خلال شهر أيار، وفي اثر إدراج مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري على جدول أعمال اللجان المشتركة في المجلس النيابي، بدأت للمرة الأولى منذ اطلاقه من قبل "حملة تشريع حماية النساء من العنف الأسري" حملة مركزة ضده من قبل جمعيات ذات خلفيات دينية: لقاءات، بيانات، اعتصامات الخ.. وفي هذا الإطار، تقدم "تجمع اللجان والجمعيات النسائية للدفاع عن الأسرة" بمجموعة من الملاحظات حول "المشروع" إلى لجنة العدل النيابية، من منظور نفس-اجتماعي. وقد تصدرت هذه الملاحظات مقدمة شرح فيها التجمع منطلقاته ومفادها ان الأسرة هي الوحدة الأساسية للمجتمع، وأن سلامة الأفراد وصحتهم من تضمينات صحة الأسرة وسلامتها. فمقابل التأكيد على أسبقية الأسرة على أفرادها، اعاب كاتب الملاحظات على "المشروع" تبنيه فلسفة للأسرة "قائمة على مبدأ المصلحة الفردية والمغالبة بين الجنسين".وقد ذيلت الملاحظات بتوصيات ثلاث تعترف بشيوع العنف الأسري وتقترح حلولا لمكافحته. وتنشر "المفكرة" هنا مناقشة لهذه الملاحظات، بندا بندا، وفق الترتيب الذي وردت فيه في النص الأصلي (المقدمة للمحرر).
 
ملاحظة أولى: المشروع تمييزي ويعزز مبدأ عدم المساوة طالما أنه يتناول العنف ضد المرأة فقط.
مناقشة: التمييز الوارد في المشروع انما يستجيب لضغط الواقع الذي يتصف بـ"عدم المساواة" بين الجنسين: فالنساء الراشدات، وفق الدراسات المعنية بالعنف الأسري،  يُعنَّفن بنسبة تفوق النسبة التي يعنَّف بها الرجال ( 95% مقابل 5% على التوالي)، فيما يُقتلن، أيضا، ومن قبل الرجال بنسبة 100%، تقريبا.  
من جهة ثانية، تشير الدراسات إلى ان العنف الذي قد تمارسه النساء على الرجال غالبا ما يكون  بمثابة رد فعل على عنف الرجال عليهن.
 
ملاحظة ثانية: تشتت المرجعية الأسرية بين المحاكم المدنية والمحاكم المذهبية.
مناقشة: خلافا لما ورد في الملاحظات، العنف الذي تتعرض له المرأة داخل الأسرة ليس شأنا أسريا، ولا هو من الأحوال الشخصية التي تخضع للمحاكم الشرعية والروحية. بل هو بالدرجة الأولى شأن السلطات الأمنية والقانونية المدنية التي انيط بها مهمة حماية امن المواطنين.
اليست المرأة مواطنة في هذه الجمهورية؟ ثم من تراه يحاكم القاتل ويعاقبه في حالة العنف الأقصى اي في حال قتل نساء من اسرته؟ المحاكم الروحية والشرعية، ام الدولة؟
 
ملاحظة ثالثة: الإبلاغ عن العنف الممارس على المرأة هو انتهاك لخصوصية الأسرة ويجعلها عرضة للانكشاف والاستغلال.
مناقشة: الاشكالية الأساسية هنا لا تكمن في مفاعيل الإبلاغ، انما في كيفية وقف العنف المتمادي ضد المرأة داخل أسرتها. أليست الأسرة حسبما جاء في الملاحظات مصدراً للحب والأمان والرعاية لأفرادها؟ وتاليا، بإسم ماذا يطلب من المرأة لزوم الصمت ازاء العنف الممارس ضدها على نحو يقوض تماما هذه القيم؟ ثم، من تراه يكون المسؤول، في هذه الحالة، عن انتهاك الخصوصية؟ ضحية العنف، او من يمارس العنف؟
وبأية حال، وعلى فرض ان الإبلاغ عن العنف الأسري هو انتهاك لخصوصية الأسرة ... فإن الحال  سيكون كذلك، بمعزل عن الجهة المبلغ اليها: اكانت مؤسسات الدولة المعنية، ام منظمات غير حكومية، ام المحاكم الشرعية، كما يقترح "تجمع اللجان والجمعيات" في توصياته. ثم، ما مدى فعالية هذه المحاكم في مكافحة العنف الأسري ام ان "التجمع" يقترح ان يصبح لدينا جهاز امني لكل مذهب، وبالمحصلة ثمانية عشر جهازا امنيا؟   
 
