روّجت الطبقة الحاكمة مؤخّرا لمفهوم جديد: تشريع الضرورة. فبفراغ منصب رئيس الجمهورية، لا يجوز للمجلس النيابي أن يواصل عمله التشريعي الطبيعي، بل يجب أن يقتصر هذا العمل على التشريعات الضرورية فقط. ومن هنا، تكون مهمة مكتب المجلس النيابي انتقاء مشاريع واقتراحات القوانين التي تتوفر فيها هذه الصفة لإدراجها على جدول أعمال الهيئة العامة. ويكون عليه بالمقابل استبعاد المشاريع والاقتراحات الأخرى التي لا تكون ضرورية. ولكن، ما هو القانون الضروري؟ كيف نعرّفه؟ من خلال التدقيق في القوانين التي تم إقرارها، أمكن القول أنه فيما عدا القوانين التي تجيز للحكومة الانضمام إلى معاهدة أو اتفاقية دولية، فإن القوانين الداخلية (التي بلغ عددها 8) بدت كلها باستثناء قانون سلامة الغذاء أقرب إلى تشريع الأمر الواقع منه إلى التشريع لمواجهة ضرورات إجتماعية معينة.

وهذا ما يتأكد من القانونين الآيلين إلى إدخال زيادات على الموازنة السنوية لسنة 2005. فمن المعلوم أن آخر موازنة للبنان تعود لسنة 2005 وأن إدارات الدولة تعمل منذ ذلك الحين على أساسها وفق قاعدة الإثني عشرية أي القاعدة التي تحتسب النفقات الجائز عقدها شهرياً على أساس 1/12 من النفقات السنوية لآخر موازنة عامة. وكانت هذه القاعدة قد وًضعت في الأساس كحلّ مؤقت هدفه ضمان استمرارية المرفق العام في حال تأخر المجلس النيابي عن إقرار قانون الموازنة العامة للسنة المعنية ضمن الآجال الدستورية، وريثما يتمكن من ذلك. أما أن يستمر العمل بها إلى ما لا نهاية، ولأكثر من عشر سنوات، ومن دون أن يكون على جدول أعمال المجلس النيابي أي مشروع موازنة، فهذا يشكل عمليا مخالفة دستورية جسيمة وإلغاء للدولة. ويتشارك في هذه المخالفة مجلس الوزراء المكلف دستوريا بإعداد مشروع الموازنة والمجلس النيابي المكلف بإقراره. وما يزيد قابلية الأمر للإنتقاد هو أن المشرع انتهج إقرار زيادات دورية على موازنة 2005، تأخذ بعين الإعتبار حجم التضخم وزيادة الرواتب والإلتزامات المستجدة للدولة. وهذه الزيادات الدورية تصبح عند إقرارها جزءاً من موازنة 2005 بحيث تطبّق القاعدة الاثني عشرية فيما بعد على موازنة 2005 والزيادات التي تم إدخالها عليها. واللافت أن هذه الزيادات يتم إقرارها لتغطية ما تكون الطبقة السياسية اتفقت على صرفه بل صرفته فعلياً، وتالياً على سبيل التسوية. وبذلك، وبدل أن يكون المشرّع على موعد سنويّ مع مشروعي قانون قطع حساب للسنة الماضية وموازنة للسنة القادمة مع ما يتيحه من مناسبة للمساءلة وللتفكير في حاجيات المجتمع وأولوياته، ينحصر دوره في تشريع ما تكون السلطة التنفيذية قد فعلته بمنأى عن أي مساءلة. وبالطبع، يفتح هذا الأمر باباً واسعاً أمام المحسوبية والتحكّم في موارد الدولة.

الأمر الواقع نجده أيضا في مشروع القانون الآيل إلى تشريع إنجاح الطلاب بالإفادات من دون أي اختبار ردّاً على إضراب هيئة التنسيق النقابي. ومن المعلوم أنه سبق لهذا المشروع وأنتج مفاعيله بموجب قرار وزاري قبل سنة ونصف السنة. وكذلك الأمر بخصوص إقرار القوانين المتصلة بتبييض الأموال وتبادل المعلومات، والتي قدمت كضرورة لا بدّ منها نتيجة الضغوط الدولية في مكافحة تمويل الإرهاب.

أمر واقع من شأنه أن يحوّل عملية التشريع من عملية استشراف للصالح العامّ إلى عملية بصم لقيادات اعتادت أن تحتكر وأن تسخّر كلّ ما هو عام.   
   
نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية