تستمر الوسائل البديلة لفض المنازعات في الزحف أكثر فأكثر للاستئثار باهتمام الباحثين في مجال الدراسات القانونية والفقهية والقضائية. ومرد ذلك كون هذه الوسائل رسمت لنفسها مكانة متميزة داخل حقل المنظومات التشريعية للعديد من الدول الساعية لتطوير وسائل تصريف عدالتها. وفي هذا الإطار، يمكن تعريف الحل البديل للنزاع بأنه كل وسيلة يتم بواسطتها اللجوء إلى طرف ثالث محايد عوض اللجوء للقضاء الرسمي، بهدف التوصل إلى حل ودي للنزاع المطروح. ومن بين هذه الوسائل، هناك الوساطة التي تسعى لحل النزاع عن طريق صلح يحظى برضى الطرفين المتنازعين، بالكيفية التي يجد فيها كل واحد منهما بأنه غير خاسر وبأن الآخر غير فائز. وبذلك، تعد الوساطة أحدث طريقة أو وسيلة بديلة لفض المنازعات تتبناها التشريعات الحديثة في العالم المتقدم اقتصاديا وتكنولوجيا، والتي أصبح لها شأنٌ كبيرٌ في المنظومات القانونية لكثير من البلدان.

    ومن أهم السمات المميزة للوساطة، المرونة والليونة وما تقتضيه من التخلي عن تشعب إجراءات ومساطر القضاء وتعقيداته، واعتبارها كذلك مرحلة وسطى بين التفاوض والتقاضي، التي تحقق حل الخلاف بأيسر السبل وأقلّ التكاليف.وهي تهدففي نفس الوقت إلى تمكين الوسيط لطرفي النزاع من التوصل بإرادتهما إلى حل يصنعانه ويرتضيانه بصفة شخصية ومباشرة، ويسعيان بالتالي إلى تنفيذه. وبالإمكان القول بأن الوساطة تبتعد عن طقوس المحاكمة التقليدية أو الرسمية التي تنتهي إلى قرار يتخذه ويفرضه القاضي، مما يخلق نوعا من الضغائن والأحقاد بين الأطراف، ويؤدي إلى إطالة أمد النزاع أمام المحكمة.

    أما بالنسبة لمن يتولى مهام الوساطة بين المتخاصمين – الوسيط - فإن النظم القانونية تختلف بشأنه، حيث تعهد بعضها بهذه المهمة إلى القاضي المختص بنظر النزاع، إذ يجب أو يجوز له القيام بالمهمة. وفي المقابل، فإن بعض الأنظمة الأخرى تسند هذه المهمة إلى مؤسسات خاصة كمراكز الوساطة والتحكيم، وليس عن طريق القاضي المختص بنظر النزاع، باعتباره غير متخصص بالقيام بهذه المهمة التي تتطلب مؤهلات ومواصفات خاصة. كما أن الفرق شاسع بين شخص القاضي وقيوده ومرجعيته والضوابط التي تحكم عمله القضائي وكيفية تصريفه للعدالة، والشخص المكلف بمهمة حل النزاع وفق الوسائل البديلة لحل النزاعات، باعتباره متحررا من كل القيود.

    تعد الوساطة مؤهلة لتسوية منازعات العديد من المجالات. فرغم تنوع مجالات تدخل الوساطة، هي تصب في فلسفة واحدة، وهي التوفيق بين الأطراف وتقريب وجهات نظرهم لفض النزاع بأسرع وقت وبأقل تكلفة، وبالكيفية التي تحافظ على علاقات أطرافها، وهو ما يوحي بفعاليتها من خلال النتائج المحققة في العديد من الدول المتقدمة التي أدمجتها في أنظمتها القانونية والقضائية وخاصة الأنظمة الأنجلوساكسونية كالولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا. لكن الأمر يدعو للاستفسار عن سبب تقاعس العديد من الدول الأخرى عن إدماجها في حقلها القانوني، وعن عدم تفعيلها أو مأسستها في بلدان أخرى بالرغم من التنصيص عليها في تشريعاتها، على اعتبار أنها قد تدخل في حل العديد من المنازعات في مجموعة من المجالات، الأمر الذي يدعو للوقوف بشكل جدي على خصوصيات هذه العدالة، كدعوة لتفعيلها وتطوير أدائها والتشجيع للإقبال عليها، وذلك من خلال البحث في التساؤل التالي: '' إلى أي حد يمكن القول بنجاعة الوساطة في فض منازعات الشغل في إطار عدالتها القابلة للمفاوضة؟ ''.

