بمرور سنة على انتخاب مجلس نواب الشعب في 26 أكتوبر 2014، صادق هذا الأخير على أربعين قانونا أولها قانون المالية لسنة 2015. وكان آخرها القانون المتعلق بنظام تقاعد أعضاء المجلس الوطني التأسيسي سابقا والصادر في 22 سبتمبر 2015.
ويكون النشاط التشريعي في هذه السنة الأولى مركزا بالأساس على المسائل المالية (قوانين القروض والضمانات وقوانين المالية، الأصلي والتكميلي..) والمسألة الأمنية مع صدور قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال فضلا عن بعض المسائل التقنية كقانون الإيداع القانوني أو المسائل العالقة منذ فترة المجلس الوطني التأسيسي (قانون المباني المخالفة لرخص البناء). إلى ذلك، شمل النشاط مسائل تتعلق بتنزيل الدستور (قوانين تحديد صلاحيات رئيسي الجمهورية والحكومة). كما تجدر الإشارة إلى أن عديد مشاريع القوانين أودعت أمام المجلس النيابي بموجب سنة 2015 ولا زال المجلس يناقش البعض منها والبعض الآخر لم تتم مناقشته بعد.
في رقابة دستورية القوانين التي صدرت
منذ بداية عمل مجلس نواب الشعب، لم تعرض على الهيئة الوقتية لرقابة دستورية مشاريع القوانين إلا ثلاثة مشاريع فقط:
-       مشروع قانون ميزانية الدولة لسنة 2015 وكان قد طعن فيه رئيس الجمهورية السابق قبل نهاية فترته. وأصدرت بشأنه الهيئة قراراتها في 22 ديسمبر 2014،
-       وقانون إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة الذي عرض مشروعه على رقابة الهيئة منذ فترة المجلس الوطني التأسيسي من قبل نواب المعارضة آنذاك، وصدر فيه قرار الهيئة منذ 8 أكتوبر 2014 وأعاده لها رئيس الجمهورية بعد تعديله من قبل مجلس نواب الشعب (بموجب القانون) للنظر فيه  قبل صدوره في الرائد الرسمي وصدر قرار الهيئة في 27 أفريل 2015،
-       وأخيراً، تم عرض مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء على الهيئة بطعون قدمها النواب وصدر قرار الهيئة منذ 8 جوان 2015 والقاضي بعدم دستورية المشروع المعروض عليها.
بالمحصلة، لم يعرض على الهيئة الوقتية إلا مشروع قانون واحد بإرادة نواب الشعب، وهو مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء. بالمقابل، لم يقدّم أي طعن ضد سائر القوانين، فصدرت دونما أي فحص لدستوريتها من قبل الهيئة.
وسبب عدم عرض هذه النصوص على الهيئة معلومة، وهو تعذر جمع 30 نائباً (العدد الأدنى المطلوب) لتقديم طعن في دستوريتها. وفي عديد الحالات، لم تسع المعارضة حتى إلى جمع تواقيع النواب لعلمها مسبقا بعدم تمكنها من ذلك. وهو ما لاحظناه فيما تعلق بقانون تدعيم الأسس المالية للبنوك العمومية وكذلك القانونين المتعلقين بضبط الوظائف الراجعة لكل من رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة وقانون المنافسة والأسعار والقانون المتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني. ومرد هذا العجز في توفير النصاب القانوني للطعن هو قلة عدد نواب المعارضة بعد أن تشكل الائتلاف الحاكم منذ جانفي 2015 من 4 أحزاب تضم الحزبين الأكثر تمثيلية في المجلس (حزب نداء تونس وحزب النهضة) إلى جانب حزبين ليبيراليين آخرين (حزب آفاق تونس والحزب الوطني الحر). وبذلك، تجد المعارضة نفسها أحيانا مجردة من كل الوسائل القانونية والدستورية للعمل مما يضطرها إلى الخروج إلى الشارع. وهذا ما فعلته بشأن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، حيث نظمت المعارضة تظاهرات احتجاجية في بعض الولايات ثم مسيرات ضد مشروع القانون في تونس العاصمة في 10سبتمبر 2015. ونتيجة لذلك، صدر العديد من النصوص القانونية التي تحتوي على فصول غير دستورية، ومنها نصوص تتعلق بالحقوق والحريات. وبالإطلاع على هذه النصوص القانونية وتحليلها، نلاحظ أنه لم يتم استبطان الدستور "الجديد" وتنزيل فصوله ومواده من ناحية ولا حتى فهم واستبطان روحه وفلسفته التحررية. وتكون في هذا الإطار قراءة الدستور هامة جداً لبيان مدى توافق النصوص القانونية مع شروطه وضوابطه. وهو ما سنعمل على تقديمه من خلال نماذج من فصول لا دستورية تمت المصادقة عليها.
