لن نتوقف كثيرا في هذا المقال حول أسباب إقالة وزير العدل في تونس الذي يبدو أن لعنة المجلس الأعلى للقضاء قد أصابته وكانت سببا في تنحيته. رغم ما لهذه الإقالة من دلالة تتعلق به باعتباره واحدا من الوزراء المستقلين المحسوبين على المجتمع المدني، نريد في هذا المقال أن نذهب إلى ما يبدو لنا جوهريا في المحنة التي يعيشها مشروع القانون المذكور وهو تنكر مؤسسات الدولة الدستورية بعضها لبعض من خلال رفض مجلس نواب الشعب الالتزام بما أقرته هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين. وكي نتبيّن بعضاً من هذا المأزق،  من الضروري أن نعود إلى جلسة 7 جويلية 2015 التي مثلت بداية سقوط المشروع برمّته.

ففي هذه الجلسة، عجز المجلس على المصادقة عليه رغم التحويرات المجراة عليه عقب قبول الطعن ضده المقدم من ثلاثين نائبا الى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القانون شكلا وأصلا. وقد اقترح أحد النواب يومها اجتماع ندوة لعمداء كليات الحقوق في تونس  لإبداء رأيهم كخبراء بشأن مشروع  القانون  للخروج من الأزمة الدستورية التي يمكن أن تعيشها البلاد في صلة بقانون السلطة القضائية. غير أن هذا  السقوط أو ما يشبه السقوط كان بالآليات الديمقراطية من خلال خضوع المجلس ولو مكرها  لرأي  الهيئة. لقد رأى كثير من النواب يومها أن تعثر المجلس في المصادقة على المشروع فيه تحدّ صارخ لسلطة المجلس وصلاحياته التشريعية التي لا يمكن أن يضيق منها أحد على حدّ اعتقادهم.

 كان أغلب النواب الحاضرين غاضبين لهذا المآل الذي عرفه مشروع القانون. وكانت  كثير من الأطراف متفقة ومتضامنة رغم اختلافات المشارب والاتجاهات حول نفس المأرب السياسي وهو  التأسيس لقضاء تابع  من خلال  الإصرار  على مشروع لجنة التشريع العام النيابية دون مشروع الحكومة الذي يقطع بنسبة كبيرة مع المنظومة القضائية السابقة ويستجيب لروح الدستور في إرساء سلطة قضائية  مستقلة. حاول النواب حينها مرارا وتكرارا  دفع التهمة عنهم من خلال لوك نفس المعزوفة القديمة وهي أنهم  مع استقلال القضاء وليسوا مع دولة القضاة أو تغوّل القضاة. من المؤسف  أن هذا السقوط الذي سميناه  بالديمقراطي  باعتباره جزءا من التجربة الديمقراطية ذاتها  لم يعنِ حينها  كثيراً بالنسبة لأغلب النواب الحاضرين الذين هاجموا هيئة مراقبة الدستورية وحرفوا أقوالها  بل حذروا منها  ومن دورها في المستقبل حين ستتحول في الوضع الدائم إلى محكمة دستورية…

جرى النقاش حول أهلية  لجنة  التشريع العام في تعديل مشروع الحكومة، فاعتبروا أن هيئة  مراقبة الدستورية (من خلال اعتبارها تجاوز لجنة التشريع  لمشروع الحكومة وعرض مشروعها الخاص خللا إجرائيا) سلبت من مجلس نواب الشعب صلاحياته السيادية المتمثلة في سلطته التشريعية. لقد اعتبر نواب كثيرون وبشكل لافت  أن الهيئة جردت  اللجنة والمجلس بأسره  من أهلية التعامل  الحر وفقا لاجتهادات  النواب وما تقتضيه الملاءمة الدستورية  مع مشاريع القوانين المعروضة عليها. وهو قول خاطئ تماما وفيه كثير من التجني وسوء الطوية إذ أن الهيئة أكدت على صلاحيات اللجنة في إدخال التعديلات والتحويرات التي يقتضيها تجويد الصياغة أو ضرورة الملاءمة الدستورية والتي تتطلبها  موجبات التشريع مع وجوب المحافظة على عرض المشروع الأصلي للحكومة على الجلسة العامة، بوصفها صاحبة المبادرة التشريعية.