    يعد الميدان الاجتماعي من أهم اهتمامات الوساطة، لتتوسع بعد ذلك على مجالات أخرى وصولا إلى النزاعات ذات الطابع الدولي. غير أنه يجب التمييز بين الوساطة لحل النزاعات في الميدان الإجتماعي، والصلح الذي يقوم به القضاء كمسطرة إجبارية منصوص عليها في مجموعة من القوانين ومنها التشريع المغربي[1].


  الوساطة والنزاعات الفردية

    كما هو معلوم فالنزاعات الفردية المتعلقة بعقود الشغل أو التدريب المهني تعد من أكثر النزاعات عرضا على القضاء، والتي أسند المشرع النظر فيها للمحاكم الابتدائية بمقتضى الفصل 20 من قانون المسطرة المدنية. وقد اضاف المشرع فقرة جديدة في الفصل الثاني من الظهير المتعلق بالتنظيم القضائي للمغرب، نص من خلالها على أنه يمكن تصنيف المحاكم الابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها، إلى محاكم ابتدائية مدنية ومحاكم ابتدائية اجتماعية ومحاكم ابتدائية زجرية. كما أجاز تقسيم المحاكم الابتدائية الاجتماعية إلى أقسام: قضاء الأسرة، وغرف حوادث الشغل والأمراض المهنية وغرف نزاعات الشغل. وإجراء هذا التقسيم ليس إلزاميا إنما يمكن حصوله متى كانت المصلحة والشروط تساعد على إقراره.

    ومن أبرز تجليات الوساطة في هذا الميدان، ما يقوم به مفتش الشغل الذي يقارب دوره إلى حد كبير دور الوسيط، وكذلك الدور الذي يقوم به المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم، أو الذي يتولاه العون المكلف بالتفتيش داخل المقاولة بحضور الأطراف المعنيين بالنزاع، والذي يسعى من خلاله إلى التوصل لحل ودي للنزاع. وهو دور ريادي يمكن أن يقوم به مفتش الشغل في المجال الاجتماعي. غير أن الأمر يختلف عن الممارسة الفعلية، لأنه يلاحظ أن أعوان ومندوبي التفتيش لا يقومون بالسعي إلى توصل أطراف النزاع إلى الصلح دائما، بقدر ما يقومون باقتراحه فقط ويعتبرونه كمسطرة يلزم القيام بها لكن دون إرادة حقيقية لاحتواء النزاع. وبالتالي يكونون أول من يدعو لرفع النزاع إلى القضاء كوسيلة للتخلص السريع من ضغط الملفات. ومن النافل القول أن أداء الوساطة على هذا الوجه يضرب في الصميم المهام المنوطة بهم، ويؤدي بالتالي إلى الضغط من جديد على المحاكم.

    أما عن العمل القضائي المغربي في الموضوع، فإن هناك مجموعة من القرارات التي تسير في اتجاه إعمال الصلح في نزاعات الشغل. يمكن الإشارة في هذا الصدد للقرار عدد 1006 الصادر بتاريخ 15/11/2000 في الملف الاجتماعي عدد 539/5/1/2000 بالغرفة الاجتماعية للمجلس الأعلى - محكمة النقض حاليا - الذي اعتبر أن ''عقد الصلح الذي يبرمه الأجير مع مشغله، والحال أن الدعوى معروضة على القضاء تنهي النزاع نهائيا عملا بالفصل 1089 من قانون الالتزامات والعقود، ولا يمكن اعتباره تنازلا محصورا من الأجير عن تعويضاته المستحقة، كما لا يمكن الرجوع فيه وفقا لأحكام الفصل 1106 من قانون الالتزامات والعقود''.


