كان التشريع في ليبيا القذافي يمر بأزمة. هذه كانت قناعة العديد من القانونيين، وإن رأى البعض في وصف الأزمة مبالغة في تشخيص المشكلة. القناعة بوجود الأزمة كانت دافعا لاقتراح اختيار "أزمة التشريع في ليبيا" عنوانا لمؤتمر عقد في طرابلس في أبريل 2008، ورفض هذا الوصف كان دافعا لعقد المؤتمر تحت عنوان: "نحو تطوير التشريع في ليبيا". كلا العنوانين ينم عن احساس واقرار بوجود مشكلة وإن بدرجات مختلفة، هكذا علق المحامي محمد دراه، أحد المشاركين وراوي القصة. خلُصَ المؤتمر إلى تحديد ملامح هذه الأزمة، وأهمها: غياب الدستور، والخلط بين وضع السياسات العامة وصياغة التشريع، وفقدان آلية واضحة لاتخاذ القرارات تمّكن من مراقبتها ومراجعتها، وعدم وجود محكمة دستورية ترفع عن كاهل المحكمة العليا عبء رقابة دستورية التشريعات وتكفل لها التفرغ لمهام النقض، وعدم تناسق التشريعات، وعدم الاهتمام بارفاق القوانين بمذكرات توضيحية عني على تفسيرها. نظرة سريعة إلى هذه القائمة تكفي للقطع بأن التشريع كان في أزمة حقيقية، ولم يكن وحده؛ النظام بأسره كان في أزمة لم تلبث أن افضت إلى نهايته. لكن السؤال: هل انتهت أزمة التشريع بنهاية نظام القذافي؟ محاولة الإجابة عن هذا السؤال كانت موضوعا لمشروع بحثي أجراه مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي بالتعاون مع جامعة ليدن الهولندية، وانتهى إلى أن وصف الأزمة لم يزل وصفا صالحا لصناعة التشريع في ليبيا.

كان الاكثار من التشريعات قاسما مشتركا بين سلطات ما بعد القذافي، فالمجلس الوطني الإنتقالي وضع أكثر من 61 قانونا، واصدر اعلانا دستوريا وعدّله مرارا، وخَلَفهُ، المؤتمر الوطني العام، سن 37 قانونا، وتعددت تعديلاته الدستورية. أما مجلس النواب فقد اختلف عنهما نسبيا من حيث كم التشريعات التي سنها، وإن لم يختلف من حيث تدني مستوى هذه التشريعات. وينبغي الاعتراف بأن هذا الحكم مبني على المتاح من المعلومات عن النشاط التشريعي لمجلس النواب، وهو قليل للغاية، إذ ليس لهذا المجلس، خلافا لسابقيه، موقع إلكتروني يمد المهتمين باخباره. وللمرء أن يتخيل توالي التشريعات، والتعديلات الدستورية أيضا، في ظل استمرار المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب في ممارسة سلطة التشريع، فالأول وضع تعديله التاسع للإعلان الدستوري في سبتمبر 2015، وأعقبه بحزمة تشريعات في أكتوبر الذي تلاه، والثاني عدّل الإعلان الدستوري في أكتوبر ذاته ليمدد لنفسه.

تعددت دوافع التشريع، فبعضها انطلق من افتراض أن بعض التشريعات القائمة تحتاج اصلاحا لأنها قد بلت ولم تعد تناسب ما حدث من تطور، وإما لأنها مبنية على أفكار القذافي. على سبيل المثال، عبّر العديد من رجال الأعمال عن استيائهم من القوانين العتيقة، ذات الطابع الإشتراكي، المعيقة، وفقا لهم، للإقتصاد والأعمال، وصرح محافظ المصرف المركزيمرة بأن التشريعات القائمة عقبة أمام الاستثمارات الوطنية والأجنبية. دافعا أخر للتشريع كان القناعة بأنه، أي التشريع، وسيلة سريعة لتحقيق أهداف مهمة مثل التطوير المؤسسي وتحقيق العداالة الإنتقالية.