ملاحظة رابعة: (المشروع يؤدي إلى) إحداث خلل في الصورة المرجعية الوالدية للطفل (عبر تدخل سلطة الدولة): فـ"إذا تم "حبس" الأب/ الزوج المعنف او عزله – كما هو مقترح في "المشروع" في بعض الحالات التي تكون فيها حياة المرأة والأطفال مهددة- فإن الطفل يرى في "حبس" الأب غيابا للسلطة.... وانهيارا لرموزها مما يفضي إلى تحوله إلى مجرم الخ..."
مناقشة: نفهم من الملاحظات ان "المشروع" (الذي يجعل المجتمع، ممثلا بالدولة، رقيبا على المعنف داخل الأسرة) مضر بعملية التماهي (تماهي الطفل بالسلطة الوالدية)، مضر لدرجة تحول الطفل الى مجرم، وأن عدم الإبلاغ عن العنف درءا لتدخل الدولة يفضي، بالمقابل، الى بناء "شخصية سليمة (للطفل) وثقة بالذات وبالآخرين غير متمردة على السلطة والقانون". ومفاد هذه الفكرة اذا ان بوسع السلطة، مهما كانت عنيفة، ان تكون ضامنة لمشاعر الطفل بـ"الأمان والانتماء" الضرورية لنموه بشكل سليم. لكن، كيف يكون التعنيف المتمادي حاضنا لهذه المشاعر؟ كيف يكون القبول بالعنف الأسري والسكوت عنه سبيلا إلى منع الجريمة، فيما يصبح التدخل لمنع العنف باعثا عليها؟
الواقع، ان الدراسات النفس -اجتماعية تبين ان السلطة الوالدية لا يسعها ان تكون "مرجعية حازمة" اذا كانت عنيفة على نحو متماد. فليس بوسع العنف المتمادي ان يكون سلطة رادعة الا اذا كان وكيلها المعنف حاضرا "جسديا"، ويتم التمرد على قواعد تلك السلطة، فور غيابه. اي ان قواعد هذه السلطة لا تستدخل في نفسية الطفل، فتفقد، اذا، سلطتها الرقابية الذاتية. لا بل ان علماء النفس الاجتماعيين توافقوا على ان السلطة الوالدية العنيفة تنتج شخصية، توافق علماء النفس الاجتماعيون على وصفها بالشخصية التسلطية authoritarian personality وهي شخصية خاضعة وخانعة ومطيعة للمعنفين، وهي متمردة وعنيفة على الناس الأضعف الذين يسعها تعنيفهم. اي ان هذه الشخصية "تتماهى بالمعتدي" وتعيد انتاج العنف الذي تعرضت له، حين يتاح لها ذلك.
 
ملاحظة خامسة: تدخل الدولة يقلب الموجبات والحقوق داخل الأسر، وقد يضع حدا لعلاقات الدم.
مناقشة: ان هذا الكلام يستفظع ان تكون العلاقات بين الناس الذين تربطهم "روابط الدم" موضوعا للتدخل؛ وذلك تبعا لتصورات غير صحيحة لـ"روابط دم" تجعل العلاقات القائمة على اساسها مثالية. فهل "روابط الدم" ضامنة بحد ذاتها لحسن العلاقات وسلامتها؟ وأهم من ذلك، هل نعفي الاعتداءات بين اشخاص بينهم "روابط دم" من المحاسبة والعقاب عملا بهذه التصورات؟ هل يعفى مثلا قاتل قريبته بالدم من العقاب؟    
 
ملاحظة سادسة: (إذا تدخلت السلطة وحبست الزوج فسوف ينتج  خللا في الأمن الأسري وخللا في امن الأسرة المعيشي" وذلك لأن الزوج معيل هذه الأسرة.
مناقشة: تسقط الملاحظات صفة هذا الزوج الذي سوف "يحبس" والتي تجعل منه مذنبا بسبب كونه معنفا،  ليبدو للقارئ وكأن القانون سيقوم بـ"حبس" كل الأزواج.
والواقع ان على المجتمع ان يختار: فإما يحمي المرأة من العنف الممارس عليها داخل الأسرة، وعليه في هذه الحالة ان يؤمن دعما ماليا للأسرة او للمرأة (من اموال المعنف نفسه إلا اذا كان غير مقتدر)؛ واما ان يحجم عن معاقبة المعنف بسبب كونه المعيل الحصري للأسرة، وهو بذلك يبرر السكوت عن العنف بالخبز ( المأكل والمسكن والملبس والطبابة والتعليم)!
 
