منذ أكثر من 10 سنوات، وبينما كنّا بضعة عشراتٍ نتظاهر بقلقٍ شديد ضد النظام الأمنيّ اللبنانيّ السوريّ المشترك، كان بيننا محامون، ولم نكن نعرف بدقّةٍ ما إذا كان هؤلاء المحامون حاضرين في ساحة العنف كمتظاهرين معنا أو كأصحاب دورٍ بيننا، كمظلّةٍ ما.. هل لدينا مدخل إلى الحماية؟ هل لدينا إلى "الدولة" مدخل؟ لكن رجال الأمن يومها سبقونا في تفكيرنا، وسارعوا إلى صدّ هذه الإمكانية. ففي ذاك الشارع، في محيط جنينة الصنائع، لما استفرد رجال الأمن بشابٍ منا، وانهالوا عليه بالضرب العنيف، والتحقير، والشتائم، كدرسٍ يُلقّن لنا جميعاً، نحن الراكضين بكلّ اتجاه هرباً من هراوات تنهال بعنف الإنتقام علينا، تم إلغاء المحامي. هو، كان قد ركض ببديهية غير معتادة أو مبررة حينها، نحو الشاب الغارق في دمائه بين أقدامٍ تستمر في دوسه، عرّف بنفسه، وصاح بالمعتدين الأمنيين: من أنتم؟ أين ملابسكم الرسمية؟ أين أوراقكم؟ لا يحق لكم، أنتم تخرقون قانون الـ... فما كان من رجال الأمن إلا أن عالجوه بضربةٍ على الوجه أردته أرضاً، وخلّفت علامةً على وجهه، وفي وعينا.
بقيت عيناه مليئتين بالقهر لمدّة، قبل أن يرحل عن البلد. قهرُ مَن مُنع وجوده. أُلغي دوره. ودُفن صوته في حنجرته. صار تأثيره صفراً. وفي المقابل، ستمنحه السلطة اعتداداً برداءٍ يلقيه على كتفيه و"أستذةً" يُنادى بها، يستمدّ "فوقيتها" من كهفٍ يلتقي فيه المهنيّون، اسمه نقابة، يصبحون فيها تماثيل رخامٍ لا إرادة فيها إلا لأداة النحت. إذ كانت النقابات قد سقطت حينها أمام النظام، وأُفرغت من معناها النضاليّ، قبل أن تنهال هذه اللطمة بحريّةٍ على وجنة محامٍ.

إلا أن حصانة المحاماة لم يقرّها العقد الإجتماعي لاقتناعٍ ماورائي بتميّزٍ جينيّ لدى ممارسي وممارسات مهنة المحاماة. لم نحمهم /ن إلا لنحمي أنفسنا. هو كان يعرف ذلك. كثيرات وكثيرون من ممارسي المحاماة يعرفون ذلك.
 
لا طبق فضّة ولا دمّاً أزرق

منذ أكثر من 10 سنوات، لم يكن المجتمع المدنيّ قد تشكّل بعد كشبكة أمانٍ للأفراد الناشطين فيه. ولم تكن التحالفات المحكية وغير المحكية بين عناصر إعلامية وحملات مطلبية قد تشكّلت على النحو المعروف راهناً. فلم يشكّل ضرب المتظاهرين ولا المحامي مادةً اعتراضية، لم تستحق خبراً في الإعلام حتى. بدا ضربه كقصاصٍ يستحقه على هبّةٍ عاطفية أو نشوةٍ مهنية اعترته. كمن بالغ، خرج عن الدور المرسوم له، فاستحق تحجيمه. وقد سادت هذه "المعرفة" تماماً كما يسود "استنتاجٌ" ولو ضمني بأن السيدة التي تمّ تعنيفها جنت على نفسها. لم نكن قد اعتدنا بعد على أن العلن هو مكانٌ آمنٌ لنا، أو متعاونٍ معنا. اليوم، الخروج إلى العلن، علن الشارع وعلن الإعلام، بات مسلّماً به كأداةٍ في النضال والحماية. لا شيء مما هو مسلّمٌ به اليوم، ولد من عدمٍ أو بسهولة.

أذكر تماماً لمّا بدأت قلّة من المحامين بالخروج إلى الإعلام، لتروي لنا فصولاً يومية من الظلم الذي نتعرّض له، تنظّمه أمامنا خارج اليد المطلقة التي أوحت لنا السلطة بأنها تمتلكها. تلك القلّة، عقدت مؤتمرات، وخاضت مواجهات، وتهدّدت في مهنتها، وهي تناقش في العلن بنوداً أتتنا مرفقة بالسِحر.. سحر الممكن. فقد نفضت بعض التيئيس عنا، والسلطة هي مصدر التيئيس. السلطة كانت – وما زالت – تزرع فينا الإحساس بالعجز التام أمام نظامٍ مطلَق الصلاحيات، متعنّت، وقح، لا يُطال. المحاماة النضاليّة أخبرتنا بأنه مقيّدٌ بقوانين، قد تساعدنا هنا، وقد نضطر إلى الشدّ نحو تغييرها هناك، وسنفشل كثيراً، وسننجح قليلاً، وسنراكم، وسنضطره على بعض ماء الوجه، وسنفرض عليه حريّة بعضنا لما يُساقوا كدروسٍ تُلقّن لجميعنا. سيحمي عاملةً، ولو لم يحمِ كلّ العاملات. سينتصر للاجئةٍ، ولو لم ينتصر لجميع اللاجئين واللاجئات. وسيعلن سوابق يُبنى عليها، وسنتعلّم منها في مسيراتنا المطلبية. هناك مساحات فعلٍ، وهناك محامون يترافعون لأجلها، وهناك قضاة قد يتعاونون، وهناك آلياتٌ لتوسيع هذه المساحات الضيقة. في المخفر، في قاعة المحكمة، لم يعد ينتظرنا رعبٌ، مصاريف لا طائل فيها ومنها، هوّة تمتصّ الداخلين/ات إليها. بتنا ندخلها متسلحات بالممكن، خارج أناقة الرداء وحريّة القمع.

كنا نجلس إلى قارعة شارعٍ نطالب منها كوكب القرار بألا يكون على هذا القدر من الظلم. كنا نكتب كمن يثور على قيودٍ لا يعرف مدى تحكّمها به. اليوم، بتنا نستطيع إلى كوكب القرار سبيلا، نعايره بظلمه، نحاكمه على تجاهل حقوقنا، ونطالب بالمزيد منها. نراكم، مهما أخطأنا أو فشلناـ ونناقش، في العلن، الممكن والأخطاء والإمكانيات. وليس من باب الصدفة أن يُمنع المحامون والمحاميات من الخروج إلى الإعلام، للمحافظة على كوكب القرار معزولاً تماماً عنا. فقد اتضح لنا على مرّ النضال المطلبيّ أنه يمكن للمحاماة أن تكون نقطة وصلٍ بين المواطَنة والدولة، بعدما جعلها السكوت والصمت نقطة فصلٍ بينهما. خروج المحامين إلى الإعلام جعلنا أولاً نكسر بوابة هذا الكهف حيث تُعتّق العدالة، كاختصاصٍ منعزلٍ عن مجتمعه. مع كسر هذا الإحتكار المعتم، تمّ تجسير العلاقة بين المواطَنة والعدالة. هذا هو الدور الذي لأجله منحنا، نحن الناس، المحاماة حصانةً، وليس لسحرٍ في عيني محامٍ ولا لدمٍ أزرق في عروق محامية. وهذا لم يلده عدمٌ ولا أتى على طبقٍ من فضّة ليكون اليوم موضع نقاشٍ مترفٍ مترفّعٍ. هذا أتى نتيجة نضالٍ خاضه محامون وتخوضه محاميات، بالتشبيك والتعاون المباشر مع مجتمعٍ مدنيّ يراكم، وتُرفع جهودهم /ن على منصات إعلامٍ مطلبيّ يتبلور. فآلية تحويل قضيةٍ خاصة إلى مطلبٍ عام هي فعلٌ نضاليّ، سقفه العدالة.
 
القطاعية كأداة تدجين
 
ماذا تعني حصانة المحامي /ة، إذا قوربت بمعزلٍ عن القضية التي يدافع عنها؟ إذ، ماذا تعني حصانة محامٍ يعنّف زوجته في الشارع؟ لأجل ذلك منحناه حصانةً؟ في المقابل، ماذا تعني حصانة محامٍ يدافع عن مواطنٍ يُضرب في الشارع؟ هل منحناه حصانةً لغير ذلك؟ التعامل مع القطاعات والبيوت والأوراق كمسائل ذات "خصوصية" أو تميّز جيني لا يبرره دورٌ إجتماعي، هو فعل سلطةٍ وليس فعل عدالة. كلّ إخفاءٍ في "المنزل" أو في "النقابة" هو فعل تعتيم. في المقابل، خروج القضايا على ألسنة محاميها إلى العلن هو فعل حماية، توعية، وتعبئة للعدالة. إن إخفاء العنف الأسري عن المجتمع كشأنٍ خاص هو تكريسٌ للعنف كأداة تواصل بين سيّدٍ ومستعبدته بمباركة النظام السياسيّ والدينيّ والاجتماعيّ الذي يدير العلاقة بينهما. يملي خروج المرأة بقضيتها إلى العلن قصاصاً تتلقاه في شرفها وصيتها وأمومتها. ولمّا خرجنا بقضيتها إلى العلن، ولما حشرناها في عين السلطة والمجتمع، لم نكن نصنع من المرأة إثارةً، ولم نكن نصنع للمحامي صيتاً، ولم نكن نحصد التصفيق والشهرة والقرّاء. تلقينا التسكيت والتجاهل والتسخيف، وأصرّت هي، وأصرّت الحملة، وأصرّ بعض المحاماة، وأصرّ بعض الإعلام، فتفاعل المجتمع حتى خرج مزاجه العام عن "تقبّل" العنف الأسريّ كشأنٍ خاص. وبذلك، تشكّلت حماية وتوعية وتعبئة من أجل إقرار قانون. مستغلو العلن موجودون في الصحافة وفي المحاماة وفي كلّ المهن، لكن إمكانيات الاستغلال لا تصوغ الدور المرجو من هذه المهنة: لن أطالب بمنع خروج الصحافيين على الإعلام لتفادي استغلالٍ ما. فكلّ قانونٍ أو عرفٍ قمعيّ يصلنا مرفقاً بلائحة موجبات تخشى على "نقاء" من "استغلال" (قانون الجنسية للأم اللبنانية، مثلاً). وفي ذلك تدجينٌ للأفراد بـ"ميزة" انتمائهم/ن إلى "قطاع" مترفّع. والسلطة لا تعنف فحسب، وإنما هي تدغدغ المدجّنين/ات أيضاً. فكما تدغدغ الأنا المحامية بالأستذة، تدغدغ الأنا الصحافية بالسلطة الرابعة. وكلاهما دغدغة تمارسها السلطة لتخدير الدور: كن جميلاً واصمت، يا قطاع.
مهما كان "السبب الموجب" خلف منع المحاماة عن الإعلام، مهما امتلكت النقابة من أمثلةٍ على ضرورته، فإن موجب خروج المحاماة على الإعلام هو تحديد العدالة سقفاً للمجتمع وشأناً عاماً فيه. وقد رأينا ذلك يتحقق بأمّ العين في قضايا محدّدة، لها أسماء ووجوه، فيها انتصارات وهزائم، تصنع سياقاً للعدالة في مجتمعنا: من قضايا اللجوء العراقي والسوري والفلسطيني إلى قضايا العنف الأسري، من جنسية المرأة اللبنانية إلى حقوق العاملات الأجنبيات، من قضايا الإعاقة إلى المخفيين قسراً والأملاك البحرية فالحراك. هذه، والمزيد منها، هي كلها مساحات للتأثير ما كانت لتولد لولا إمكانيات الخروج بها إلى العلن. العلن هو مساحة تحتلها الدولة وتتحكّم بها. والعلن هو مساحة نحارب لأجلها، أكنا محامين أو صحافيات أو معنّفات أو مضروبين. نسيّسها، ونقول أن النظام مترابطٌ متشابكٌ فيها، وأننا جميعاً سنمتلكها، بهمّة محامٍ، بهمّة صحافية، بهمّة مناضلين ومناضلات عابرين للقطاعات التي تدجّنهم/ن. فالعزلة في قطاع هي أداةٌ لتدجين ناسه وتحييدهم عن الفعل.

منذ تلقى المحامي الضربة على وجنته وحتى اليوم، قطعنا عالماً من المستحيل، تم تطويعه ليصبح متاحاً. قد يبدو بديهياً للبعض اليوم تشكيل "لجنة محامين" تدافع أولاً عن معتقلي ومعتقلات الحراك، لكن أيضاً تتواجد في كافة ساحات النضال المطلبي الراهن في لبنان، ومن ضمنها ساحتها الخاصة، ساحة المحاماة. هذا البديهي اليوم هو مستحيل السنوات الماضية. وكم يحلو الحلم بعملٍ مطلبيّ يتمتع بلجنة محامين، لجنة صحافيين، لجنة أطباء، لجنة مهندسين، لجنة مصممين، ... لجان تخرج عن "وصاية" نقابات التدجين التي تطبّعت مع النظام على مرّ العقود والتجارب، لتتشابك مع لجنة أهالي المخفيين قسراً، وحراك المعوقين، وحملة الجنسية، ونقابة العاملات المنزليات، و... فلا شيء تحبه الأنظمة القمعية أكثر من الركود والعتم وعزل القطاعات عن بعضها وعن العلن. ولا شيء تحتاجه العدالة أكثر من التقاطعية في طلبها.

نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية