ترجح الأوساط الرسمية التونسية أن أكثر من 22 ألف مواطناً تونسياً قد اجتازوا الحدود البحرية التونسية بشكل سري في اتجاه إيطاليا بين 2011 و2015. وتفيد أرقام متداولة في الأوساط الإعلامية أنه وخلال ذات الفترة الزمنية، اجتاز أكثر من خمسة آلاف تونسياً الحدود التونسية في اتجاه ليبيا وسوريا والعراق ليكونوا جزءاً من الجماعات الجهادية. حولت الهجرة السرية وهجرة الجهاديين الحدود من مفهوم يدلّ على مجال الإقليم الوطني وإطار سيادة الدولة الى ما يشبه القيد الذي يحاول جانب من المواطنين التفلت منه في اتجاه عالم يوفّر لبعضهم فرص حياة أفضل وللبعض الآخر عالم الجهاد الذي يعتقدون فيه. وأشّرت حركة انفلات الحالمين إلى الأزمة العميقة التي يعاني منها التونسيون. فالإقبال على هجرة القوارب رغم تواتر أخبار من يموتون على متنها يعبّرعن درجة إنسداد الأفق لدى فئة الشباب جرّاء البطالة التي تشمل اليوم أكثر من ثمانمائة ألف منهم. وفي موازاة ذلك، وعلى ضوء ارتفاع عدد المهاجرين الجهاديين، نشهد حالة إنفصام إجتماعي: فاذ تبرز تونس كمثال للتقدّم الحضاري والثقافي في مجالها الاقليمي، فهي تبدو في الوقت نفسه أحد أهم مصادر الإرهاب في ذات المجال الإقليمي. وعليه، أفرزت أزمة المجتمع علاقة متأزمة مع حدود الوطن التي باتت حمايتها في جانب منها حماية للخارج من إفرازات الداخل.

وعلى الجانب الآخر من الحدود أي في الداخل التونسي، يُنظر إلى الحدود بذات خوف الخارج، الخوف من الجماعات الإرهابية التي تتحرك على حدوده الشرقية ويتمركز بعض عناصرها في المرتفعات. وينعكس خوف الداخل من حدوده على تصوره لعلاقة المناطق الحدودية الداخلية بالمركز، فيرى في الحديث عن إرساء السلطة المحلية التي وعد بها الدستور مصدر خطر على وحدة الدولة تبعاً لتضاؤل سلطة المركز. وتبدو الحدود بهذا المنظار عنوان أزمة المجتمع والدولة وقد تكون في أزمتها هذه الخيط الناظم الخفي الذي يدور حوله هذا العدد من المفكرة القانونية- تونس.  
 
نشر في العدد 3 من مجلة المفكرة القانونية في تونس