قررت لجنة نوبل للسلام في 09-10-2015 منح جائزة نوبل للسلام لسنة 2015 للرباعي الراعي للحوار التونسي. وذكرت في حيثيات قرارها أن منحهالجائزة يعبر عن "تقديرها لمساهمته الحاسمة في بناء ديموقراطية تعددية بعد ثورة الياسمين في العام 2011". وتحاول في هذا المقال الجامعية والناشطة الحقوقية حفيظة شقير إبراز دلالات لقاء المنظمات الأربع وثمرة هذا اللقاء. ولا تنطلق شقير في ذلك من الحوار الوطني كمؤسسة حققت التتويج بل من ثقافة العمل الوطني التي بررت انطلاقة الحوار وانغماس النقابات في الشأن السياسي (المحرر).

في أكتوبر 2015، حصلت تونس على تقدير دولي استثنائي بمنح جائزة نوبل للسلام للرباعي الراعي للحوار. ويتكوّن الرباعي من منظمات عريقة، هي تباعاً الإتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، علماً أن المنظمات الثلاث الأولى لعبت دوراً هاماً في الدفاع عن حقوق الإنسان في زمن الديكتاتورية وفي أعقاب سقوطها.ولفهم هذا الحدث، يجدر البحث في كيفية انبعاث "الحوار الوطني" خاصة على إثر وقوع اغتيالات سياسية طالت معارضين بارزين في البلاد.


جذور الحوار الوطني

في 2010-2011، لعبت المنظمات الثلاث المذكورة أعلاه دوراً مهماً في تنظيم التحركات السلمية ومراقبة الانتهاكات والتنديد بالاعتقالات والحضور في المحاكمات ومساندة عائلات الشهداء والموقوفين. وقد استمر زخم هذا الدور في مرحلة ما بعد سقوط نظام بنعلي. فأدت اعتصامات ساحة القصبة في شهري فيفري ومارس 2011 إلى إستقالة حكومة وحل المجالس الدستورية وتوقيف العمل بالدستور. ومثل إحداث مجلس حماية الثورة من هذه المنظمات بمعية بعض الأحزاب السياسية محطة أساسية وقوة ضغط واقتراح على السلطة المؤقتة لمحاولة تنظيم المسار الانتقالي في تونس.

وانتهى هذا الحراك إلى إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي، وهي هيئة استمدت وجودها من الشرعية الثورية بهدف ضمان المرور من الدكتاتورية إلى الديمقراطية. تكونت هذه الهيئة من خبراء ولجنة سياسية ضمّت ممثلين عن المنظمات التي أصبح بعضها فيما بعد راعياً للحوار الوطني. وهذه اللجنة مكلفة بدراسة هذه النصوص والموافقة عليها قبل أن تصادق عليها الحكومة المؤقتة ويختمها رئيس الجمهورية المؤقت.
تولت هذه الهيئة إعداد مشاريع القوانين لضمان الانتقال الديمقراطي، فاتحة الطريق أمام اقرار المراسيم المتصلة بالانتخابات وبالهيئة العليا المستقلة للانتخابات وبتنظيم الجمعيات والأحزاب وبوسائل الاتصال السمعي والبصري وبالهيئة التعديلية للإعلام. وكان لهذه المنظمات دور أساسي داخل هذه الهيئة مقارنة بدور الأحزاب الممثلة صلبها خاصة عند البحث عن التوافقات بين ممثلي الأحزاب أو عند تسوية النزاعات التي ظهرت بمناسبة مناقشة مسألة التناصف مثلاً أو طريقة الإقتراع التي يجب اختيارها لانتخابات أعضاء المجلس الوطني التأسيسي أو تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أو العهد الجمهوري الذي أعدته مجموعة من أعضاء الهيئة كأرضية عمل مشتركة.
 

