forcées et Détentions ausecret"  الصادر عن المركز اللبناني لحقوق الإنسان، بيروت/ شباط / فبراير 2008، متوفر بنسخة إلكترونية.
(6)  نزار صاغية، "ذوو المفقودين إزاء سياسات الصمت والإنكار- أي أبواب لنقل مطالبهم الى حلبات القضاء؟" بيروت، منشورات  المركز الدولي للعدالة الانتقالية المطبعة العربية، 2012.
(7)  مقابلة مع نزار صاغية في الثامن عشر من آذار/ مارس 2015 في مكتب "المفكرة القانونية" في بيروت، مسجلة.
(8)  ديمة سميرة، روكسان كسغاري "Failingto Deal with the Past : What Cost to Lebanon?، تقرير  للمركز الدولي للعدالة الانتقالية، كانون الثاني / يناير 2014.
(9)  اقتباس عن المحامي اللبناني كارلوس داود، في بحث فنسان غيسيه " Les avocats libanais face à l’État: contestation, collusion, coopération?"، دفاتر المركز الفرنسي لأبحاث الشرق الأدنى، Larecherche en train de se faire à l’Institut français duProche-Orient، الثاني من أيار / مايو 2014، يوجد منه نسخة إلكترونية.