قد يسلم المرء ببعض هذه الحجج، ولكن ليس كلها. فمراجعة تشريع ما بدعوى أنه من مخرجات نظام القذافي يبررها أن العديد من التشريعات التي سنها هذا النظام كانت مخالفة لمبادئ مستقرة في صناعة التشريعات، اجراء وموضوعا، والأمثلة كثيرة على تشريعات اهدرت حقوق الإنسان وأخرى استهدفت، في غير عمومية ولا تجريد، أشخاصا ووقائع بعينها، وثالثة جرمت أفعالا بأثر رجعي، والقائمة تطول. لكن لا ينبغي الانطلاق من هكذا مقدمة لتعميم دعوى المخالفة على كل تشريعات تلك الفترة، ولا أدل على ذلك من التشريعات التي سنها النظام في اطار أسلمة القوانين في بداية السبعينيات، والتي يترسم النظام الحالي خطاها. بل ربما يضرب المرء مثالا، مثيرا للجدل، على تشريعات سنها النظام السابق تنفيذا لايديولوجياته واضعافا لخصومه، ولكنها حققت أيضا مكاسب قد يحسن الابقاء عليها. هذا المثال يتعلق بالمحاماة الشعبية، ومؤداها اسناد مهمة الدفاع، مجانا بالنسبة لليبيين، إلى موظفين عامين، وكان الهدف منها القضاء على المحاماة الخاصة التي ناصب بعض ناشطيها النظام السابق العداء، وهو هدف تحقق لفترة محدودة أجبر بعدها النظام على السماح بالمحاماة الخاصة. لكن المحاماة الشعبية، أو العامة كما سميت بعد ثورة فبراير، حققت نتائج أخرى قد يحسن تكريسها، بل، ربما، البناء عليها. فالمحاماة الشعبية غدت جزءا من الهيئات القضائية، مثل القضاء والنيابة العامة، وأتاحت مكنة التنقل والنقل بين هذه الهيئات للعديد من المحامين الشعبيين، وخصوصا من الاناث، تولي مهام القضاء، وهو ما أضفى تنوعا على القضاة بعد أن كان معظمهم يأت عن طريق النيابة العامة، ويكون تأهيلهم، بالتالي، محصورا في الجانب الجنائي. كذلك، وجد العديد من محدودي الدخل، وخصوصا من النساء، ملجأً في المحاماة الشعبية. نعم، في المحاماة الشعبية عيوب، ولكنها لا تختص بها دون فئات أخرى من موظفي الدولة وأعضاء الهيئات القضائية الأخرى. لهذا، لا ينبغي الاستناد إلى الخلفية الإيديولوجية في انشاء المحاماة الشعبية لالغائها؛ ربما يكون الأولى عدّها خاصية قانونية ليبية ينبغي الإبقاء عليها.  

لم تكن تشريعات ما بعد فبراير، بالطبع، سلبية كلها. فقد سعى بعضها، على سبيل المثال، إلى تعزيز استقلالية طالما تطلع إليها القضاء عن سلطات الدولة الأخرى، ونموذجها القانون رقم 4/2011 الذي أنهى رئاسة وزير العدل للمجلس الأعلي للقضاء، وكفل للقضاء، بالتالي، استقلالا أكثر عن السلطة التنفيذية. ولكن الإشكال يتمثل في أن صواب بعضها من ناحية الموضوع اصطحب باختلالات إجرائية عمّت صناعة التشريعات فيما بعد الثورة، وقد لا يكون المرء متجنيا في القول بأن أغلب المآخذ على صناعة التشريعات، كما لخصها مؤتمر تطوير التشريعات آنف الذكر، تصدق على حال هذه الصناعة حاليا. يضاف إلى هذا، أن ما صدر، ويصدر، من تشريعات لا يستند في الكثير من الحالات إلى سياسة تشريعية تليق بمرحلة إنتقالية.

صناعة التشريع الأساسي، الدستور، مثال واضح على ذلك. إذ لم تتحقق في الهيئة المنتخبة لصياغة الدستور مبادئ أساسية في صناعة الدساتير. فهي أولا لا تمثل كل الليبيين، فالأمازيغ ومدن هامة مثل درنة غير ممثلين فيها. والهيئة أيضا لم تفلح في إشراك العامة في عملها، بل فضلت لفترات طويلة العمل من وراء ستار، كما وصفها أحد أعضاء منظمة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وهي كذلك لم تتبن آليات واضحة للتوافق بين أعضائها، وقد كانت آثار ذلك واضحة حين نشرت مخرجاتها الأولية، والتي وصفها البعض، بحق، أنها أشبه بفصول تنتمي إلى دساتير متعددة منها إلى دستور واحد، شاب بعضها التناقض حتى في إطار الفصل الواحد. وقد انعكست هذه المخالفات الإجرائية على المعالجة الموضوعية لقضايا الدستور. على سبيل المثال، ذهبت تلك المخرجات إلى تبني نظام سياسي تتغول فيه السلطة التشريعية على التنفيذية متجاهلة مطالبات قطاع عريض من الليبيين بسلطة تنفيذية قوية محصنة من الانقسامات التي كانت طابعا للمجالس التشريعية فيما بعد فبراير. كذلك، لم تتمكن الهيئة من اقتراح نظام حكم محلي مقنع، فاللجنة المكلفة بذلك خرجت بمقترحين شابهما العديد من العيوب. ورغم أن الهيئة قد شكلت لجنة للعمل انتهت من وضع مشروع جديد للدستور، إلا أن العديد من المآخذ لا زالت قائمة. فلجنة العمل أكملت عملها في سرية تامة، وغاب عن تشكيلها ممثلو التبو والطوارق، وهو ما ضاعف من مشكلة التمثيل في الهيئة، ولا يتوقع لمشروعها أن ينال رضا أغلبية الهيئة اللازمة. وحتى لو حدث هذا، فإن قبوله ممن لم يُشركوا في اعداده في استفتاء عام بأغلبية الثلثين لن يكون هينا، على أقل تقدير.