وإنّ هذا التحديد لصلاحية لجنة التشريع العام في دراسة مشاريع القوانين واقتراح التعديلات عليها دون التخلي عنها وصياغة مشاريع مغايرة لها يؤيده الفصل 124 من النظام الداخلي للمجلس الذي يعطي للجنة إمكانية رفض مشروع أو مقترح قانون ولكنها تبقى مع ذلك ملزمة بإحالته على الجلسة العامة التي تقرر بعد تلاوة المشروع بالجلسة ما تراه   صالحاً في شأنه. وهذا ما لم يحصل بشأن مشروع الحكومة المؤرخ في 12 مارس 2015 والذي تم تحويره بشكل كامل من قبل اللجنة، فلم يدخل الجلسة العامة ولم يتلَ أمامها بتاتا.  وما لم يتبلور بفعل كثرة التركيز على الجوانب الإجرائية هو سبب إصرار لجنة التشريع العام على عدم عرض مشروع الحكومة على الجلسة العامة مع التعديلات المدخلة عليه ليتم الحسم من الجلسة بناء على المبادئ والقواعد التي أقرتها الهيئة. فما لم يتفطن إليه كثير من المحللين هو أن سبب هذا الإصرار هو ببساطة  تجنب الكشف في جلسة عامة يتابعها الرأي العام وتبث على الهواء مباشرة عن الفروق الكبيرة بين مشروع الحكومة ومشروع لجنة التشريع العام. والفارق الأهم في هذا الصدد يكمن في إصرار اللجنة النيابية على تجريد المجلس الأعلى للقضاء من صلاحيات أساسية لصالح السلطة التنفيذية، على خلاف مشروع الحكومة التي هي قبلت بإحالة مجموعة من صلاحياتها إلى المجلس. ولا شك أن ذلك العرض على الرأي العام لو وقع لكانت كلفته السياسية باهظة جدا. إن ما شاهدناه يوم 7 جويلية 2015 في الجلسة العامة  بدا وكأنه محاولة يائسة  للتغطية على الفشل الثابت في أول محطة تشريعية هامة متعلقة بإرساء المجلس الأعلى للقضاء بقلب الحديث والجدل السياسي حول عمل المجلس وصلاحياته وفي حشد النواب ضد هيئة الرقابة  على الدستورية المتهمة بسلب اللجنة المختصة سلطتها  في الاجتهاد والتعديل والتضييق على عملها. غير أن ما يلفت الانتباه أيضا هي الهجمة التي شنها بعض النواب على الحكومة وكأنها لا تملك أغلبية داخل المجلس متهمين وزير العدل بانعدام الجدية وبالسلبية زاعمين انه كان عليه أن يسحب مشروعه إذا ارتأى أن لجنة التشريع العام قد حرفت مضامينه ومست من روحه وجوهره. وهم في ذلك تجاهلوا أو جهلوا أن النظام الداخلي للمجلس  يحجر على صاحب المبادرة التشريعية سحب مشروعه في حال وصوله إلى الجلسة العامة، كما أكد على ذلك وزير العدل نفسه في تدخله في الجلسة.         
                                      
غير أن السقوط السياسي للمشروع  بالمعنى الديمقراطي يبدو ذا دلالة  سياسية جوهرية. فرغم غضب بعض النواب الذين لم يستوعبوا بعد  ضرورات الإلتزام بعمل الهيئات الدستورية وقراراتها، تمكنت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين من فرض رأيها وإجراء الرقابة على الدستورية التي انوجدت أصلا من أجلها بقطع النظر عن رأي هذا أو ذاك  في حصافة رأيها وصحة اجتهادها. ولا شكّ أن في هذا  تكريسا للاعتبار  الدستوري  في اتجاه إنضاج ممارسة  ديمقراطية جديدة في تونس  قوامها  وجوب الالتزام السياسي بمبدأ علوية المطلب المتعلق باستقلال القضاء باعتباره يمثل المصلحة العامة لا مصلحة هذا القطاع أو هذا الحزب أو ذاك.
 

سياسة الهروب إلى الأمام

من الغريب أن الموقف الذي شوهد يومها عبر عن نفسه  بعد ذلك وبصيغ مختلفة في ما عشناه من تطورات قادت أخيراً إلى إقالة الوزير. لم يستوعب النواب الدرس وظلوا يسبحون في الفراغ  ويبحثون عن حيل فقهية لمداورة المشكل. لم يحاول نواب المجلس مواجهة الخطأ الإجرائي الأصلي والذي قاد بعد ذلك إلى المأزق الذي نحن فيه وهو العودة إلى مشروع الحكومة طبقا للقرار الصادر عن هيئة مراقبة الدستورية. ظلوا يتصرفون بمنطق الخوف من "التغول" والتخوف من التدخل في عمل المجلس. وأصروا على تقديم مشروعهم المنقح والمستجيب حسب نظرهم للطعون العشرة التي قبلت بها الهيئة مع مطالبة الحكومة بتبني مشروع اللجنة كآخر حيلة فقهية لحلّ الإشكال. وهو ما رفضه وزير العدل الذي رأى حسب التصريحات التي أدلى بها بعد إقالته أن المشروع المقدم لا يرضيه ولا ينسجم مع قناعته وأنه لا يمكنه أن يصادق على ما ليس له منه شيء. لا يهمنا كثيرا إذا كان الوزير يعبر فعلا عن قناعة أم أن موقفه الذي جاء متأخرا جدا يخفي خلافات معينة مع الحكومة. ولكن الذي يهمنا من هذا كله  هو هذه العلاقة  الغريبة والشاذة بين مؤسسات الدولة التي تتحول إلى صراع غير مبرر بين السلطتين التشريعية والقضائية في مخالفة صريحة من المجلس لدستور البلاد ولنظامه الداخلي. ما الذي يخفيه ذلك؟ وهل هي المرحلة الجنينية للتجربة المؤسستية  في تونس؟ وهل يخفي الأمر أكثر من ذلك، فنكون أمام محاولة مستميتة من النواب ومن ورائهم أحزاب سياسية وقوى ضغط  وأصحاب مصالح للتشبث بنفس البناء القديم للسلطة القضائية التابعة التي ليس لها من صلاحيات إلا ما يعطيه لها النظام القديم الموروث عن دستور 1 جوان 1959؟ أن اخطر ما وقع في تونس ليس إقالة وزير، فالوزراء يقالون أو يستقيلون في كل الدول. هو في خلاصة شديدة تنكر من المؤسسة التشريعية لعمل المؤسسة القضائية بعدما تنكرت للسلطة التنفيذية. فالنواب يرفضون أن يكون رأي هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين باعتبارها محكمة دستورية ملزما لهم لأن التزامهم بقراراتها هو في نهاية التحليل إخضاع لهم وسلب لسلطاتهم على حد ما يعتقدون. تلك حال مؤسسات الدولة لدينا: علاقة انفصام وصراع في حين أنها انشئت لتشتغل بعضها مع  بعض فلا تشريع دون مراقبة ولا مراقبة دون تشريع.    
 
٭ أستاذ جامعي

نشر في العدد 3 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.