  الوساطة والنزاعات الجماعية

    بالنظر إلى طبيعة النزاعات الجماعية وتعدد أطرافها، فهي تعد مجالا هاما لإعمال الوسائل البديلة أكثر من النزاعات الفردية. فالعدالة التصالحية والحلول التفاوضية تلعب دورا كبيرا في نزاعات الشغل الجماعية لإخماد نار الخلاف التي قد تتطور إلى مباشرة إضراب عن العمل من طرف العمال، ثم إلى توقف عن دفع الأجر من طرف المشغل فصعوبة المقاولة كنتيجة لتوقف العمل.

    وفي هذا الإطار نشير إلى الاتفاقية التي تم إبرامها بين الاتحاد العام لمقاولات المغرب والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، في مارس 2012 المتعلقة بــ "الإطار التوافقي لنظام الوساطة الاجتماعية بين الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب والاتحاد العام لمقاولات المغرب"، والتي دخلت حيز التنفيذ يوم توقيعها. وقد نصت هذه الاتفاقية على إحداث لجنة مشتركة للوساطة الاجتماعية من قبل الطرفين، تتألف من أربعة أعضاء، بعضوين لكل طرف، وتوكل رئاسة هذه اللجنة للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، فيما يتكلف الاتحاد العام لمقاولات المغرب بأمانتها العامة. وتتلخص مهامها في الاقتراح والتحقق من قائمة الوسطاء، والتحقق من صحة عملية الوساطة قبل وبعد انتهاء الصراعات الاجتماعية، مع جرد الصراعات الاجتماعية المعالجة كل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى اقتراح كل مبادرة من شأنها تحسين إدارة توافقية للصراعات. كما نصت الاتفاقية كذلك على عدد من المحاور والمبادئ العامة في بعض المواد الأخرى، منها الحكامة وكيفية تعيين الوسيط والإجراءات المتخذة، وتقديم المساعدة واعتماد السرية خلال عملية الوساطة ثم المداولات، بالإضافة إلى الرسوم. وهي تلزم جميع منخرطي الاتحاد العام لمقاولات المغرب، ومنخرطي المنظمات المهنية التابعة له، والفرقاء المنتسبين للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب.   

    تعززت هذه الاتفاقية كذلك بتوقيع اتفاقية أخرى بين الاتحاد العام لمقاولات المغرب والاتحاد المغربي للشغل، حول إعمال الوساطة وذلك بتاريخ 07-01-2013.

    وبالرغم من وجود بعض الملاحظات على هذه الاتفاقيات، فمن شأن تطبيقها السير على درب تكريس العمل على تسوية الخلافات بشكل يسهم في استمرارية العلاقات العقدية بين أرباب العمل والأجراء، وبنفس الوقت تخفيف الضغط عن المحاكم. غير أنه حتى الآن، لم تظهر هذه الاتفاقيات أي نتائج ملموسة تساهم في تحقيق الغاية من إبرامها.

    يجب التذكير من جانب آخر بما قام به المجلس الاستشاري لمتابعة الحوار الاجتماعي سابقا في مجال الوساطة، والذي تم إحداثه بمقتضى ظهير 24 نونبر 1994 واختص في إنعاش الحوار الاجتماعي والسهر على انتظام ممارسته. وقد كان لهذا المجلس دورٌ كبيرٌ في حل عدة نزاعات اجتماعية، كما هو الشأن بالنسبة لنزاعات اتّصلت بالمكتب الوطني للسكك الحديدية ومناجم جرادة ومناجم جبل العوام. وتجدر الإشارة إلى أنه تمّ حلّ هذا المجلس بقرار من الملك محمد السادس بتاريخ 30 يوليوز 2000 بعد التنويه بما كان له من منجزات هامة.

    أطلق المغرب كذلك خلال منتصف التسعينات حوارا اجتماعيا حقيقيا بين الحكومة والنقابات (يتعلق الأمر بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والاتحاد المغربي للشغل)، إضافة إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب. وقد توّج هذا الحوار بالتوقيع على التصريح المشترك في فاتح غشت 1996، تلاه توقيع خمس اتفاقات بين سنة 2000 وسنة 2007.

من هنا تظهر أهمية الحوار المباشر بين أطراف النزاع، التي تمكن من تجاوز الاحتقان والضغط الاجتماعي الذي يتسبب أحيانا في مشاكل اجتماعية واقتصادية، الأمر الذي يؤدي إلى عدم استقرار المقاولة نتيجة لإضرابات واحتجاجات واعتصامات، خصوصا إذا كان هناك تجاهل من طرف المؤسسات المعنية، مما يدفع بالنقابات إلى التصعيد بشتى الطرق المتاحة، وهذا أكيد لن يخدم الاستقرار الاجتماعي في شيء، وهو الأمر الذي قد لا يحله القضاء الرسمي الذي يستلزم مساطر وإجراءات قد تغرق أصحابها في متاهات الشكل، إضافة إلى الوقت الطويل الذي تتطلبه، علاوة على المشاكل التي يطرحها التبليغ، زيادة على معيقات تنفيذ الأحكام، هذا إلى جانب ما تخلفه تلك الأحكام من ضغائن بين أطراف النزاع، والتي يتعذر معها استمرار علاقة الشغل بينهم. وما يجدر التأكيد عليه أن القضاء يتمثل دوره أساسا في إصدار أحكام فاصلة في النزاع، في حين ينتظر أطراف مثل هذه العلاقات تدخلا ينهي النزاع ويحافظ في نفس الآن على علاقاتهم التعاقدية، وهو ما يمكن التوصل إليه من خلال الوساطة.

    أمام كل هذا، وبالنظر لسوسيولوجيا الفاعل الاجتماعي، فإن الوساطة باتت ذات أهمية كبرى. ويمكن فهم وإدراك أهميتها البالغة انطلاقا من التمثلات التي يقيمها الباحثون والمهتمون بها. ويمكن كذلك اعتبارها كفلسفة ورؤية للعالم الجديد، بل هي آلية للتواصل الدائم وآلية للضبط الاجتماعي، تمنح السلطة لمختلف الفاعلين والأطراف للأخذ بمسؤولياتهم، والقبول بالوساطة للعمل على احتواء النزاعات بالشكل المناسب وفي الوقت المناسب وفق زمن مناسب وبتكاليف مناسبة، على اعتبار أن الوساطة تكرس التواصل بين السلطة والمجتمع، وتعمل على الارتقاء بالنقاش السياسي في الفضاء العام.

    يمكن القول، أن الوساطة ومن خلالها الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، أصبحت عاملا هاما من عوامل تصريف العدالة، وهي بذلك ليست منافسة للقضاء بل على العكس من ذلك، فمن شأن الأخذ بها وتشجيعها بالعمل على إحالة المنازعات البسيطة عليها؛ التخفيف عن القضاء من الضغط الهائل الذي يثـقل كاهله، قصد تفرغه للقضايا الهامة والكبرى، خصوصا بعد تحديات عالم ما بعد العولمة، وما تقتضيه من تأهيل للقضاء الوطني لمسايرة مستجداتها المتسارعة، بالإضافة إلى الاستراتيجية التي رسمها المغرب في جلب الرساميل والاستثمارات الأجنبية، وانخراطه في شراكات اقتصادية تتطلب قضاء قادرا على البت في المنازعات بسرعة أكثر مما تتطلبها المنازعات العادية.



[1] من الأمثلة على ذلك، قضايا التعويض في حوادث تسببت فيها عربات برية ذات محرك في إطار ظهير 2 أكتوبر 1984، ونزاعات الشغل من خلال ظهير 6 فبراير 1963، وقضايا كراء الأماكن المعدة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي وفق ظهير 24 ماي 1955.