لا نجازف بالقول أن ما تضمنه الباب السابع من الدستور التونسي الجديد حول السلطة المحلية ثورة قانونية في التنظيم الاداري والترابي للبلاد التونسية. فلقد انتقل الباب المذكور بالمنظومة المشار إليها من نظام إداري مركزي ذو ترتيبيات لا مركزية مشوهة إلى نظام لا مركزي يقوم على أبرز المبادئ الكونية المشاعة غي مجال الحكم المحلي. بل إنه استعمل لأول مرة مصطلحا قانونياً جديداً لم نألفه للدلالة على التنظيم اللامركزي وهو مصطلح "السلطة المحلية" متماهياً في ذلك مع ما تضمنته بقية أبواب الدستور المتعلقة بالسلط التقليدية الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. وبيّن من إرادة السلطة التأسيسية الرغبة في القطع مع نموذج الحكم المركزي المفرط الذي أنتج نموذج الدولة الراعية المهيمنة على المجتمع.
غير أن التأمل في نقاشات السلطة التأسيسية يظهر أن مسألة الحكم المحلي أو اللامركزية في تونس كانت مشغولة أكثر بهواجس "سياسية" وأولها هاجس تكريس الديموقراطية المحلية كشكل متطور من الادارة الديموقراطية للشأن المحلي والانعتاق من هيمنة السلطة المركزية ومن تقاطعاتها الحزبية التي لطالما كبّلت العمل المحلي.

هذا الجانب وإن كان يمثل حجر الزاوية في عملية الإصلاح السياسي ككل والاصلاح الاداري بوجه خاص، فإنه حريّ بأن يكون محاطاً بمقاربات أخرى تنموية وفنية وقطاعية تراعي خصوصيات المرحلة التي تمر بها البلاد التونسية والاستحقاقات الكبرى المحمولة على الدولة وعلى الطبقة السياسية ككل.

ولاشكّ أن الدولة التونسية تاريخاً وثقافة هي دولة مركزية بالأساس. إلا أن الافراط في المركزية ما كان ليبرّر توجّها لسان حاله "من النقيض إلى النقيض".

المركزية الإدارية المفرطة وترتيبات اللامركزية الصورية

من المفارقة أن نعاين انتقال التنظيم الإداري في تونس بعد الإستقلال من تنظيم إداري وترابي متعدّد المستويّات والدوائر الترابيّة إلى نظام تكاد تتلاشى فيه الوحدات الترابية المحلية وحتى الجهوية أمام الدائرة الترابية الكبرى أي مجال السلطة المركزية.

فلقد انتقل عدد القيادات من 36 قيادةCAIDAعلى رأس الواحدة منها "قايد" إلى 13 ولاية لكل منها والٍ يتفرّد في تمثيل السلطة المركزية. ويساعد الوالي في مهامه معتمدون منزوعو الصلاحيات مقارنة بنظرائهم في المنظومة السابقة للإستقلال (الخليفة أو الكاهية حسب الحال)(أمر 26 جوان 1956).

ولئن كان من المبرر في البداية رصّ صفوف الدولة الجديدة المشتتة والممزقة لاعتبارات عديدة (عشائرية، عسكرية، ...) وتركيز "الوحدة الوطنية الصماء" وتعبئة طاقات "الأمة" الجديدة لبناء الدولة الحديثة بما يقتضي بسط السلطة لسياساتها التنموية والأمنية على كامل الإقليم في تجانس تامّ، فإن هذا النهج لم يعد مبرّرا مع تشكل المجتمع التونسي على نحو مخالف لما كان عليه الحال في زمن الاستعمار بفضل انتشار التعليم وبروز بؤر ممانعة للنظام السياسي الجديد.

فلقد كان من البيّن أن الهزّات التي عاشتها الدولة والنظام السياسي وفشل سياسات التنمية وارتباكها مردّها الى حد بعيد ضعف المشاركة السياسيّة والمجتمعيّة والعمل على فرض منوال تنمية وبرنامج تغيير اجتماعيّ فوقيّ. فقد نتج عن ذلك نسق تنمية انتقائيّ همّش مرة أخرى الأطراف التي إما كانت مهمشة أو ممانعة ليس فقط في زمن الاستعمار بل أيضا في الحقبة اللاحقة له.

ورغم اصدار قانون للبلديات سنة 1957 ثم سنة 1975 وكذلك قانون لمجالس الولايات (1964) ثم للمجلس الجهوي (1989)، ظلّت النظرة الى المجال الترابي الجهوي والمحلي نظرة ارتياب ورغبة في بسط نفوذ السلطة المركزية في تلازم تام مع نظام المركزية الديموقراطية للحزب الواحد أو المهيمن. فكانت المجالس البلديّة مستقلّة صورياً وقراراتها تخضع دوماً إلى مصادقة السلطة المركزية أو السلطة اللامحورية (الوالي) علاوة على ارتباط موازينها ماليا بميزانية الدولة ورقابتها المشددة.

كما أن مجالس الولايات، ثم المجالس الجهوية ظلت مجرّد امتداد للسلطة المركزية وميزانياتها مجرد صناديق إيداع لميزانية الدولة على المستوى الجهوي ومكلفة فقط بتنفيذ برامج وصرف اعتمادات قدرتها وضبطتها الوزارات ولا صلاحية للوالي وللمجلس الجهوي سوى التنفيذ. وهذه التبعية للمركز عمقها إشراك مراقبي المصاريف العمومية في التصرف في خلط واضح بين وظائف الرقابة ووظائف التصرف بما يتجافى وقواعد الحوكمة الرشيدة.

خيارات دستور 2014 الثورية أو اللامركزية الحالمة

من الصعب زمن الثورة ألا نكون متحمسين. ومن الصعب أيضاً أن نكون إصلاحيين في سياق المطالبة باقتلاع النظام "البائد" من جذوره. لم يتردد واضعو دستور 2014 في تبني مشروع إصلاحي طموح ان لم نقل حالما.

فلقد تبنى الباب السابع من الدستور تقريبا معظم المبادئ الكونية المكرسة لنظام الحكم المحلي في صيغة تبدو مستفزة من خلال اعتماد عبارة "السلطة المحلية" (1) مما طرح تساؤلات حول إمكان تحقق أو إنجاز هذا البناء البديع على أرض تبدو غير مهيّأة لاحتضانه على الأقل في الأجل المنظور (2).

مبادئ الحكم المحلي وفق الباب السابع من الدستور ومشروع مجلة الجماعات المحلية

لقد كرس الباب السابع من الدستور المبادئ التالية:

مبدأ التدبير الحر: ويقصد به استقلالية الجماعات المحلية في تسيير الشأن الجهوي والمحلي دون تدخل قبلي وسابق للسلطة المركزية. غير أن هذا المبدأ لا يجب أن يقرأ إلا في نطاق مبدأ وحدة الدولة الذي ورد بالفصل 14 من الدستور. وعليه، فإنه لا معنى للحديث عن استقلالية تامة أو فصل تام بين الدولة والجماعات المحلية.

مبدأ التعديل: والذي مفاده البحث عن توازن بين الجماعات المحلية عبر وضع آليات تمحو الفوارق بينها من حيث الامكانيات والموارد.
مبدأ التفريع: ومفاده أن السلطة الأقرب والأقدر هي التي تسدي الخدمة أو تمارس الصلاحية وفق حاجيات الجماعة المعنية.
مبدأ التضامن: ومعناه أن الجهات الأقلّ حظاً يمكن أن تستفيد من مساهمات الجهات الأوفر حظاً بما يحقق التوازن المطلوب.
مبدأ الرقابة اللاحقة: خلافاً لما تضمّنه مشروع مجلة الجماعات المحليّة الذي تحدّث عن مبدأ حذف الإشراف، فإن الدستور غيّر آلية الرقابة المسبقة بآلية الرقابة اللاحقة وعوّض الرقابة الإدارية برقابة قضائية وبالتالي لا مجال للحديث عن إلغاء الاشراف.
مبدأ الشرعية الانتخابية للمجالس المحلية والجهوي والأقاليم: لقد كرس الدستور مبدأ الانتخاب المباشر لمعظم تلك الهياكل وقطع بالتالي مع آلية التعيين من طرف السلطة التنفيذية.
يتوقّف تفعيل هذه المبادئ على إصلاحات مرافقة وضرورية مرتبطة بإصلاح الدولة ككل. ومن دون هذه الإصلاحات، يبقى مشروع الحكم المحلي مجرد أطر قانونية نظرية بلا مضمون حقيقي. ومن هذه الإصلاحات الإصلاح الجبائي ومراجعة هيكلة الأملاك العمومية ومراجعة تنظيم القضاء الإداري والمالي بما يتلاءم والمهام الجديدة في مجال الرقابة اللاحقة على أعمال الجماعات المحلية.

كما أن إصلاح اللامركزية ليس شأناً ينحصر بوزارة الدّاخلية والبلديّات. فالنظر إلى الأمر من منظار مراجعة برمجة وتنفيذ المشاريع العمومية المهيكلة على المستوى المركزي بحيث تصبح جزءاً منها مشاريع جهوية ومحلية تدار في كافة مراحلها من طرف الجماعات المحلية. فالمقاربة الاندماجية بين مختلف تدخلات الدولة عبر مجال ترابي لا مركزي (جهوي أو محلي) هي وحدها الكفيلة بصهر هواجس الدولة المركزية مع هواجس الأطر الجهوية والمحلية. ومن شأن هذه المقاربة أن تعطي لتفعيل الباب السابع من الدستور مضموناً تنموياً واقتصادياً يتجاوز الجانب السياسي المتمثل في بسط منظومة ديموقراطية محلية قائمة على مبدأ المشاركة. وعلى خلاف ذلك، تبدو النظرة السائدة للأسف غير مبالية بالمقاربات القطاعية للتنمية والتي تكرس تدخلات تنموية منفصلة عن بعضها البعض (تدخلات الوزارات المختلفة كلاً في مجالها، تدخلات مؤسسات ووكالات وطنية في مجالات مختلفة لا رابط بينها).
 
 صعوبات تفعيل الباب السابع من الدستور

لا شك في أن الاستحقاقات الثورية المفروضة على الدولة تقف حجر عثر أمام تفعيل السلطة المحلية. فهذا المشروع يقتضي تمويلات ضخمة خاصة وقد اقتضى الدستور أن يقترن تحويل صلاحيات الى الجماعات المحلية بتحويل إمكانيات بشرية ومالية. إلا أن وضع المالية وما تعانيه من عجز كبير في ميزانية الدولة مع حالة الانكماش الاقتصادي لا تسمح للدولة بتفعيل هذا الباب بأريحية.

كما أن ضعف الإدارة اللامركزية وقلة خبرتها ليس عاملاً مشجّعاً على تحميلها مسؤولية التعهد باستحقاقات لم تعتدْ عليها الى حد تحذير بعض المنظمات الدولية المختصة من الخشية من تفاقم ظاهرة الفساد على المستوى المحلي بسبب ضعف مستوى الحوكمة وتداخل المصالح المحلية والشخصية الضيقة بين السلطة المحلية ومنظوريها. ولقد أثبتت عديد الدراسات أن ظاهرة الفساد تتفاقم أكثر على المستوى المحلي بفعل ضعف وازع خدمة الصالح العام وتفضيل خدمة المصالح المحلية الضيقة.

كما يخشى تضارب المصالح البيّن بين تعميم التنظيم البلدي من جهة والحاجة الى دعم الجهات من جهة ثانية. فقد يفقد تعميم التنظيم البلدي المجالس الجهوية مداخيل هامة على مستوى الجباية المحلية ومداخيل جهوية كالأسواق وغيرها من المداخيل الأخرى. كما يمكن أن يترتب على تعميم التنظيم البلدي بروز بلديات ذات مساحة يستحيل تسييرها من طرف بلدية (مثال بلدية سجنان التي ستصل مساحتها إلى  قرابة 20 كيلومتر).
وختاماً، أن وضع أركان السلطة المحلية هو مسار طويل يقتضي تدرّجاً وطول نفس. أما أن يتم بطريقة الجرعة الواحدة، فقد يؤدي ذلك الى ما لا يحمد عقباه.