لم يشهد معدل أعمار القضاة العدليين التونسيين تغيرات هامة خلال الخمس سنوات الماضية. فمعدل أعمارهم تراوح بين 43 خلال السنة القضائية 2010-2011 و42 سنة خلال السنة القضائية 2014-2015[1]. حافظ القضاء العدلي على ميزته كقضاء شاب باعتبار المعيار العمري. إلا أن مؤشرات  إحصائية تتعلق بتوزيع القضاة بين الرتب القضائية في بنائها الهرمي تؤشر إلى بروز ملامح تهرم على جسد قضائي شاب.

الى حدود السنة القضائية 2011-2012[2]، كان الهرم القضائيّ العدليّ التونسيّ ذات قاعدة متسعة تضيق صعودا بما يؤشر إلى أنه يمثل مجتمعاً قضائياً شاباً. وتطوّر تعداد القضاة العدليين بعدئذ بشكل لافت: فبعدما كان عددهم 1875 قاضيا سنة 2010، بات عددهم في بداية السنة القضائية 2015-2016 2135 قاضيا. ويعود التطور العددي للقضاة إلى أنه خلال سنوات 2012 و2013، تمت انتدابات مكثفة للملحقين القضائيين مع توجه لمنحهم تكويناً سريعاً وإلحاقهم في إثره مباشرة بالعمل القضائي. بلغ عدد المنتدبين خلال تلك الفترة 349 قاضياً جديداً، وهي نسبة هامة تتجاوز بأضعاف نسبة الإنتداب الحاصل قبلها والتي كانت في حدود خمسين قاضياً سنوياً، كما تتجاوز نسبة الإنتداب الذي تمّ بعدها والذي استقر في حدود مائة قاضياً سنوياً. واذ يتوقّع أن يشمل التطور القضاة الجدد، فإن النظر في الهرم القضائي يبيّن ما يخالف ذلك ويكشف أن الإنتدابات لم تمنع من بروز اختلال في التوزيع الهرمي للقضاة.  


اختلال توزيع القضاة بين الرتب القضائية المؤشرات

يحتلّ قضاة الرتبة الأولى قاعدة هرم القضاء. ويُرسم فعليا القضاة بها بمجرد تعيينهم إلى حدّ إنهاء مدة أحد عشر عاماً من العمل القضائي. ويتوسط قضاة الرتبة الثانية هذا الهرم باعتبار أقدميتهم التي يستوجب القانون أن تفوق عشر سنوات من العمل القضائي الفعلي، ليكون قضاة الرتبة الثالثة في قمة الهرم وهم من القضاة الذين مروا بالرتبة الثانية وقضوا بها على الأقل ستّ سنوات من العمل الفعلي. استفادت الرتبة الأولى للقضاة من الانتدابات وكان ينتظر بالتالي أن تكون قد تطورت عدديا وفي نسبتها من عموم القضاة. لكن المؤشرات الإحصائية تبين أن هذا التطور كان عكسياً.  

فخلال السنة القضائية 2010-2011، كان عدد قضاة الرتبة الأولى 804 بما يمثل 42.88 بالمائة من عموم القضاة. وسمحت موجة الانتدابات المكثفة بالاستقرار النسبي لعددهم إلى حدود بداية السنة القضائية 2015 التي عرف معها عددهم لأول مرة تراجعاً عددياً طفيفاً بموازاة تراجع هام في نسبتهم من عموم القضاة. ففي إثر الحركة القضائية لسنة 2015-2016، بلغ عدد قضاة الرتبة الأولى مباشرة 799 قاضيا بما يوازي نسبة 37.42 بالمائة من عموم القضاة.

ذات التوجه عرفته كتلة قضاة الرتبة الثانية. فقد كان قضاة الرتبة الثانية خلال السنة القضائية 2010-2011 يمثلون ما نسبته 33.97 بالمائة من مجوع القضاة ولكنهم مع نهاية سنة 2015 باتوا يشكلون فقط  28.71 بالمائة من عموم القضاة.
 بالمقابل، ارتفعت نسبة قضاة الرتبة الثالثة من 434 قاضياً أي ما يمثل 23.15 بالمائة خلال السنة القضائية 2010-2011 ليصبح عددهم بعد الحركة القضائية لسنة 2015-2016 723 قاضيا أي ما يمثل ما نسبته 33.86 بالمائة من عموم القضاة.