من ملامح أزمة صناعة التشريع أيضا غياب جسم يراقب جودة التشريع عن طريق إما صياغة مشروعات التشريعات أو تقويم ما يصاغ من جهات أخرى قبل سنه. ربما يكون مصطلح تغييب هذا الجسم أكثر دقة، لأن هناك بالفعل إدارة للقانون تضطلع، أو يفترض أن تضطلع، بمهمة مراجعة مشروعات القوانين المحال إليها من جهات عامة، وصياغة ومراجعة القرارات واللوائح ذات الصبغة التشريعية. لكن المشكلة هي تجاهل هذه الإدارة، فلا يطلب منها، إلا في القليل النادر، أن تراجع مشروعات القوانين، بله أن تقوم بصياغتها. هذا التجاهل ليس بالأمر الجديد. فبعد أن كانت العدة تُعدُ في بداية السبعينيات لتحويل هذه الإدارة إلى مجلس دولة على غرار ما تعرفه فرنسا،[1] عُدل عن ذلك، وجرى اهمالها، ربما توطئة لتثوير صناعة القانون التي كانت البلاد ستشهدها، وتطور الأمر لاحقا إلى سلبها اختصاص الفتوىلصالح مؤسسات ثورية (أمانة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان بمؤتمر الشعب العام).

بعد ثورة فبراير، لم يطرأ على دور إدارة القانون كبير تغيير فيما يتعلق بصناعة التشريعات، وإن كان دورها الافتائي قد شهد انتعاشا.[2] في احياء، ربما، لمشروع تحويل إدارة القانون إلى مجلس دولة يمارس، ضمن مهام أخرى، رقابة سابقة على جودة التشريعات، تضمن مشروع فصل الدستور الخاص بالسلطة القضائية المعلن عنه في ديسمبر 2014 مقترح انشاء هذا المجلس، ونُص على أن من مهامه "تفسير القوانين واعداد وصياغة مشروعاتها". أُغفِلَ ذكر إدارة القانون في هذا المشروع كأن في المجلس غنية عنها. لكن لم يكتب لهذا المقترح الاستمرار، واستعيض عنه بمقترح أخر أعدته لجنة العمل التي شكلتها هيئة صياغة الدستور، لم يكتف باسقاط فكرة مجلس الدولة، وإنما تجاوزها إلى اسقاط إدارة القانون أيضا، والتي أُخرجت من جملة الهيئات القضائية، ونص على إحالة الأصلح من اعضائها إلى القضاء، وإعادة تنظيم الأوضاع الإدارية والمالية للباقين منهم. هذا النص يفهم على أحد وجهين: إما أن إدارة القانون قد أٌلغيت والمقام مقام تصفية أوضاعها، وإما أنها لا زالت قائمة، والمقام مقام انتخاب خيرة أعضائها لتنسيبهم إلى القضاء. وفقا للتفسير الأول، لا حاجة إلى جسم يمارس رقابة سابقة على جودة التشريع، ووفقا للثاني، رقابة التشريع ليست بالمهمة التي تقتضي وجود الأكفاء، والقضاء أولى بهؤلاء.

هذه بعض ملامح أزمة التشريع في ليبيا اليوم، والعديد منها يعود إلى حقبة ما قبل الثورة، ولذا لا زالت توصيات مؤتمر تطوير التشريع المنعقد عام 2008 بخصوص سبل معالجتها قائمة. الفرق، وهو مهم، أنه لم تكن هناك حينها إرادة سياسية لوضع هذه التوصيات موضع التنفيذ، ويمكن لأولاها المتعلق بضبط صناعة التشريع دستوريا أن يجد طريقه إلى الدستور الجاري إعداده حاليا.



[1] Habib, H., Politics and Government of Revolutionary Libya(Montreal: Le Cercle du livre de France LTÉE, 1975)، p234-235.
  على سبيل المثال، استشيرت إدارة القانون حول مدى قانونية قرار المؤتمر الوطني العام بتعيين أحمد معيتيق رئيسا للوزراء، وهي القضية التي أثارت لغطا كبيرا، وانتهت لقضاء المحكمة العليا بتاريخ 09/06/2014بعدم دستورية قرار التعيين.[2]