ملاحظتان سابعة وثامنة: مخالفة بعض بنود اتفاقية حقوق الطفل على اساس فكرتين اساسيتين: اعلاء مصالح الطفل على مصالح الآخرين، و"ضمان عدم فصل الطفل عن ابويه غصبا عنه... الا اذا كان هذا الفصل ضروريا" وفق مطالب اللجنة الدولية لاتفاقية حقوق الطفل الخاصة بلبنان وملاحظاتها.
مناقشة: اللافت بداية هنا ان الملاحظات لا تجد حرجا في الانتقال من مرجعية التقاليد الأسرية الى المرجعية الدولية. والواقع ان الإعتراض هنا مبني على فرضية مفادها ان الوالد يبقى في كل الأحوال صالحا، برغم كونه معنفا، لتحمل مسؤوليته في تربية الأولاد وان العنف الذي يمارسه ضد اعضاء اسرته لا يشكل سببا وجيها لفصله عن اولاده، عملا بحق الطفل بالبقاء في بيئته العائلية وعدم الانفصال عن اهله. 
والواقع، وخلافا لهاتين الملاحظتين، فإن المشروع لا يهدف الى حماية المرأة وحسب، انما الأولاد ايضا. فعدا عن ان الدراسات بشأن العنف تبين انه، وفي الأسرة التي تعنف فيها الزوجة، يطال العنف غالبا الأولاد ايضا، فإنه من الطبيعي انه يتعين على القاضي الذي يجعله "المشروع" مختصا، ان يعاين الموضوع المطروح عليه بشمولية تسمح لأحكامه بأن تنصف المرأة وان تؤمن المصلحة الفضلى للأطفال في ان، فلا يتحقق الفصل الا اذا كان متناسبا مع "مصلحة الطفل".
اما ان يقال عكس ذلك، فذلك يؤول الى حرمان الطفل من حق الحماية ضد العنف تحت شعار صون حقه بالبقاء في بيئته العائلية. كما انه يؤول بالنتيجة الى إلقاء اللوم على الضحية التي تظهر وكأنها تهدد مصالح اطفالها، وإغفالا، في الوقت نفسه، لمسؤولية الجلاد الذي  يبقى المسؤول الأول عن تخريب وظائف الأسرة وتاليا عن تغيير شكلها.
 
ملاحظة تاسعة: الخوف من تشويه السمعة الفردية والعائلية.
مناقشة: ازاء هذه الملاحظة، يطرح السؤال الآتي: هل يتعين على المجتمع مساعدة المعنف على اكتساب سمعة ناصعة لا يستحقها؟ اليس اجدى بنا، واكثر انسجاما مع المعايير الأخلاقية التي نتغنى بها، ان يتم ردع المعنف عبر تهديده بسمعته الأثيرة المذكورة؟ بل اليس القانون مرشحا من هذه الزاوية، لأن يلعب دورا "تربويا" عبر دفع المعنف، تحت وطأة الخوف من الفضيحة، للكف عن استخدام العنف كاستراتيجية لحل المشاكل العالقة بينه وبين المرأة المعنفة.
 
ملاحظة عاشرة: المشروع سيؤول في حال اقراره الى تشجيع الرجال على انشاء علاقات غير شرعية مثل المساكنة او المصاحبة.
مناقشة: هذه ملاحظة تمييزية ضد الرجل لأنها تصوره وكأنه عنيف "بالفطرة"، وأنه يحتاج للبحث عن وسيلة تتيح له تفعيل عنفه. لذا، فإن وجود قانون لحماية المرأة من العنف الأسري يثني الرجال عن  الزواج؛ ويحدوهم الى اقامة علاقات غير شرعية تسمح لهم بممارسة عنفهم من دون عقاب.
 
ملاحظة حادية عشرة: "المشروع" سيؤدي الى تأخير سن الزواج وارتفاع نسبة العزوبة وانخفاض نسبة المواليد وتغير حجم السكان وطبيعة هرم الاعمال.
مناقشة: بالطبع، الظواهر التي جرى تعدادها ضمن الملاحظات صحيحة وهي تميز المجتمعات المعاصرة، ومن بينها لبنان؛ وذلك، وفق الإحصاءات الصادرة عن المديرية العامة للإحصاء المركزي. وقد احدثتها جملة متشابكة من العوامل الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية الخ المتراكمة عبر العقود، بل ربما القرون، الماضية. اما ان يعزو كاتبو الملاحظات حصول هذه الظواهر الحاصلة فعلا لـ(قانون لم يصدر بعد) وان يطمحوا الى اقناع قرائهم (نواب الأمة، المشرع) بسدادتها، فهذا هو محل الغرابة. فكأنهم بذلك يعلنون ان تصوراتهم عن المشرع هو انه يتصف بالسذاجة وقلة الذكاء، وذلك في اقل تقدير. بل لعلهم يفترضون ان المشرع لن يقرأ ملاحظاتهم بل يقبل بحججهم مهما بلغت من وهن، بسبب الراية التي يحملونها: حماية الأسرة من ورائها سؤدد الطوائف.
 
نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.