هل قرأنا الفصل 49 من الدستور؟
يعتبر الفصل 49 من الدستور من الفصول الجوهرية ولتي وضعت لتجاوز معيقات الحقوق والحريات في نظام دستور 1959 والتي تركت للسلطة التشريعية مطلق الحرية في تنظيم الحقوق والحريات، مما أدى في عديد القوانين إلى إلغاء الحق أو الحرية (الأمثلة كثيرة: نظام الجمعيات والأحزاب، النشر والصحافة والاجتماع والتجمهر..). ولذا، فإن الأصل في الأشياء هو الحرية ولا يكون التقييد منها إلا بقانون ضروري لحماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة في دولة مدنية ديمقراطية وأن تكون هذه الضوابط متناسبة مع موجباتها وألا تنال هذه التضييقات من جوهر الحق أو الحرية. هذه الإرادة الصريحة لإعلاء الحقوق والحريات لم تقع ترجمتها في عديد المناسبات لا بصفة صريحة ولا بطريقة ضمنية.
فالقانون الأساسي المتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني للمصنفات والمؤلفات مهما كانت حواملها، نراه يتوسع في قائمة أعوان الضابطة العدلية الذين يعود لهم مراقبة مدى احترام المؤلفين والناشرين للالتزامات القانونية، بما في ذلك التحقق من مدى مطابقة المصنف المودع مع المصنف الموضوع على ذمة العموم، ليجعل من هذه القائمة نفس قائمة الفصل 10 من مجلة الإجراءات الجزائية. فهل من المعقول أن يقوم عون أمن أو عون حرس وطني بهذه المهمة؟ ألم يكن من المنطقي جعل هذه المهمة من صلاحيات الهيكل المودع عنده (دار الكتب الوطنية ومركز التوثيق الوطني) خاصة وأن المسألة تتعلق بالمضمون ومحتوى المؤلف؟ هذا التعامل مع المواد الثقافية والعلمية والأدبية من شأنه النيل من جوهر الحق أو الحرية في حد ذاتها: حرية التأليف وحرية النشر. فما ضرورات الأمن العام والدفاع أو الدولة المدنية والديمقراطية التي تستوجب أن يعهد بمراقبة النشر إلى أعوان الضابطة العدلية؟
في موضع آخر، نلاحظ أن القانون المتعلق بتسوية وضعية المباني المنجزة والمخالفة لرخصة البناء، يشترط لإجراء التسوية موافقة الأجوار المباشرين أو عدم اعتراضهم عليها(الفصل 19)، وهي قراءة ضيقة وخاطئة للفصل 49 من الدستور. فهذا الفصل يضع كحد للحقوق والحريات إحترام حقوق الغير. إلا أن قانون المباني المخالفة للرخصة ينظر إلى حقوق الغير نظرة ضيقة وخاطئة ويربطها فقط بالأجوار. فالغير ليس فقط الأجوار بل المجموعة العمومية بحاضرها ولكن أيضا بأجيالها القادمة والتي لها الحق في الموارد والفضاءات بما يتماشى مع الفصلين 12 و13 من الدستور ومع الفصل 129 منه والذي أحدث هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.
هل أيقنا بوجوب المساواة؟           
إن مبدأ المساواة يشكل أساسا من أسس دستور 27 جانفي 2014 الذي أكد عليه في توطئته. كما أنه خصص له الفصل 21 والذي جاء فيه: "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.." وأكد ذلك الفصل 10 المخصص للأعباء والتكاليف العامة حيث جاء فيه "أداء الضريبة وتحمل التكاليف العامة واجب وفق نظام عادل ومنصف". هذه المبادئ العليالم يتم احترامها في مناسبات عديدة سواء فيما يتعلق بالمواطنين في المطلق أو بين المواطنين والمواطنات. فالقانون المتعلّق بالمباني المخالفة لرخصة البناء، فإنه لا يطبق التسوية إلا بالنسبة للمباني المقامة إلى حدود 31 ديسمبر 2012. فلمَ هذا الاختيار التمييزي؟ وعلى أي أساس تمّ اختيار هذا التاريخ؟ وفي نفس السياق، فإن القانون المتعلق بضبط الإعفاءات من المعلوم بمناسبة مغادرة البلاد التونسية، يمتع بالإعفاء من المعلوم التونسيين المقيمين بالخارج (الفصل 10 من القانون) إلا أنه لا يذكر بقية التونسيين المقيمين في تونس والذين يلزمهم القانون بدفع معلوم السفر(وهو ضعف المعلوم الموظف على الأجانب). هذا الإجراء التمييزي فيه مخالفة صريحة لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة وفقا لنظام جبائي عادل ومنصف (الفصل 10 من الدستور).
 
- هل احترمنا الحق في الحياة؟
ينص الدستور على أن "الحق في الحياة مقدس. لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون" (الفصل 22). هذا التنصيص على قداسة الحياة وعدم المساس به إلا في حالات قصوى تم الحياد عنه في أول نص ذات طابع أمني جزائي. فالقانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال نص على عقوبة الإعدام. وكان القانون الصادر في 21 أكتوبر 2013 والمتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب خلا من أي إشارة إلى الإعدام كعقوبة في أي من الحالات التي تناولها.