بداية الحوار الوطني أثناء المسار التأسيسي

منذ أن اتخذت السلط المعنية قرارها بتنظيم انتخابات أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011، شرعت العديد من المنظمات في اعداد مشاريع دستورية كما واكبت وتابعت كتابته في مختلف مراحله.
ومن أهم الأمثلة، عهد تونس للحقوق والحريات. وقد مثل هذا العهد تجربة أولى للتوافق بين المعهد العربي لحقوق الإنسان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسانوالإتحاد العام التونسي للشغل والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ونقابة الصحافيين التونسيين. وتضمن العهد توطئة تضعه في سياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي والحقوقيوشكّل استحقاقاً من استحقاقات الثورةونصاً يعتمد مرجعيات حقوق الإنسانويقدم الضمانات الحمائية الأساسية. وقد تمّ تقديم هذا العهد إلى المجلس الوطني التأسيسي من أجل إدراجه في توطئة الدستور بعد أن وقّعت عليه مجموعة كبيرة من الأحزاب والجمعيات والمواطنين والمواطنات وانتظمت العديد من التظاهرات واللقاءات للتعريف به وللضغط على المجلس.وتم اعادة اقتراحه عند دراسة المقترحات التعديلية للدستور في إطار الحوار الوطني لكن من دون نتيجة.


تفعيل الحوار الوطني تحت اشراف الرباعي:

تهدئة المناخ السياسي واقتراح خارطة الطريق

لا يخضع الحوار الوطني لأي قاعدة قانونية ولا لأي إطار جمعياتي أو حزبي. فهو مجرد تجمع للأحزاب والمنظمات. وقد انطلق في 5 أكتوبر 2013 بين الأطراف المشار إليها أعلاه وبدعم من الرئاسات الثلاث في تونس.[1]

والسبب الرئيسي وراء تنظيم الحوار الوطني هو الأزمة السياسية التي هزّت البلاد بعد اغتيال المعارض شكري بلعيد والنائب محمد البراهمي. وقد أعقب موت هذا الأخير إعتصامٌ سمي "إعتصام الرحيل" بمبادرة من بعض النواب في المجلس الوطني التأسيسي غير المنتمين إلى التروكا وكان حاسماً في تحديد مسارت الأحداث لاحقاً. وقد أعلن هؤلاء النواب انسحابهم من المجلس مشترطين للعودة تلبية مطالبهم.

عبّر هذا الاعتصام عن الاختلاف العميق بين السلطة المتمثلة في تحالف الترويكا التي تضم  حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والمعارضة المتكونة أساسا من الحزب الجمهوري وحزب المسار المنبثق عن الحزب الشيوعي والمنضوي في كتلة القطب الديقراطي التقدمي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وحزب العمال التونسيين.

ولتجاوز الأزمة، تم تقديم عدة مبادرات من طرف أشخاص ومنظمات إلى أن انتهى الأمر إلى إقرار مبادرة الرباعي الراعي للحوار والتي تضمنت خارطة طريق تحتوي الأهداف الرئيسية للخروج من الأزمة وهي:
-         التسريع في المصادقة على الدستور،
-         إستقالة حكومة علي العريضوهي حكومة متكونة في اغلبها من حزب النهضة،
-         التوافق على حكومة جديدة تكون حكومة تكنوقراطتتكون من وزراء غير منتمين إلى أحزاب الترويكا.
-         التسريع في إنهاء مرحلة الإنتقال الديمقراطي والمصادقة على أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمصادقة على القانون الانتخابي.
لذلك سعى الحوار الوطني في تونس إلى توفير التوافق بين جميع الأطراف السياسية حول القضايا الرئيسية في الدولة.
 

النتائج: البحث عن التوافقات وتطبيق خارطة الطريق

من أهم نتائج الحوار الوطني، قبول الأحزاب السياسية المشاركة فيه والانخراط في أعماله للبحث عن كيفية العمل المشترك. وهي معظم الأحزاب الممثلة في المجلس وبعض الأحزاب التي انشقت عن أحزاب قائمة او احزاب جديدة تكونت بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

وصلب هذا الحوار، تم التوافق على استدعاء بعض الخبراء والخبيرات المستقلين والمختصين في القانون الدستوري بايعاز من الإتحاد العام التونسي للشغل لمراجعة الدستور والمشاركة في أعمال لجنة التوافقات التي تكونت صلب المجلس للبحث عن توافقات عند عدم اتفاق النواب على مضمون بعض فصول الدستور بعد مناقشتها صلب الحوار الوطني وباشرافه.