 السنة القضائية                     2010-2011                                    2015-2016
                                           (نسبة من مجموع القضاة)                  (نسبة من مجموع القضاة)
قضاة الرتبة الأولى                 42.88                                            37.42
قضاة الرتبة الثانية                  33.97                                            28.71
قضاة الرتبة الثالثة                   23.15                                           33.86
 

تهرم القضاء ظاهرة منتظرة

ظاهرة التهرم لم تحصل صدفة. فهي تجد تفسيرها بالتغير الحاصل على صعيد شروط الترقية، بين فترة ما قبل سنة 2011 وما بعدها.
فطيلة حقبة الجمهورية الأولى، رفضت السلطات العامة الإستجابة لمطالب القضاة باعتبار الترقية من رتبة إلى أخرى حقا يخضع لمعيار الأقدمية القانونية. وقد استعملت الحكومات المتعاقبة في مقابل ذلك الترقية القضائية كوسيلة للتدخل في أعمال القضاء وتدجين القضاة. فكانت تتم مكافأة القضاة المنسجمين أي القضاة الذين يوظفون عملهم القضائي في خدمة السلطة، فور استكمالهم المدة القانونية الواجبة. بالمقابل، يتم رفض ترقية سواهم من القضاة إلا بعد سنوات طويلة من التجميد بدعوى عدم توفر الإعتمادات المالية أو عدم الرضى على الأداء المهني. وقد خوّل التحكّم في معدلات الإرتقاء السنوي للقضاة من رتبة إلى أخرى لإدارة القضاء بالمحافظة على توزيع القضاة بين الرتب القضائية على نحو يلبّي متطلّبات العمل العادي بالمحاكم دون حاجة لتصوّر إصلاحات.

تم الإعتراف لأول مرة بالترقية الآلية كحقّ للقاضي وكضمانة لاستقلالية القضاء مع أول حركة قضائية أجرتها وزارة العدل تحت غطاء المجلس الأعلى للقضاء بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23-10-2011. والتزمت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي في الحركات القضائية التي أجرتها لاحقاً بذات التوجه. وقد أدى اعتماد مبدأ الترقية الآلية الى التخفيف من مفاعيل رسوب القضاة. فتم تحديدها بسنة فقط بالنسبة للارتقاء من الرتبة الاولى للثانية وسنتين بالنسبة للارتقاء للرتبة الثالثة من الرتبة الثانية.

وتبعاً لذلك، برز التهرّم كنتيجة طبيعية يرتقب أن تزداد حدتها في ظل سياسة الدولة في مجال تقاعد الأعوان العموميين عموما والقضاة خصوصاً. فالحكومة هي بصدد إعداد مشروع قانون يمدد سن تقاعد الموظفين العموميين لما بعد الستين سنة. كما أن رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد التزم بمباركة من الهيئة الوقتية للإشراف العدلي بأن يقبل مطالب التمديد في العمل بعد بلوغ سن التقاعد التي يقدمها القضاة من دون استثناء.

وسيؤدي اعتماد القانون المزمع سنّه لاحقا وقرار التمديد الجماعي المعتمد حاليا -رغم معارضة كل هياكل القضاة له – للحد من نسب تقاعد القضاة. وما يزيد من هذا التوجه هو أن التجربة بينت أنّ أغلب من يبلغون سن التقاعد يرغبون في التمديد لمواصلة التمتع بالامتيازات العينية او لاعتبارات خاصة بهم. وسيعرف بالتالي عدد قضاة الرتبة الثالثة تطوراً سريعاً خلال الخمس سنوات القادمة قد يؤدي لجعلهم الكتلة الأكبر في الجسد القضائي.