فهل أن الإرهاب جريمة تدخل في باب الحالات القصوى التي تستوجب الإعدام؟
 
- ماذا عن حرمة الحياة الخاصة؟
"تحمي الدولة الحياة الخاصة وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية". هذه العبارة وردت ضمن الفصل 24 من الدستور. وبالرجوع إلى القوانين المنشورة وإلى المشاريع المودعة أمام المجلس، نلاحظ أن مفهوم حماية الحياة الخاصة و حماية المعطيات الشخصية لا يزال ينظر له من زاوية الفضل وليس الحق.
فبالرجوع إلى القانون عدد 26 المؤرخ في 17 أوت 2015 والمتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، نلاحظ أن القسم الخامس منه (الفصول 54 إلى 65) خصص لطرق التحري الخاصة بما فيها من اعترض للاتصالات واختراق ومراقبة سمعية بصرية "لذوي الشبهة" أو أماكن ومحلات وعربات خاصة أو عمومية.. هذه الوسائل الخاصة تمثل إطلاعا مباشرا على الحياة الخاصة "لذوي الشبهة" وتجميعاً لمعطيات شخصية تتعلق بهم مباشرة وبالأشخاص الذين تربطهم بهم مختلف العلاقات الاجتماعية في العمل في الأسرة في الصداقة في الحياة الحميمية. وهو ما يمثل تهديدالخصوصية وحميمية المواطنين (وغيرهم) وانتهاكا للحق في حماية الحياة الخاصة وهو ما يمكن أن يفتح الباب أمام تجسس اجتياحي على المجتمع بأسره[1].
وتكون هذه الآليات المقررة للإعتراض والتنصت والمراقبة السمعية البصرية مخالفة أيضا لضوابط الفصل 49 ذلك أن التدخل في الخصوصية من شأنه أن يحد من حرية التعبير ومن قدرة وسائل الإعلام على الاضطلاع بدورها في مجتمع ديمقراطي. وهذا ما نقرؤه في تعليق منظمة "الفصل 19" على مشروع قانون مكافحة التعذيب[2].وتجدر الإشارة إلى أن قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال لا يشكل فقط خطرا في حد ذاته نظرا لإمكانية استغلاله لضرب الحقوق والحريات وإخماد حرية التعبير والنشر والصحافة، لكن خطره يتمثل أيضا في أنه يشكل سابقة لظهور قوانين أخرى ستشرع تحت غطاء الحماية من الجريمة لقمع الحقوق والحريات وضرب الحق في الاختلاف.
وينص القانون أنه إذا لم تترتب عن المعطيات المجمعة من الاعتراض أو التنصت والمراقبة السمعية البصرية تتبعات جزائية، فإنها تتمتع بمقتضيات الحماية وفقا للتشريع الجاري به العمل في مجال حماية المعطيات الشخصية. وهي إحالة صريحة إلى القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية (2004). إلا أن هذا القانون لا يتناول هذا النوع من المعطيات فضلاً عن أنه جاء بالأساس لتنظيم استعمال ومعالجة المعطيات من قبل الذوات الخاصة دون الذوات العمومية. وتاليا، ليس للهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية أي سلطة على الذوات العامة في علاقتها بالمعطيات الشخصية. وعليه، تبقى الإحالة للتشريع الجاري به العمل في مجال حماية المعطيات الشخصية فارغا من أي محتوى يضمن حقيقة حماية الأفراد ومعطياتهم الخاصة.
إن النصوص القانونية ذات الصلة بالحقوق والحريات والصادرة منذ انتخاب مجلس نواب الشعب في 26 أكتوبر 2014 لا تعكس مدى تحرر الدستور الصادر في 27 جانفي 2014. فالدستور الذي أراد القطع مع منظومة تقييد الحقوق والحريات التي أسس لهل دستور 1959، لا يجد ترجمة له ولمبادئه. فالعديد من الفصول القانونية التي احتوتها التشريعات الصادرة تتعارض صراحة مع مبادئ الدستور من ناحية ومع روحه التحررية من ناحية أخرى. هذه الخشية على الحقوق والحريات تعمقت بغياب الرقابة على هذه المشاريع وذلك بعدم اللجوء إلى الهيئة الوقتية لرقابة دستورية مشاريع القوانين والتي لم تنظر في ظل المجلس الحالي إلا في مشروع قانون واحد. فهل ينقلب المجلس التشريعي على إرادة المؤسس؟
 
 نشر في العدد 3 من مجلة المفكرة القانونية - تونس 


[1] أنظر رسالة إلى نواب الشعب بشأن مشروع القانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب و منع غسل الأموال، وجهتها 9 منظمات دولية ناشطة في تونس،  ASF, FIDH, AMNESTY, HRW, ARTICLE 19, THE CARTER CENTER, OMCT, EUROMED RIGHTS, RSF.
[2]http:/www.article19.org/dab/files/medialibrary/37930/anti-terrorism-analysis-AR-version.pdf.