طرحت في هذه اللقاءات بعض المسائل الشائكة في المجلس، ومنها كيفية مراقبة أعمال المجلس قبل إحداث المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء والعدالة الانتقالية وتحديد تاريخ الانتخابات وضرورة إدارج أحكام إنتقالية في الدستور لتأمين الانتخابات والانتقال من الحكم المؤقت إلى الحكم الدائم.

وقد طرح النّواب مجموعة من الأسئلة من أهمّها تلك التي تتعلق بالعلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكيفية حماية حقوق الإنسان ورفع التقييد الذي يمكن أن يسلط عليها والهيئات الدستورية وخاصة المحكمة الدستورية وهيئة الاتصال السمعي والبصري والمجالات التي لا يقبل في شأنها تعديل الدستور مثل تأويل الفصل الأول باعتباره يحدد دين الدولة. وأخيرا توصل الجميع إلى التوافق حول بعض المسائل المتعلقة بالأحكام الانتقالية التي يجب أن تضمّن في الدستور لتنظيم عمل المؤسسات المؤقتة إلى حين الانتهاء من المسار الانتخابي وتكوين لجنة مؤقتة لمراقبة دستورية القوانين. كما تم انتخاب أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. وتوجّت أعمال الحوار الوطني في شهر جانفي 2014 بالتعجيل بالانتهاء بالعمل الدستوري وبالمصادقة علىه بأغلبية قوية ب200 صوت من جملة 216 في المجلس الوطني التأسيسي أي أن جلّ الأحزاب السياسية الممثلة في المجلس التأسيسي وافقت على الدستور الجديد وتوافقت عليه. وكان هذا في 26 جانفي 2014. ثم استقالت حكومة الترويكا وتم تكوين حكومة جديدة وهي حكومة مهدي جمعة المستقلة في 29  جانفي 2014 مع أنه كان ضمن التشكيل الحكومي التابع لحكومة الترويكا.
 كما تم وضع قانون انتخابي بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية ثم تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في الموعد قبل موفى شهر ديسمبر 2014 كما تم التنصيص عليه في الأحكام الدستورية الانتقالية.

وبقي الرباعي الراعي الحوار ساهرا على تجاوز الاشكالات المطروحة مع الحكومة وحتى فيما يتعلق بالقضايا العمالية مع نقابة الأعراف (أصحاب العمل).

 
الخاتمة

حققت منظمات الرباعي الراعي للحوار انتصارا باهرا في تحقيق الانتقال من دستور مؤقت إلى دستور دائم ومن سلطة مؤقتة إلى سلطة تتمتع بشرعية الانتخابات وفي ايجاد الآليات الضامنة لحقوق الإنسان. ويبقى الطرف الأساسي في الحوار الإتحاد العام التونسي للشغل الذّي كان في خطّ المواجهة الأوّل ضدّ السلطة منذ عقود، واستمّر في دوره حتّى بعد انتخابات أكتوبر 2011، ممّا جعله عرضة للإتهامات وللهجمات الإعلامية والسياسيّة بسبب ما اعتبره الطرف الحاكم آنذاك انحرافا للمنظّمة النقابيّة عن دورها الأساسي وتحوّلها إلى فاعل سياسيّ ورأس حربة في معركة إسقاط الحكومة. ووصل الاحتقان إلى أقصاه مع الهجوم الذّي تعرّض له المقرّ المركزيّ للإتحاد في ديسمبر من سنة 2012.لكن رغم وطأة حملات التشويه والتشكيك في الدور الذي يلعبه نتيجة انخراطه في الشأن السياسيّ، فإنه فرض نفسه كفاعل أساسيّ في المعادلة السياسيّة منذ أن طُرح خيار الحوار الوطنيّ لإيجاد بديل لحكومة على العريض.

وفي النهاية، يمكن أن نقول إن رصيد منظمات الحوار الوطني أثناء الفترات أو الحقبات السابقة أعطاها القوة لفرض دستور يضمن حقوق الإنسان ولفرض انتقال ديمقراطي سلمي ومكنها من إيجاد مخرج فعلي للأزمة التي عصفت بالبلاد على امتداد ثلاث سنوات. فاستحقت عن جدارة جائزة نوبل للسلام.