آثار التهرّم على حسن سير العمل القضائي

يشكل قضاة الرتبة الأولى قاعدة العمل القضائي بالمحاكم الابتدائية ومحاكم النواحي فيما يسد قضاة الرتبة الثانية جانبا من المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف. ويغطي قضاة الرتبة الثالثة كامل حاجيات محكمة التعقيب من القضاة ويمارسون الخطط القضائية بمحاكم الاستئناف وجانبا يسيرا من الخطط القضائية بالمحاكم الابتدائية. ويضبط الأمر عدد 436 لسنة 1973 توزيع الخطط القضائية للقضاء العدلي. ويربط الأمر بين الخطة القضائية والرتبة بشكل صارم ليكون توزيع القضاة حسبه بين درجات المحاكم باعتماد رتبتهم أساسا. ومن هذا المنظار، لا يستجيب تطور هرم الرتب القضائية لحاجيات العمل القضائي خصوصاً وأن  الجانب الأكبر من النزاعات تطرح أمام المحاكم الابتدائية. وقد برز الوعي بتعارض الترقية الآلية نسبيا مع تقسيم العمل بالمحاكم منذ أول تطبيق لهذا المبدأ. فقد شهدت الحركة القضائية لسنة 2012-2013 تعيين قضاة من الرتبة الثالثة للعمل بمحاكم الإستئناف بمسمى قضاة رتبة ثالثة بمحكمة الإستئناف. ودعي هؤلاء القضاة إلى مباشرة عمل أعضاء بالدوائر الإستئنافية أي الخطط التي يمارسها قضاة الرتبة الثانية. حافظت لاحقا الهيئة الوقتية على ذات التوجه في المعالجة الجزئية للاشكالية القائمة. لم يستند الحل المؤقت لنصوص قانونية وظل موضوع منازعة من القضاة. كما أنه أثر سلباً على أداء قضاة الرتبة الثالثة بمحاكم الاستئناف حيث أنهم لم يخفوا تذمرهم من إلحاقهم بدوائر قضائية لا تعتبر رتبهم.

ومحدودية هذا التصور وعجزه عن تطويق الإشكاليات القائمة يحتم التوجه نحو البحث عن حلول  جذرية تضمن الملاءمة بين احترام مبدأ الترقية الآلية وحسن سير مرفق القضاء. وهذه الحلول تفرض إعادة النظر في التشريعات في اتجاهين:
الأول، إعادة تشكيل خريطة الخطط القضائية على ضوء تطور حجم الرتب القضائية. فمن شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى تحسين استغلال الموارد البشرية للقضاة من جهة وتحقيق استفادة أكبر من قضاة الرتبتين الثانية والثالثة في الخطط القضائية. ومتى تم ذلك، يمكن استثمار تطور عدد قضاة الرتبة الثالثة إيجابيا في سد حاجيات قائمة لمرفق القضاء بالتوازي مع  الاستفادة بخبرتهم في العمل القضائي.  

والثاني، تطوير التعويل على القضاء الفردي. فالقوانين التونسية تعوّل على التركيبة الجماعية للهيئات الحكمية بشكل أساسيّ. ومن شأن هذا التوجه أن يؤدي الى إحكام الاستفادة من التطور العددي للقضاة. ويمكن في هذا الاطار التفكير في تطوير مؤسسة قضاء الناحية لتكون مخبرا لتطوير التجربة من خلال إعادة تصنيف محاكم النواحي بحسب تطور النزاعات بها كميا ونوعيا وسحب أثر هذا التصنيف على رتب قضاة النواحي. كما يمكن التفكير في تطوير اختصاص القضاء الفردي في النزاعات الجناحية والمدنية بما يخفف الضغط على القضاء الجماعي.

وتظلّ هذه التصورات مجرد مقترحات وأفكار تحتاج إلى دراسات أكثر عمقاً قبل التوصّل لإصلاح يستفيد من تهرم القضاء في اتجاه البحث في ثناياه عن التجربة والحكمة التي قد تساعد على  تطوير  الثقة العامة في القضاء.


[1]معطيات إحصائية مصدرها إدارة الإحصاء بوزارة العدل وتم تحيينها باعتماد الحركة القضائية 2015-2016  – لم يسبق نشرها -                                                                         
[2]خلال المرحلة الانتقالية  المعطيات الاحصائية  المتعلقة بتطور تركيبة القضاء بين 2010-2015 وتحليل تلك المعطيات  مصدره دراسة  حول القضاء التونسي، من إعداد محمد العفيف الجعيدي غير منشورة.